وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَ
انتهى هذا الفصل من الجانب الدموي من العدوان، ولكن العدوان نفسه لم ينته. فالعدوان، مستمر بتصعيد أم بدونه، بحصار أم بدونه. العدوان موجود ما دام الاحتلال نفسه موجودا، والعدوان قائم ما دامت جرائم إسرائيل وجرائم جماعات الإرهاب اليهودية التي سبقت تشكيل دولتها منذ مطلع القرن السابق وإلى يومنا هذا لم تنل جزاءها العادل، ولم يلق بمرتكبيها في محاكمات جرائم حرب دولية يشرف عليها قضاة ودول ليست شريكة في الجرائم أصلا... قضاة ودول متحررون من ضغوطات هذا الطرف أو ذاك ليوقعوا العقوبة المستحقة بحق معاتيه ومجرمين وذوي نفسيات غير سوية ولا ينتمون لفصيلة البشر أصلا.. أولئك من قتلة الأطفال والنساء والمدنيين وحرق البشر والحيوان والشجر والحجر بالفسفور الأبيض واليورانيوم المنضب.صمدت المقاومة الفلسطينية ذات التسليح الفقير والذي بالكاد يذكر، وانتصر شباب قليل عدة وعتاد وتدريب بصموده وعدم انكساره أمام آلة دمار همجية لا تبقي ولا تذر. وخسرت إسرائيل بعدم انتصارها بالضربة القاضية، وفي فشلها في تحقيق هدف واحد من أهداف حملتها الهمجية البربرية، اللهم إلا الاستقواء على نساء وأطفال وعجز ومدنيين عزل.إن حال إسرائيل والمقاومة، كحال بطل ملاكمة للوزن الثقيل يوضع في قفص مغلق مع صبي هزيل الوزن وهزيل القوة في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة من عمره. وتدور فصول المعركة غير المتكافئة لتسع جولات كاملة، ويعجز فيها بطل العالم للوزن الثقيل عن حسم المعركة بالضربة القاضية مع خصم ليس له فرصة تذكر. بل والأدهى من ذلك، أن ذلك الصبي الهزيل، ينجح في توجيه لكمات مركزة وقوية تفقد البطل الهمام توازنه مرات عدة. وتكون النتيجة أن لا بطل العالم انتصر، ولا الصبي انهزم، وفي حقيقة الأمر وضمن سياق الظروف، فإن الصبي يكون هو المنتصر الفعلي. نعم، هزمت إسرائيل عندما لم ترفع مقاومة غزة الرايات البيضاء. مقاوموا غزة لم يكونوا من نوع البشر الذين اعتادت عليهم إسرائيل من قبل (باستثناءات قليلة آخرها في لبنان)، والذين يخرجون رافعين أيديهم شبه عراة ليس عليهم إلا ملابسهم الداخلية-سترا لعورات غير مستورة أصلا-تعبيرا عن مذلة الاستسلام، كما هي تعبير عن مذلة المُسْتَسْلِمِ. هذا جيل جديد، ونوع جديد من المقاومين والبشر، نوع لا يعرف معنى للهزيمة، ولا هي موجودة في قاموسه أصلا. نوع يؤمن أن انتصاره تمكين وبأن قتله شهادة. إنها بالنسبة إليه إحدى الحسنيَّن، إما نصر أو استشهاد. هم نوع جديد من المقاومين، ولكنهم ليسوا استثناء في تاريخ هذه الأمة. عندما هزم المسلمون في أحد، وقف أبو سفيان مزهوا بنصره، مناديا بأعلى صوته "إن الأيام دول وإن الحرب سجال، يوم بيوم بدر". فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة بالرد قائلين: "لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار". فيرد أبو سفيان بالقول: "لنا العزى ولا عزى لكم". فيأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه بالرد مجددا قائلين: "الله مولانا ولا مولى لكم". فيقول أبو سفيان: "اعل هبل". فيرد الصحابة المكرمون بأمر قائدهم: " الله أعلى وأجل".إنهم طراز فريد من البشر مايزوا بين صورتين. الصورة الأولى: "أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ. سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ. بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ. إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ. يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ" (القمر: 44-48). أما الثانية: "وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ. الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ. الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ. إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ" (آل عمران: 169-175). إذن إسرائيل لم تنتصر، حتى أن في إعلامها ومن ضمن سياسييها وعسكرييها ومفكريها من يتحدثون عن عجز إسرائيل عن تحقيق النصر ويلومونها على إيقاف الحرب من جانب واحد وقبل أن يتحقق هدف واحد من أهداف العدوان المعلن عنها ابتداء. فلا الأسير جلعاد شاليط حرر، ولا حماس اجتثت، ولا حكومتها قوضت، ولا هي توقفت عن تبني مشروع المقاومة، ولا هي اعترفت بإسرائيل، ولا حتى قبلت باشتراطاتها لوقف الحرب، ولا ثار شعب غزة على مقاومته وقيادته، ولم يعد جناح سلطة مقاطعة رام الله على ظهور دبابات جيشها المنكسر. إلا أن هذه الحقائق تُغَيَّبُ في خطاب بعض رموز سلطة مقاطعة رام الله. فهم أصابهم الجنون بصمود المقاومة الأسطوري في غزة وعدم انهيار قيادتها كما انهاروا هم من قبل، ولا زالوا، مرارا وتكرارا واستسلموا حتى دون إطلاق رصاصة واحدة وحتى قبل أن يعلن النذير ويحمى الوطيس. وَغُيِّبّتْ ذات الحقائق من بعض خطاب ذات المعسكر في الفضاء العربي. ذلك المعسكر المسكون بعار الهزيمة في كل معركة دخلها باسم دول سكانها بعشرات الملايين وجيوشها بالملايين وثرواتها بالترليونات. لقد هزموا تقريبا في كل معركة مع إسرائيل، وأصبحوا فيما بعد عبيدا لمشروعها لإذلالهم هم أنفسهم، ولذلك تراهم اليوم، كما هو ديدنهم عبر مراحل مختلفة من عمر هذا الصراع، يصرون على تحميل الشعب القابع تحت الاحتلال، والذي يُمَوَتُ ببطئ عبر الحصار القاتل، مسؤولية المجازر الإسرائيلية المرتكبة بحقه، كما يحملون المقاومة مسؤولية بشاعة الألم الذي تعرض له شعبهم عند الذبح، ذلك أنه كان من الأفضل الاستسلام السريع لسكين مشحوذة بدل مقاومتها لما يترتب على ذلك من إطالة عمر المعاناة!. فمنطق أولئك يقول، أنه من الأفضل أن تموتوا بأسرع وقت وبأحسن طريقة، وعيب أن تلطخوا ثياب الجزار بدمائكم ما دمتم ستموتون على أي حال!؟هذا منطق ذلك النفر الذي لم يكسب معركة قط والذي لم يعش لحظة عزّ وكرامة قط، بل إنه لا يستطيع أصلا أن يعيشها لأنها ستثقل كاهل قلبه الهزيل أصلا. خلال العدوان، وبعده، وحتى قبل أن يبدأ بصورته الدموية الأعنف، كنت كغيري مهموما مغموما بالخناجر المسمومة التي يغرسها أولئك الشرذمة القليلون بجبن الغدر المطبوعين والمجبولين عليه في ظهر الشعب الفلسطيني ومقاومته الشريفة الباسلة. ولكني بعد ذلك استذكرت بعضا من آيات الكتاب المبين التي تعلمنا كيف نستقبل مثل هذا الوضع، وكيف نتعامل مع شراذمه، فتيقنت حينها أن ذلك كله يحدث لخير. فمثل أولئك الشرذمة لا ينبغي أن يُشَرَّفوا بموقف عزّ يأباهم ويلفظهم. إن لسان حال تلك الشرذمة، هو ما عبر عنه رب العزة جلّ وعلا: "وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا" (الأحزاب: 12). ولكن القرآن يعلمنا أن ذلك لحكمة، فلا ينبغي أن نبتأس. "وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ. لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ. لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ" (التوبة: 46-48).نعم، لقد عرف تاريخ الإسلام وسيرة الرسول الأعظم أمثال هذه الشرذمة الوقحة من أبناء جلدتنا. إنهم أحفاد عبد الله بن أبيّ بن سلولِ "إذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ. اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ. وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ".صدق الله رب العزة جلَّ وعلا: "هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ".
انتهى هذا الفصل من الجانب الدموي من العدوان، ولكن العدوان نفسه لم ينته. فالعدوان، مستمر بتصعيد أم بدونه، بحصار أم بدونه. العدوان موجود ما دام الاحتلال نفسه موجودا، والعدوان قائم ما دامت جرائم إسرائيل وجرائم جماعات الإرهاب اليهودية التي سبقت تشكيل دولتها منذ مطلع القرن السابق وإلى يومنا هذا لم تنل جزاءها العادل، ولم يلق بمرتكبيها في محاكمات جرائم حرب دولية يشرف عليها قضاة ودول ليست شريكة في الجرائم أصلا... قضاة ودول متحررون من ضغوطات هذا الطرف أو ذاك ليوقعوا العقوبة المستحقة بحق معاتيه ومجرمين وذوي نفسيات غير سوية ولا ينتمون لفصيلة البشر أصلا.. أولئك من قتلة الأطفال والنساء والمدنيين وحرق البشر والحيوان والشجر والحجر بالفسفور الأبيض واليورانيوم المنضب.صمدت المقاومة الفلسطينية ذات التسليح الفقير والذي بالكاد يذكر، وانتصر شباب قليل عدة وعتاد وتدريب بصموده وعدم انكساره أمام آلة دمار همجية لا تبقي ولا تذر. وخسرت إسرائيل بعدم انتصارها بالضربة القاضية، وفي فشلها في تحقيق هدف واحد من أهداف حملتها الهمجية البربرية، اللهم إلا الاستقواء على نساء وأطفال وعجز ومدنيين عزل.إن حال إسرائيل والمقاومة، كحال بطل ملاكمة للوزن الثقيل يوضع في قفص مغلق مع صبي هزيل الوزن وهزيل القوة في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة من عمره. وتدور فصول المعركة غير المتكافئة لتسع جولات كاملة، ويعجز فيها بطل العالم للوزن الثقيل عن حسم المعركة بالضربة القاضية مع خصم ليس له فرصة تذكر. بل والأدهى من ذلك، أن ذلك الصبي الهزيل، ينجح في توجيه لكمات مركزة وقوية تفقد البطل الهمام توازنه مرات عدة. وتكون النتيجة أن لا بطل العالم انتصر، ولا الصبي انهزم، وفي حقيقة الأمر وضمن سياق الظروف، فإن الصبي يكون هو المنتصر الفعلي. نعم، هزمت إسرائيل عندما لم ترفع مقاومة غزة الرايات البيضاء. مقاوموا غزة لم يكونوا من نوع البشر الذين اعتادت عليهم إسرائيل من قبل (باستثناءات قليلة آخرها في لبنان)، والذين يخرجون رافعين أيديهم شبه عراة ليس عليهم إلا ملابسهم الداخلية-سترا لعورات غير مستورة أصلا-تعبيرا عن مذلة الاستسلام، كما هي تعبير عن مذلة المُسْتَسْلِمِ. هذا جيل جديد، ونوع جديد من المقاومين والبشر، نوع لا يعرف معنى للهزيمة، ولا هي موجودة في قاموسه أصلا. نوع يؤمن أن انتصاره تمكين وبأن قتله شهادة. إنها بالنسبة إليه إحدى الحسنيَّن، إما نصر أو استشهاد. هم نوع جديد من المقاومين، ولكنهم ليسوا استثناء في تاريخ هذه الأمة. عندما هزم المسلمون في أحد، وقف أبو سفيان مزهوا بنصره، مناديا بأعلى صوته "إن الأيام دول وإن الحرب سجال، يوم بيوم بدر". فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة بالرد قائلين: "لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار". فيرد أبو سفيان بالقول: "لنا العزى ولا عزى لكم". فيأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه بالرد مجددا قائلين: "الله مولانا ولا مولى لكم". فيقول أبو سفيان: "اعل هبل". فيرد الصحابة المكرمون بأمر قائدهم: " الله أعلى وأجل".إنهم طراز فريد من البشر مايزوا بين صورتين. الصورة الأولى: "أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ. سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ. بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ. إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ. يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ" (القمر: 44-48). أما الثانية: "وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ. الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ. الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ. إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ" (آل عمران: 169-175). إذن إسرائيل لم تنتصر، حتى أن في إعلامها ومن ضمن سياسييها وعسكرييها ومفكريها من يتحدثون عن عجز إسرائيل عن تحقيق النصر ويلومونها على إيقاف الحرب من جانب واحد وقبل أن يتحقق هدف واحد من أهداف العدوان المعلن عنها ابتداء. فلا الأسير جلعاد شاليط حرر، ولا حماس اجتثت، ولا حكومتها قوضت، ولا هي توقفت عن تبني مشروع المقاومة، ولا هي اعترفت بإسرائيل، ولا حتى قبلت باشتراطاتها لوقف الحرب، ولا ثار شعب غزة على مقاومته وقيادته، ولم يعد جناح سلطة مقاطعة رام الله على ظهور دبابات جيشها المنكسر. إلا أن هذه الحقائق تُغَيَّبُ في خطاب بعض رموز سلطة مقاطعة رام الله. فهم أصابهم الجنون بصمود المقاومة الأسطوري في غزة وعدم انهيار قيادتها كما انهاروا هم من قبل، ولا زالوا، مرارا وتكرارا واستسلموا حتى دون إطلاق رصاصة واحدة وحتى قبل أن يعلن النذير ويحمى الوطيس. وَغُيِّبّتْ ذات الحقائق من بعض خطاب ذات المعسكر في الفضاء العربي. ذلك المعسكر المسكون بعار الهزيمة في كل معركة دخلها باسم دول سكانها بعشرات الملايين وجيوشها بالملايين وثرواتها بالترليونات. لقد هزموا تقريبا في كل معركة مع إسرائيل، وأصبحوا فيما بعد عبيدا لمشروعها لإذلالهم هم أنفسهم، ولذلك تراهم اليوم، كما هو ديدنهم عبر مراحل مختلفة من عمر هذا الصراع، يصرون على تحميل الشعب القابع تحت الاحتلال، والذي يُمَوَتُ ببطئ عبر الحصار القاتل، مسؤولية المجازر الإسرائيلية المرتكبة بحقه، كما يحملون المقاومة مسؤولية بشاعة الألم الذي تعرض له شعبهم عند الذبح، ذلك أنه كان من الأفضل الاستسلام السريع لسكين مشحوذة بدل مقاومتها لما يترتب على ذلك من إطالة عمر المعاناة!. فمنطق أولئك يقول، أنه من الأفضل أن تموتوا بأسرع وقت وبأحسن طريقة، وعيب أن تلطخوا ثياب الجزار بدمائكم ما دمتم ستموتون على أي حال!؟هذا منطق ذلك النفر الذي لم يكسب معركة قط والذي لم يعش لحظة عزّ وكرامة قط، بل إنه لا يستطيع أصلا أن يعيشها لأنها ستثقل كاهل قلبه الهزيل أصلا. خلال العدوان، وبعده، وحتى قبل أن يبدأ بصورته الدموية الأعنف، كنت كغيري مهموما مغموما بالخناجر المسمومة التي يغرسها أولئك الشرذمة القليلون بجبن الغدر المطبوعين والمجبولين عليه في ظهر الشعب الفلسطيني ومقاومته الشريفة الباسلة. ولكني بعد ذلك استذكرت بعضا من آيات الكتاب المبين التي تعلمنا كيف نستقبل مثل هذا الوضع، وكيف نتعامل مع شراذمه، فتيقنت حينها أن ذلك كله يحدث لخير. فمثل أولئك الشرذمة لا ينبغي أن يُشَرَّفوا بموقف عزّ يأباهم ويلفظهم. إن لسان حال تلك الشرذمة، هو ما عبر عنه رب العزة جلّ وعلا: "وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا" (الأحزاب: 12). ولكن القرآن يعلمنا أن ذلك لحكمة، فلا ينبغي أن نبتأس. "وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ. لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ. لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ" (التوبة: 46-48).نعم، لقد عرف تاريخ الإسلام وسيرة الرسول الأعظم أمثال هذه الشرذمة الوقحة من أبناء جلدتنا. إنهم أحفاد عبد الله بن أبيّ بن سلولِ "إذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ. اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ. وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ".صدق الله رب العزة جلَّ وعلا: "هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ".