بأي ذنب هدمت؟/ بقلم: صادق فتحي اغبارية
هدم منزل الكاتب يوم الأحد 05.01.14 في أم الفحم
هدم منزل الكاتب يوم الأحد 05.01.14 في أم الفحم
احتار كيف ابدأ كتابتي، كما يحتار الاب حين يحاول ان يرثي ابنه، فلذه كبده، فاي الكلمات يختار واي الاحرف تناسب هذا الموقف الحزين، عندما رن التلفون عندي الساعه الواحده ليلا، ورايت اسم المتصل علمت انني ساسمع خبرا مشؤوما وان مصيبه حدثت، وبالفعل هذا ما سمعت، " ان الجرافات في طريقها لهدم بيتك "، وانتهت المكالمه، بقيت الكلمات معلقه في الهواء كانها سيف ديموقليس معلق فوق الرقبة.
للحظات لم استوعب الكلمات جيدا، لماذا تتجه الجرافات الى بيتي، وهناك جلسه استماع في المحكمة المركزية في حيفا بتاريخ 1212013 ؟ بعد لحظات بدأ العقل يحلل ما سمعت على الهاتف، الجرافات في طريقها الى البيت، فهي لم تصل البيت بعد، وهي لم تبدأ عمليه الهدم، اذا ربما، بل من المؤكد بان هناك ما يمكن فعله، ولكن ماذا ؟ ماذا ؟ ماذا يمكن للانسان ان يفعل في مثل هذا الموقف ؟ تقف لحظات مذهولا وعاجزا فانت لا تعرف كيف تتصرف، فنحن نسكن بعيدا عن بيتنا ما لا يقل عن ساعة سفر في السيارة، وأول من خطر ببالي المحامي الذي اوكلته قضية بيتي، خرجت على عجل مع زوجتي الى السياره كي تقود السياره بينما اتصل انا بالمحامي، وعلى صاحب لي من التلفون الثاني، لكن لا احد يرد، فالساعه الان حوالي الواحده والنصف ليلا، لا احد يرد، وانا لا اعرف بيت المحامي، فتوجهنا الى بيت صاحبي لاقوم بالطرق على بيته مثل مجنون، ليقوم فزعا من نومه، وبدون مقدمات صرخت " خذني الى بيت المحامي "، وبدون ان يسالني صعد الى سيارته ليقودها بسرعه جنونيه كأنه علم بما يحدث، ونحن نلهث خلفه، وصلنا الى بيت المحامي بعد وقت احسسناه سنه، ونزلت انا وزوجتي نطرق على باب بيته مثل من به مس من جنون، وما بين طرقنا الباب وصراخي كي يصحو، خرج مذعورا، لا اعلم كيف انطلقت الكلمات في وجهه مثل البارود، " الجرافات في طريقها لهدم بيتنا "، لهدم حياتنا او ما تبقى منها، حاول ان يقول " هذا لا يمكن فلدينا جلسه في المحكمه ووووو "، صرخنا به " افعل شيئا فالجرافات تقترب من البيت "، وقفنا في منتصف الشارع نصرخ، كلام غير مفهوم وبالطبع غير لطيف وغير مؤدب، وكانه هو من سيقوم بهدم بيتنا، صرخنا حتى بح الصوت، المحامي دخل البيت ليتصل بالشرطه التي كان على اتصال دائم معها، ونحن في الشارع نصرخ، لا نعلم على من كان الصراخ موجها، طلب صاحبي ان نلحق به الى بيته، قدت السياره وانا لا ارى الطريق امامي، احسست كاني في بلد غريب لا اعرف شوارعه رغم اني اسكنه منذ سنتين، لم ار اين اتجه صاحبي بسيارته فكل شيء غائم امامي، لكني اذكر اني كنت اصل الى طريق مسدود لاعود ابحث عن طريق اخر توصلني الى مكان سكني، لا اعرف كيف وصلت البيت، زوجتي تبكي وتنتحب لا تقو على قطع المسافه من السياره الى البيت، فاق الجيران على بكائها، وصارت الرؤيه ضبابيه، يرن التلفون بلا انقطاع، اقرباء واصحاب من ام الفحم، نسمع فقط بكائهم على الطرف الثاني من الخط، الجرافات تهدم البيت الان، الجيران " اهلنا الجدد " يواسوننا، والدموع في العيون، ما اصعب الشعور بالعجز، هناك من يهدم بيتك، حياتك، حجرا حجرا وانت لا تقو على فعل شيء.
انتحيت جانبا وبدات ابعث رساله قصيره " انهم يهدمون بيتنا " بعثتها الى الشيخ رائد صلاح، الدكتور سليمان الانطون، الشيخ هاشم عبد الرحمن، الشيخ خالد الحمدان، الشيخ ابراهيم صرصور والشيخ عباس زكور والدكتور عفو ومصطفى ابو ماجد وناصر الصوص ووسام قحاوش ومصطفى الغليون ومسعود غنايم ومحمد صبحي جبارين والشيخ باسم من الكعبيه وسليمان الحسين والمهندس زكي اغباريه وشاهين صرصور والمحامي عادل بويرات وعيساوي فريج واخرون غيرهم، وبعثت بعدها برساله اخرى تقول " هدموا بيتنا " هناك من اتصل علي تلفونيا مواسيا وهناك من رد علي برساله مواساه، لهؤلاء وهؤلاء اقول شكرا لكم، ففي مثل هذي الحاله الانسان يبحث فقط عن كلمه ترفع معنوياته، لا اكثر ولا اقل، طبعا هناك فئه اخرى لم ترد على رسالتي حتى الان ولم تكلف نفسها عناء الاتصال علي، يجمعهم قاسم مشترك، اربعتهم رؤساء بلديه ام الفحم، رائد صلاح لم يرد علي، سليمان الانطون وهاشم عبد الرحمن وخالد الحمدان، اربعتهم لم اسمع منهم حتى هذي اللحظه، لماذا ؟ الله اعلم. وبالاضافه لهم ايضا لم يرد علي وسام قحاوش وناصر الصوص والدكتور العفو، لكل من اتصل في وواساني اقول له شكرا من قلبي، ولكل من لم يكلف نفسه السؤال عني اقول سامحه الله. الانسان في مثل هذي المواقف لا يأكل ولا يشرب، لكن " نفس الرجال بيحيي الرجال " هكذا كنت اسمع من والدي رحمه الله، وشكرا لمن راسلني فقط ليعاتبني، الا تعلم اخي سامحك الله بان العتاب احيانا اشد من القتل ؟ انك تفعل مثل الرجل الذي صار يعاتب غريقا يطلب النجده " لماذا نزلت النهر وانت لا تجيد السباحه ؟ لماذا لم تنتبه ان النهر عميق ؟ " ليصرخ به الموشك على الغرق " انقذني يا رجل اولا، وعاتبني بعدها كما تشاء ".
نزار قباني رثى زوجته بلقيس باحدى اجمل القصائد في الشعر العربي، وفيها قال " شكرا لكم شكرا لكم. .. فحبيبتي قتلت. .. وصار بوسعكم ان تشربوا كأسا على قبر الشهيده. .. " وانا اقول شكرا لكم شكرا لكم، فبيتنا هدم وصار بوسع الكثيرين ان يشفي غليله، وعندما رايت سور بيتي المهدم، لم ار حجاره واعمده مهدمه، بل كنت ارى فيها حياتنا وذكرياتنا مهدمه امام اعيننا، فشكرا لكم.
موقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكاركم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية منبر العرب. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان:alarab@alarab.net