الكنيسة ضد داروين- د. ميشيل عون
* في الذكرى ال- 150 لنشر كتاب "أصل ألأنواع" لتشارلز داروين
* في الذكرى ال- 150 لنشر كتاب "أصل ألأنواع" لتشارلز داروين
" وقال الله نعمل الانسان على صورتنا كشبهنا فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كل الارض وعلى جميع الدابات التي تدب على الارض . فخلق الله الانسان على صورته على صورة الله خلقه ذكرا وانثى خلقهم . وباركهم الله وقال لهم اثمروا واكثروا واملاوا الارض واخضعوها وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدب على الارض (سفر التكوين 1: 28 - 26 ) " .
في شهر يناير 1858، خلال رحلة استكشاف بحرية قام بها قبلة شواطيء أندونيسيا، وقع أحد العلماء والرحالة الأنجليز اسير لفراش المرض. بالرغم من مرضه فقد أستطاع هذا العالم أن ينص في رسالة مطولة، خلال فترة زمنية قصيرة لا تتراوح الأيام الثلاثة - نظريتة التي طورها من خلال مراقبته للحيوانت والطيور والنباتات حول "التطور وألأرتقاء" ، ومن ثم والتي أرسلها الى زميل يقدره جل تقدير. ونظرا لظروف المواصلات البحرية في ذلك الزمان فقد وصلت الرسالة الى المرسل اليه بعد خمسة اشهر، اي في يونيو 1858 قبل 150 عام من اليوم. هذا العالم هو ... الفرد راسل ولاس. أما المرسل أليه فلم يكن سوى تشارلز داروين (1809- 1882 ).
اصيب داروين بصدمة عند قرائته لفحوى الرسالة ، فقد كان في غمر مرحلة متقدمة من كتابة مجلد علمي كبير يتعلق بأثبات نفس النظرية التي توصل اليها صديقه ولاس ، وهو الأمر الذي أنهمك في تأليفة منذ سنوات ولم يكن قد أنهى نصفه بعد. شعر داروين بأن صديقه ولاس قد يسلبه الأمتياز وحق الأسبقية في ثمرة عمله منذ سنوات الأمر الذي أدخله في دوامة من الحيرة. قرر داروين التوجه الى اصدقاء مشتركين له ولولاس ، من الأعضاء المحترمين في الجمعية الملكية البريطانية وشرح لهم الموقف. بعد التداول في الأمر وبعد أن أثبت داروين ، بواسطة نصيين كان قد أرسلهما على شكل رسالتيين الى أصدقاء له في سنة 1844 و 1957 تحتويان على فحوى أفكار داروين حول التطور والأرتقاء ، وبهذا فأن له حق الأسبقية في تلك النظرية، تقرر بموافقة ولاس ، نشر رسالة ولاس الأصلية ، ملحقة بالرسالتين القصيرتين لداروين ، الأمر الذي تم فعليا في يناير 1859 وهكذا تم الأعلان المشترك لنظرية التطور والأرتقاء. مع ذلك فأن طروحات داروين وتعليله هي التي تمكنت من التغلغل للرأي العام وذلك في كتاياته اللاحقة حتى اصبحت هذه النظرية تنسب اليه مع الحفاظ على حق ولاس وأخرين سابقين ودورهم في تطوير جزء منها.
ومن المتعارف عليه علميا بأن نظرية داروين حول النشوء وألأرتقاء هي نقطة تحول مركزية في الفكر العلمي المعاصر ونقطة البداية في دخول فكرة الأصل المشترك للكائنات الحية ، لتفسير التنوع في الطبيعة والتي غيرت نظرة العديد من العلماء نحو طبيعة وكيفية نشئة الأنسان وتطوره ( كما في مواضيع ونقاط عديدة سيجيء ذكرها لاحقا ) وبالتالي نحو فكرة وجود الخالق ونظرية الخلق المالوفة ، التي طالما دعت وروجت اليها الكنيسة الكاثوليكية ، وهو الأمر الذي أدى الى تفاقم الصراع الأزلي بين الكنيسة ورجال العلم الحديث.
ولد تشارلز داروين في 12 يناير 1809. بدء أهتمام داروين بالتاريخ الطبيعي أثناء دراسته للطب ( الذي مكنه التعرف ودراسة التكوين العلمي الفيزيولوجي للأنسان والحيوانات والنباتات ) ومن ثم دراسة اللاهوت ( الأمر الذي مكنه من دراسة النظريات اللاهوتية حول نشئة الأنسان والخلق والخليقة ومقارنتها مع معلوماته الطبية العلمية). قام داروين بدراسة حول التحول في الكائنات الحية وطور نظريته الشهيرة بالأنتخاب الطبيعي. وفي عام 1858 ، وبعد أن وصلت اليه رسالة صديقه ولاس ، قرر داروين نشر نظريته ونتائج بحثه أمام الجمعية العلمية الملكية البريطانية في يونيو 1858 ، ولاحقا في كتابه " اصل الأنواع " وذلك عام 1859. لاقت النظرية رواجا ، عين داروين على اثرها كعضو في الجمعية العلمية اللكية . تابع داروين ابحاثه عن النباتات الحيوانات والأنسان ونشر كتبه ، وأشهرها كتاب "سلالة الأنسان". توفي داروين في 19 أبريل 1882 ودفن في كاتدرائية وستمنستر في لندن ، تكريما لتميزه ، بالقريب من ضريح أسحق نيوتن.
لم يكن داروين السباق في طرح فكرة التطور والأرتقاء وبأن كل كائن حي قد خضع عبر العصور لتطور وتغيرات، بل سبقه اليها علماء قدماء منذ ايام ألأغريق ، كالعالم والفياسوف ابقراط ، أمتداد حتى العالم الفرنسي المعاصر لامارك ( 1744-1829) الذي استمد داروين أفكاره منه ومن ثم طورها. لقد أمن لامارك ومن بعده داروين ، بأن الكائنات الأكثر تعقيدا ، ومنها الأنسان، قد تطورت بمسيرة متواصلة تدريجيه، من انواع أبسط . وقد خضعت هذه المسيرة التاريخية – عبر ملايين السنين - لمؤثرات بيئية ووظائفية ( كالمناخ، درجات الحرارة، الموقع الجغرافي والحاجات الكيانية للكائن ). هذه المؤثرات ألزمت الكائنات المختلفة ، بهدف الحفاظ على بقائها ، بتطوير أدائها الجسدي والوظائفي من أجل القيام بوظائف جديدة ومطلوبة أو أهمال وظائف أخرى غير ضرورية، مما أدى بالنهاية إلى تغيّر فيزيولوجي في شكل ووظائف الأعضاء الجسدية وبنيتها. وبحسب لامارك فقد حدثت هذه التبدلات بحسب قانون الاستعمال وعدم الاستعمال ، فكل عضو ينمو ويتطور عبر العصور بالاستعمال، بينما يضعف ويختفي بعدم الاستعمال . هذه التبدلات في شكل الأعضاء بنيتها ووظيفتها ، تطورت عبر العصور بشكل بسيط تدريجي ومتتابع ، حتى اصبحت تغيرات ومكتسبات اساسية ملحوظة في العمل الجسدي وتركيبته ، مما مكنها لاحقا في الأنتقال بالوراثة عبر الأجيال ، الأمر الذي أدى بدوره وبشكل متراكم ، إلى ظهور أنواع جديدة " تطورت" من أنواع كانت موجودة سلفاً ، وهكذا لاحقا . اما داروين فقد أوضح بأن الأنواع الجديدة من الكائنات، ومنها الأنسان ، ظهرت نتيجة لتحولات في شكل ووظائف كائنات بدائية جدا ، تتطورت عبر العصور وبفضل قوى الطبيعة ، من الأدنى الى الأعلى ، وليس بسبب تدخل الخالق ، استنادا الى مبدئين وهم مبدء الصراع من أجل البقاء ومبدء الأصطفاء الطبيعي
أما مبدء "الصراع من أجل البقاء" فهو مبدء يقوم على أن الكائنات البدائية، ونتيجة خضوعها لعوامل البيئة والطبيعة، قد تأقلمت وتطورت عبر أحداثيات جينية بطيئة ومتتالية ، أمنت لها البقاء . أما الكائنات التي فشلت في تأمين تطور مشابه فقد أنقرضت. هذا التطور الأولي صاحبه تطورات لاحقة متتالية ومتتعددة عبر العصور ، مما سمح بحدوث تغيرات صغيرة في البداية ( جوهرية لاحقا ), وقد أوضح داروين بأن الفروق والتغيرات الصغيرة تميل الى الأزدياد بشكل مطرد كلما ابتعدنا زمنيا. هذه التغيرات الجينية والتطور المتتالي والمطرد في الفوارق الصغيرة هي التي سمحت في تطوير وتعديل ، داخل نفس النوع من الكائنات ، وحتى ولادة أنواع جديدة من الكائنات التي لم تكن معروفة سابقا.
أما مبدء "الأصطفاء الطبيعي" فأنه يقوم على أن لكل كائن حي صفات معينة ومحددة ، مفضلة وغير مفضلة ، تميزه عن غيره. ويحدث التطور نتيجة أنتقال ومن ثم تغير في ميزات قابلة للتوريث ، ضمن مجموعة حيوية معينة على امتداد العصور . هذا الأنتقال والتغير لبعض الصفات المفضلة ، بشكل وراثي من جيل الى أخر ، يتم بحسب مبدء "ألأنتقاء طبيعي" ، لتصبح هذه الصفات أكثر شيوعا داخل هذا النوع من الكائنات ، بعد أجيال وأجيال. مع مرور الوقت ينتج عن هذه العملية ولادة انواع جديدة من الكائنات خلفا لأنواع أخرى سابقة تنقرض من الوجود. من هنا فأن النظرية الداروينية تقوم على القول بأن لجميع الكائنات اصل مشترك وترتبط بعضها ببعضها من خلال سلف مشترك تفرعت منه وتنوعت نتيجة لتراكمات التغيرات والتطور عبر العصور عبر ما يسمى يعتبر الأصطفاء البيئي الطبيعي ، أي العملية التي يتم بها بفعل قوى الكون ، بقاء ونجاة الأفراد ذوي الميزات الأفضل للحياة والبقاء في الكون.
لم يعطي داروين في حينه تفسير مقنعا عن كيفية نشوء الأختلافات بين ألأنواع أو كيف يتم تعديل الأنواع عبر العصور وأعتبر بأن الأختلافات بين الكائنات الحية نشئت بالصدفة البحتة أو بالأصطفاء الطبيعي . وقد رفض آباء الكنيسة هذه النظرية وتعليلها كما ورفضها كل اللذين يؤمنون بأن الإنسان مخلوق علي صورة الله ومثاله وبالتالي فهو فريد بين بقية الكائنات في خلقه ،في طبيعته، في شخصه، في حياته وفي مصيره واللذين أكدوا بأن الإنسان قد خُلق من الله مباشرة وعلى شاكلته ، وليس بالتطور من نوع آخر أدنى منه. بالمقابل ، لم يرفض أباء الكنيسة فكرة وجود تبدلات ، ضمن النوع الواحد من الأحياء، هذه التبدلات التي عملت على تطوير هذا النوع، كلّ ضمن نوعه ولكن دون التحول من نوع إلى آخر , وأدعى اباء الكنسية بأن هذه التبدلات تخضع إلى خطة خلاّقة عاقلة الآهية ، تهدف إلى تأمين بيئة أفضل لعيش الإنسان . هكذا تؤمن الكنيسة بأن الله يعمل في التاريخ حتى الآن بعناية إلهية .
أن عجز داروين تفسير التعديل الجيني للكائنات الحية ، هو الذي جعله هدف لنقد وسخرية البعض ، ولكن ليس لفترة طويلة . فبعد سنوات ليست طويلة أثبت العالم غريغور ماندل ( مؤسس علم الوراثة ) بتجاربه حول نبات البازيلاء ، حقيقة أنتقال ميزات معينة من حبات البازيلاء ، وبأن هذا الأنتقال يحدث باشكال متنوعة قابلة للتوريث بنسب واضحة قابلة للتنبوء . لاحقا تطور علم الوراثة ليصبح مركزيا مثبتا ، تسرى قوانينه في جميع المجالات وعلى جميع الأحياء. لقد أثبت العلماء بعد فحص البقايا الأثرية للعديد من الكائنات المتحجرة منذ عصور ماضية وفحص ميزاتها الجينية بواسطة فحوصات ال ( د ن أ ) وجود تقارب سلسلة التطور الجيني للكائنات وأصلها المشترك. كما وأثبتت الدراسات الوراثية وجود تشايه بنسبة 95% من الصيغة الوراثية الجينية بين الأنسان والشمبانزي. وتقدم الدراسات العلمية من علم التشريح والوراثة والجغرافيا والأثار والكيمياء وعلم الأرض وعلم المناخ وغيرها من العلوم ، بشكل لا يقبل الشك علميا ، الأثبات تلوى الأثبات بمصداقية وجدية نظرية التطور وبأن للأنسان وباقي الكائنات أصول مشتركة ، مما يجعل من نظرية داروين نظرية مترابطة متماسكة ومقنعة علميا.
وتبقى التساؤلات وهي كثيرة: ما الهدف المنطقي او الفلسفي من البحث في نظرية داروين ؟ لماذا عارضت وتعارض الكنيسة هذه النظرية ؟ ما هي الوسائل والأساليب التي تتبعها المؤسسات الكنسية لمحاربة النظرية ومؤيديها ؟ كيف تؤثر هذه النظرية في حياتنا اليومية وما هي أنعكاساتها المستقبلية على المسيرة الحضارية الفكرية الأنسانية؟ لماذا لم ولا تدرس هذه النظرية بصورة جدية لأولادنا في اي من المدارس ؟ هل الأنسان هو اليوم في أرقى أو أخر مراحل التطور والأرتقاء أم أننا ما زلنا في مرحلة بدائية من مراحل التطور وينتظرنا الكثير من التطوير والتعديلات الجينية اللاحقة ؟ كيف تؤثر نظرية داروين في الأبحاث العلمية عامة أو تلك المتعلقة بالأنجاب أو تطوير أعضاء بديلة لجسم الأنسان أو تعديل التركيبة الجينية للمزروعات والحيوانات بشكل عام ؟ هذه هي بعض النقاط التي سنحاول ابداء ملاحظاتنا عليها في مقال لاحق حول النظرية الدارونية واسقاطاتها على المسيرة الفكرية والعلمية البشرية.