29° الناصرة $دولار أمريكي 2.97 ₪يورو 3.46 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
انتخابات 2026
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 شعر

حرب بعد الحرب

يقولون: توقّفت الحرب، وأعلن كلّ طرفٍ انتصاره. لكنّهم لم يقولوا إنّ حربًا أخرى بدأت، حربًا بلا صوت، بلا دخان، بلا كاميرات. حربًا تتسرّب كظلٍّ خفيّ إلى البيوت، تدخلها خفيفةً كالغبار، وتجلس في الصّدور ثِقَلًا لا يُرى. في الصباح، يقف الناس في طوابير طويلة، لا لشيءٍ عظيم، بل لرغيف. يمدّون أيديهم نحو الفراغ، ويعودون... بأكياسٍ أخفّ من انتظارهم. الأسعار تصعد، كأنّها تأبى أن تُمسك، والرّفوف تنسى الامتلاء، والكهرباء تخون الضوء، والماء يأتي متقطّعًا كأنّه لا يتذكّرنا إلا على فترات. والليل… ليلٌ بلا نهاية، كأنّ الظلام قرّر أن يقيم. يقولون: انتهت الحرب، لكنّ البيوت تعرف الحقيقة. تعرف أنّ بعضها لم يعد بيتًا، بل ذكرى مفتوحة على السماء. في الحيّ، الجدران جروح، والأسقف سقوطٌ معلّق، والأبواب أسئلة بلا أحد. عائلاتٌ تتوزّع كالحكايات الناقصة، بين مدارس، وأقارب، وطرقات، وأخرى… ضاعت بين الجهات. طفلةٌ بثوب عيدٍ لم يُفهم وقته، تجلس قرب ركامٍ كان يُسمّى بيتنا. تمسك بطرف فستانها، كأنّه الخيط الأخير الذي يربطها بالعالم. تنظر إلى الطريق، وتسأل ... بصوتٍ لا يعرف الشكّ: متى ستعود أمّي؟ ذهبت لتشتري لي لعبة… ولم تعد. يصمتون. الصمت هنا لغةٌ كاملة. ثمّ يقول أحدهم: ستعود. وفي الغد تعود لتسأل: وأبي؟ قلتم إنّه ذهب ليبحث عنها. وبعد أيّام: وإخوتي؟ ألم يلحقوا به؟ لكنّ الكلمات تتعب سريعًا، وتتخلّى عنهم. يبقى الربتُ على الرأس جوابًا، ويبقى الرحيل. في الليل، تنام في غرفةٍ لا تحفظ اسمها، بين وجوهٍ لا تعرفها، تحت ضوء هاتفٍ يقاوم العتمة وحده. بكاءٌ في الزوايا، أسماءٌ تُقال همسًا، كأنّها إذا ارتفعت سقطتْ مرّةً أخرى. أطفالٌ مثلها… بلا ألعاب، بلا ضحك، بلا شيءٍ كامل. كلّ واحدٍ يحمل نقصه: بيتًا غائبًا، أبًا، أمًّا، أخًا، أو حياةً كاملة انفلتت من يده. وفي لحظةٍ لم يعد القلب فيها قادرًا على الاحتمال، وقفتْ، وصرخت: دعوني ألحق بهم… دعوني ألحق بهم… لم يُسرع أحد. كأنّهم جميعًا فهموا متأخّرين أنّ الرغبة واحدة: أن نلحق بما لم يعد هنا.

ج ش جميلة شحادة شعر نُشر: 08/04/2026 الساعة 11:12
حجم الخط
حرب بعد الحرب
حرب بعد الحرب · تصوير: كل العرب

يقولون: توقّفت الحرب، وأعلن كلّ طرفٍ انتصاره. لكنّهم لم يقولوا إنّ حربًا أخرى بدأت، حربًا بلا صوت، بلا دخان، بلا كاميرات. حربًا تتسرّب كظلٍّ خفيّ إلى البيوت، تدخلها خفيفةً كالغبار، وتجلس في الصّدور ثِقَلًا لا يُرى. في الصباح، يقف الناس في طوابير طويلة، لا لشيءٍ عظيم، بل لرغيف. يمدّون أيديهم نحو الفراغ، ويعودون... بأكياسٍ أخفّ من انتظارهم. الأسعار تصعد، كأنّها تأبى أن تُمسك، والرّفوف تنسى الامتلاء، والكهرباء تخون الضوء، والماء يأتي متقطّعًا كأنّه لا يتذكّرنا إلا على فترات. والليل… ليلٌ بلا نهاية، كأنّ الظلام قرّر أن يقيم. يقولون: انتهت الحرب، لكنّ البيوت تعرف الحقيقة. تعرف أنّ بعضها لم يعد بيتًا، بل ذكرى مفتوحة على السماء. في الحيّ، الجدران جروح، والأسقف سقوطٌ معلّق، والأبواب أسئلة بلا أحد. عائلاتٌ تتوزّع كالحكايات الناقصة، بين مدارس، وأقارب، وطرقات، وأخرى… ضاعت بين الجهات. طفلةٌ بثوب عيدٍ لم يُفهم وقته، تجلس قرب ركامٍ كان يُسمّى بيتنا. تمسك بطرف فستانها، كأنّه الخيط الأخير الذي يربطها بالعالم. تنظر إلى الطريق، وتسأل ... بصوتٍ لا يعرف الشكّ: متى ستعود أمّي؟ ذهبت لتشتري لي لعبة… ولم تعد. يصمتون. الصمت هنا لغةٌ كاملة. ثمّ يقول أحدهم: ستعود. وفي الغد تعود لتسأل: وأبي؟ قلتم إنّه ذهب ليبحث عنها. وبعد أيّام: وإخوتي؟ ألم يلحقوا به؟ لكنّ الكلمات تتعب سريعًا، وتتخلّى عنهم. يبقى الربتُ على الرأس جوابًا، ويبقى الرحيل. في الليل، تنام في غرفةٍ لا تحفظ اسمها، بين وجوهٍ لا تعرفها، تحت ضوء هاتفٍ يقاوم العتمة وحده. بكاءٌ في الزوايا، أسماءٌ تُقال همسًا، كأنّها إذا ارتفعت سقطتْ مرّةً أخرى. أطفالٌ مثلها… بلا ألعاب، بلا ضحك، بلا شيءٍ كامل. كلّ واحدٍ يحمل نقصه: بيتًا غائبًا، أبًا، أمًّا، أخًا، أو حياةً كاملة انفلتت من يده. وفي لحظةٍ لم يعد القلب فيها قادرًا على الاحتمال، وقفتْ، وصرخت: دعوني ألحق بهم… دعوني ألحق بهم… لم يُسرع أحد. كأنّهم جميعًا فهموا متأخّرين أنّ الرغبة واحدة: أن نلحق بما لم يعد هنا.

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد