32° الناصرة $دولار أمريكي 2.99 ₪يورو 3.47 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
انتخابات 2026 حالة الطرق
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 خاطرة

هذه رسالتي الأخيرة لك ... لا تذهب بعيداً يا رفيق بقلم خليل مقدسي

هذه رسالتي الأخيرة لك يا رفيق أبو العبد . فأنا لا أصدق أنك رحلت، ويتعين عليّ الكتابة، عنك ولك، بمفردات فعل الماضي. اليوم أذكرك وأبكي رحيلك الذي يؤكده هذا الخبر الصحفي وهذه الصورة القديمة، صورتك وهي تبحلق في وجوهنا وتسألنا : وبعد يا رفاق؟ أذكرك الآن، كنتَ تأتي على مهلٍ وَتتسلل بهدوء فدائي مجرب يعرف طريقه إلى الهدف، تسحبني من ضجيج الرفاق وجوقة الصاخب دائماً، الرفيق العزيز " أبو يزن " . تمسك بكفي وتجرني برفق للبهو خارج الغرفة كأنني طفل صغير تريد أن تعلمه كيف صار بوسعه، تقريباً، أن يقطع شارعاً مزدحماً بالسيارات والبشر والأخطار. نسير نحو غرفة مكتبك، أمشي خلفك وأنت تدفع بجسدك إلى الأمام وتحمل قلبك المريض وقد صار يعذبك أكثر. أمتار قليلة تلك التي تفصل بين البهو ومكتبك في زاوية مقر الجبهة بمخيم اليرموك. لكنها باتت رحلة ترهقك، أنت الذي قطعت مسافات طويلة ترفع على كتفيك ذخيرة وسلاحاً وخبزاً للرفاق، وتحتفي بأسرارك الكثيرة والتي صار اسمها فيما بعد : الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. تقفل الباب خلفنا . تشير إليّ أن أجلس، تقول " ارتاح هون رفيق" ، فامتثل لطلبك، وأنت قائدي ومسؤولي. أنتظرك حتى تدور نصف دورة، تتكئ على طاولتك وتقاوم ببطء حلزونة كبيرة، لكنك في النهاية ترمي بجسدك في مقعدك العادي وتستقر في قلعتك الأخيرة: كرسي بسيط في غرفة متواضعة بمخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين . تتنهد الآن... تجلس وتحرك ساعة يدك وذراعك اليسرى . فأتذكر مرضك . لكنك تقول " أنا ألتزم بمواعيد الدواء " وتمسح نظارتك وعرق جبينك. الآن تبدو قوياً وصلباً . صوتك يقول ذلك، لما تزل مقاتل وعنيد. وعينيك تقول " أنا متعب يا رفيق" ونفَسَك يجلو قصص كثيرة في صدرك ويخبر عن أفكار تعتمل في راسك. تبدأ بالسؤال عن " أحوالكم " و " أخباركم " فأتمتم بكلمات متقطعة لا تعني شيئا في الحقيقة وأنت بدورك لا تنتظر الجواب على السؤال . تشرع في الحديث عن ما يؤرق عمرك، فلسطينك المحتلة ، وطنك العربي، الفقر والاستغلال ، جبهتك الشعبية ، مخاطر المرحلة ، حماية الحزب، تعزيز وتطوير قدرته العسكرية والمالية. بعد دقائق تستعيد قدرتك أكثر فتبدو شاباً في مقتبل العمر، أطمئن على روحك وقلبك. كل من تعرف عليك من الرفاق والأصدقاء أحبك لأنك علمته كيف يمكن أن يختلف وتظل تحبه. وكل من مر بك أوجعته مواقفك وقناعتك الراسخة بالنصر وبقدرة الجبهة الشعبية على مواصلة الطريق، لذلك كنت تبدو غريباً في مرحلة الانقسام الدامي الذي يوجع قلبك وصرت تشعر باليتم في زمن الهبوط والقنوط والتخاذل. كم أوجعك غياب رفيقك أبو علي مصطفى، كم حزك رحيل حكيمك، كم أفجعتك خيانة الذين تربصوا برفيقك سعدات. كم أحبك رفاقك ..فلا تذهب بعيداً يا رفيق.. ولدت وكبرت واشتد عودك في مخيمات القهر والمنافي، وفي قواعد الجبهة الشعبية. كانت ولادتك الأولى في العام التالي للنكبة، في خيمة تهزها ريح عابرة على ضفة ماء صارت مخيما لنهر بارد. وما أدراك ما نهر البارد ، والآن هاك أنت تموت في مخيم آخر، وبين " البارد " و " اليرموك " رحلة شاقة ومسافات وطرق وعرة ومخيمات وأسماء وانتصارات وهزائم وشهداء وشعب يؤرخ عمرك وهو عمر النكبة وتفاصيل هذه المحرقة الفلسطينية التي لا تنتهي! لا تذهب بعيداً يا رفيق عمر. أرخي روحك يفيض حولنا كالنهر . انثر كلماتك الحرة ووصيتك الجبهاوية الأخيرة ، وصية فدائي فلسطيني عربي لم يغادر قناعته ووصية مفكر حزبي متمرس : يا رفاق ، فلسطين لا يحررها غير السلاح السلاح والرجال الرجال ، فلسطين لا تعود بالوهم ولا بالتسويات المذلة والإذعان لشروط العدو ، فلسطين لا تعود بغير عودة روح العمل التطوعي والتمسك بالمبادئ الثورية، فلسطين لنا من البحر إلى النهر ولن نتنازل عن حبة تراب واحدة .. لك المجد ومنا الوفاء.  

م ا موقع العرب وصحيفة كل العرب - الناصرة خاطرة نُشر: 22/03/2010 الساعة 09:47 آخر تحديث: الساعة 21:43
حجم الخط
هذه رسالتي الأخيرة لك ... لا تذهب بعيداً يا رفيق بقلم خليل مقدسي
هذه رسالتي الأخيرة لك ... لا تذهب بعيداً يا رفيق بقلم خليل مقدسي · تصوير: كل العرب

هذه رسالتي الأخيرة لك يا رفيق أبو العبد . فأنا لا أصدق أنك رحلت، ويتعين عليّ الكتابة، عنك ولك، بمفردات فعل الماضي. اليوم أذكرك وأبكي رحيلك الذي يؤكده هذا الخبر الصحفي وهذه الصورة القديمة، صورتك وهي تبحلق في وجوهنا وتسألنا : وبعد يا رفاق؟ أذكرك الآن، كنتَ تأتي على مهلٍ وَتتسلل بهدوء فدائي مجرب يعرف طريقه إلى الهدف، تسحبني من ضجيج الرفاق وجوقة الصاخب دائماً، الرفيق العزيز " أبو يزن " . تمسك بكفي وتجرني برفق للبهو خارج الغرفة كأنني طفل صغير تريد أن تعلمه كيف صار بوسعه، تقريباً، أن يقطع شارعاً مزدحماً بالسيارات والبشر والأخطار. نسير نحو غرفة مكتبك، أمشي خلفك وأنت تدفع بجسدك إلى الأمام وتحمل قلبك المريض وقد صار يعذبك أكثر. أمتار قليلة تلك التي تفصل بين البهو ومكتبك في زاوية مقر الجبهة بمخيم اليرموك. لكنها باتت رحلة ترهقك، أنت الذي قطعت مسافات طويلة ترفع على كتفيك ذخيرة وسلاحاً وخبزاً للرفاق، وتحتفي بأسرارك الكثيرة والتي صار اسمها فيما بعد : الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. تقفل الباب خلفنا . تشير إليّ أن أجلس، تقول " ارتاح هون رفيق" ، فامتثل لطلبك، وأنت قائدي ومسؤولي. أنتظرك حتى تدور نصف دورة، تتكئ على طاولتك وتقاوم ببطء حلزونة كبيرة، لكنك في النهاية ترمي بجسدك في مقعدك العادي وتستقر في قلعتك الأخيرة: كرسي بسيط في غرفة متواضعة بمخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين . تتنهد الآن... تجلس وتحرك ساعة يدك وذراعك اليسرى . فأتذكر مرضك . لكنك تقول " أنا ألتزم بمواعيد الدواء " وتمسح نظارتك وعرق جبينك. الآن تبدو قوياً وصلباً . صوتك يقول ذلك، لما تزل مقاتل وعنيد. وعينيك تقول " أنا متعب يا رفيق" ونفَسَك يجلو قصص كثيرة في صدرك ويخبر عن أفكار تعتمل في راسك. تبدأ بالسؤال عن " أحوالكم " و " أخباركم " فأتمتم بكلمات متقطعة لا تعني شيئا في الحقيقة وأنت بدورك لا تنتظر الجواب على السؤال . تشرع في الحديث عن ما يؤرق عمرك، فلسطينك المحتلة ، وطنك العربي، الفقر والاستغلال ، جبهتك الشعبية ، مخاطر المرحلة ، حماية الحزب، تعزيز وتطوير قدرته العسكرية والمالية. بعد دقائق تستعيد قدرتك أكثر فتبدو شاباً في مقتبل العمر، أطمئن على روحك وقلبك. كل من تعرف عليك من الرفاق والأصدقاء أحبك لأنك علمته كيف يمكن أن يختلف وتظل تحبه. وكل من مر بك أوجعته مواقفك وقناعتك الراسخة بالنصر وبقدرة الجبهة الشعبية على مواصلة الطريق، لذلك كنت تبدو غريباً في مرحلة الانقسام الدامي الذي يوجع قلبك وصرت تشعر باليتم في زمن الهبوط والقنوط والتخاذل. كم أوجعك غياب رفيقك أبو علي مصطفى، كم حزك رحيل حكيمك، كم أفجعتك خيانة الذين تربصوا برفيقك سعدات. كم أحبك رفاقك ..فلا تذهب بعيداً يا رفيق.. ولدت وكبرت واشتد عودك في مخيمات القهر والمنافي، وفي قواعد الجبهة الشعبية. كانت ولادتك الأولى في العام التالي للنكبة، في خيمة تهزها ريح عابرة على ضفة ماء صارت مخيما لنهر بارد. وما أدراك ما نهر البارد ، والآن هاك أنت تموت في مخيم آخر، وبين " البارد " و " اليرموك " رحلة شاقة ومسافات وطرق وعرة ومخيمات وأسماء وانتصارات وهزائم وشهداء وشعب يؤرخ عمرك وهو عمر النكبة وتفاصيل هذه المحرقة الفلسطينية التي لا تنتهي! لا تذهب بعيداً يا رفيق عمر. أرخي روحك يفيض حولنا كالنهر . انثر كلماتك الحرة ووصيتك الجبهاوية الأخيرة ، وصية فدائي فلسطيني عربي لم يغادر قناعته ووصية مفكر حزبي متمرس : يا رفاق ، فلسطين لا يحررها غير السلاح السلاح والرجال الرجال ، فلسطين لا تعود بالوهم ولا بالتسويات المذلة والإذعان لشروط العدو ، فلسطين لا تعود بغير عودة روح العمل التطوعي والتمسك بالمبادئ الثورية، فلسطين لنا من البحر إلى النهر ولن نتنازل عن حبة تراب واحدة .. لك المجد ومنا الوفاء.  

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد