موقف - بقلم: ايهاب جبارين
لحظات مرت منذ ان اوقفت سيارتي على حافة الطريق – ما قبل موقف الشاطئ – مسرعا نحو هنا ، متحاشيا المرور من على الموقف قدر الامكان ، والجلوس ها هنا على هذا الشاطئ .
لحظات مرت منذ ان اوقفت سيارتي على حافة الطريق – ما قبل موقف الشاطئ – مسرعا نحو هنا ، متحاشيا المرور من على الموقف قدر الامكان ، والجلوس ها هنا على هذا الشاطئ .
في البدء كان هذا المكان لا يعني لي شيئا – ما دون السابعه من العمر – سوى انه اول مَعلم كنت اشاهده في الصباح من وراء نافذة منزلنا البانوراميه .
وكبرت ، وكبُرت معي افاقي ، وبدأت اعي انه شاطئ " الطنطوره " ، ولم اعلم حينها سوى انه اسم بلدة كان يجب ان تكون هنالك ـ او ما زالت ولكن لسبب اجهله يسمونها اهل القريه " دور- نحشوليم " .
ومن ثم ادركت ان ما اشاهده هو اطلال قرية فلسطينيه لا اكثر ، ولم اكترث ان اعلم اكثر .
وشائت الاقدار وعشت قسطا من الزمان في الخارج ، وللمفارقه بدأ الحس الوطني ينمو في داخلي هنالك ، وهنالك ايضا علمت ان في الطنطوره اناس هُجروا وابطال قُتلوا . لذا كان هذا دافع لعادة اصطنعها كلما سنحت لي الفرصه حين عودتي للبلاد ، حيث كنت اخذ سيارتي هارباً بعيداً الى هذا الشاطئ ـ رغم قربه ـ لعلي اجد نفسي ووطني في امواجه .
كنت اوقف سيارتي في موقف الشاطئ ، اخرج منها ، القي نظره محوريه من حولي : جبال الكرمل حيث قريتي الحبيبه على سفحها ـ كم جميلة هي من الخارج , زخرون يعقوب ـ " زمرين " المفقوده , مداخن محطة القوه في الخضيره ـ على اركان خربه المفجر ، اهلها جيراني في الحي , حيفا الجميله في النقيض ـ وما بيني وبينها اثار المثلث المسلوب من كفر لام وصرفند وعين غزال و و و .... حيث لم تبقى سوى قريتي كالجزيرة في وسط محيط " مهجور".
ومن ثم ادخل القريه السليبة حيث ابعد عن الموقف نحو الشاطئ ، مجسداً اياها رغم بنيان القرية السياحيه " دور " من فوقها ، فما زالت اثار المسجد ومقام لشيخ قائمه . لكنني جل ما بحثت عنه كان شهداء مجزرة الطنطورة حيث ارتكبت في حقهم احدى ابشع الجرائم .
غارقاً في خطواتي ابحث عنهم لعلي اجد قبراً او ركناً او حتى دليلاً لهم ولكنني كنت دون جدوى ارجع دائما بخفي حنين الى قريتي .
واعاود الكره المرة تلو المرة كلما سنحت لي الفرصه ، وكعادتي موقفا سيارتي في الموقف ، ملقيا تلك النظره المحوريه ، داخلا للشاطئ ابحث عنهم ، ايعقل ان تصل الجريمة الى حد ان تلقى الاجساد الطاهره في البحر ؟! لا اظن ذلك , فأعود الى قريتي .
في الفرصه التاليه اعود الى الموقف ، ملقياً تلك النظره الغريبه ، داخلا الى الشاطئ ، لا بد الا وان يكونو في مكان ما هنا , واعود الى بيتي . وهكذا دواليك مره بعد مره .
يوماُ قررت البحث عنهم في الشبكه , " الطنطورة " ـ ابحث , وكان اول ما قرأته هي كلمات لشاهد على تلك الجريمه وقد نجى بأعجوبه ـ وكم تمنيت حينها لو انني لا اجيد القراءة ـ فقد قال فيما قال " ... امرنا بحفر خندق ورمي الجثث فيه ومن ثم رممو اثاره واقاموا موقف الشاطئ عليه ..." .