التعايش مع الآخر/ بقلم: أسيل منصور
خرجتُ من المبنى متجهة إلى الموقف وتوقفت للحظة لأطلّ على المنظر من مرتفع .كانت الأضواء ساطعة تحاكي ضوء النهار وتساءلت في قرارة نفسي عن مدى زيف الأشياء وحقيقتها، عن جانبها الخياليّ وعن واقعها، عن الكذب وعن الصدق، عن الهدوء المخادع وعن الفوضى التي فرضت نفسها على العالم في الفترة الأخيرة. كان الجوّ قارسا فاحتضنت حقيبتي علّي أنعم بالقليل من الدفء ..اقتربت من سيّارتي، فتحت الباب بسرعة، أخذت مكاني، وضعت حزام الأمان ..حزام الأمان ؟!
خرجتُ من المبنى متجهة إلى الموقف وتوقفت للحظة لأطلّ على المنظر من مرتفع .كانت الأضواء ساطعة تحاكي ضوء النهار وتساءلت في قرارة نفسي عن مدى زيف الأشياء وحقيقتها، عن جانبها الخياليّ وعن واقعها، عن الكذب وعن الصدق، عن الهدوء المخادع وعن الفوضى التي فرضت نفسها على العالم في الفترة الأخيرة. كان الجوّ قارسا فاحتضنت حقيبتي علّي أنعم بالقليل من الدفء ..اقتربت من سيّارتي، فتحت الباب بسرعة، أخذت مكاني، وضعت حزام الأمان ..حزام الأمان ؟!
لم تعد جرعة الأمان اليومية تفي بالغرض فالقليل منها ينتظر البشرية في هذه الأيام.. كانت هذه فكرتي التي بدأت بها نهاري وقد خيّمت روح التشاؤم على نفسي منذ الصباح وذلك بعد استماعي لشريط الأخبار في المذياع والذي يعمل كملاك الموت الذي لا يتركك من غير الاستيلاء على روحك وهكذا تفعل عناوين الصباح.. تسرق منك البسمة ..تُجَفِّفُ منابع تفاؤلك، تقضي على آخر شرارة إيمان تملكها بالخير الكائن في بني جنسك، وباختصار تبيت أنت المستمع المخلص فارغا خاويا من مشاعر تجعلك ترى في النهار سعادة، في أشعة الشمس زيادة في الإرادة، في سلامك الداخليّ ريادة وفي الحوار مع الآخر متعة وابتسامة زيادة .
عربية كنت في الأمس وعربية أصبحت في واقع جعل كلمة عربي محطّ انتقاد، خوف واحتقار، حقيقة لم أغفل عنها حين خطوت أول خطواتي نحو وجهتي ..أنظر إلى من حولي وأترجم النظرات أوّل بأوّل، ملامحي عربية، لباسي عربي وحتى نَفَسِي عربي .. هذا يتفحصني بشكّ، تلك تبتعد بسرعة لم أظنّ أنّها ممكنة لماشٍ على الأقدام، كدت أقسم بأنها تطير، وآخرون يسكتون حين أمرّ ويتابعون كلامهم بعد ما أبتعد ويطير شرّي ..
يا له من يوم !! أتمتم وأمعن النظر في مشاعري..
ما هو الذي أشعر به ؟! أهو امتعاض ممزوج بكبرياء مكسور أم هو فخر بكينونتي مخلوط مع ما وصفه القرآن يوما ب" وضاقت عليهم الأرض بما رحبت " ..هل أعطّل مجرى حياتي وأنتظر حتى تهدأ الأمور ولكنها أبدا لا تهدأ بل تستمر الدنيا بإعطاء نماذج جديدة مما يعكّر صفوها وصفونا ..
هل أتنازل عن هويّتي حتى أَسْلَم ممّا يمكن أن يحصل مثلا أم أصرّ على مبادئي والّي بَدّو يصير يصير !! كانت هذه الأسئلة الخطيرة تعتمل في نفسي وأنا أمشي ..تدفعني ريح باردة للمُضيّ وترسم على شفتي ابتسامة ..ورقة خريف ترسمني، تجعلني
أضحك من رقّتي، ضعفي، قلّة حيلتي وعدم قدرتي على المقاومة.. كالقدر يحرّكنا أحيانا نحو
غير المتوقّع وفي المقهى حصل ما لم أتوقّع وجعلني أؤمن بالبشريّة من جديد .. وقفت أنتظر دوري بين الواقفين لأطلب قهوتي كما أحبّها ..قليلة الدسم، مخلوطة بالماء، قويّة النكهة، ومرّة كالحياة ... وحين وصلت إلى أوَّل الدور سألني الآخر عن طلبي فقلت له بلغته التي أتقنها وفقا للظروف عن مكوّنات قهوتي الصباحية.. وكالعادة، وفي مثل هذه المقاهي، يُطلَبُ الاسم الشخصيّ لكثرة الطلبات كي لا تحدث هناك أخطاء ..كان هذا المقهى مشهورا يزوره الآلاف كل يوم بلا مبالغة فعندما قام البائع بتذكر اسمي وذكره مرفقا بتحية تمثّلت بابتسامة مؤدبة، ابتسامة خالية من الحكم على الآخر، ابتسامة إنسانية ودودة لا تحمل أغراضا سيئة، ابتسامة رافقت اسمي من بين آلاف يحضرون إلى المقهى يوميا فَرِحْتْ ..كانت هذه اللفتة البسيطة بادرة جعلتني أؤمن من جديد بإمكانية التعايش مع الآخر رغم كلّ ما يحصل ..
المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر . لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.net