إشراق كرونة من بلدة عبلين تحكي: مأساة إبليس
إبليس ليس مذنبا أبدا ... كما أنّنـــا لسنا مذنبـيـــــن البتّـة . كل ما فعــله هذا المسكيــن هو رفض السّجود لغيــر الله .. و كل ما اقترفنــاه هو أنــنا لم نترك أرضنــا لحادث تاريـخيّ و لم نقف مــع المستقبل محايـديـــن نشهد الماضي و الحاضر يتراشقان التّــهم .. مرة في مطار تل أبيب و أخرى فــي أحد شوارع عكا . السؤال يلــّح عليـك بالإجابة و الواقع يِؤكّـــد لك أن الخارطة ليست إجابــــة عن معــــنى الوطن ! اللافتات العبرية تشـــي لك أنّ انكسارا قد حصل في بوصلة التاريخ و أنك غامض و قلبك يخفق بشيء من اللامبالاة .. توقفـُـك جنديـّـة حلّوة مدجّجة بالسـلاح ، و تصطحبك إلى الشرطـــة المدنيــّة فــي عكــا ، تجحظ عيناك و أنت تمعن في جمالها و... السلاح ! .. و أنت جالس قبالـــة الضــابط ، صورة هرتــزل فــوقــه و العــلم الإسرائيلي بالأبيض و الأزرق جاثم فوق المكتب ، في قلبك يخفق علم رباعيّ الألوان... لم يسمح لك سؤال الضابط المـــؤرّق أن تعـــدّد ألوانه... تتمادى في صمتك . يقول لك ، هو بعبرية سليمة إن صمتك يفضح ما يعـــجّ بـــه صدرك ... تغرق في شرودك و تتذكر أنك لم تكتب لحبيبتك منذ زمــــن بعيد ، منذ آخر مرة دخلت فيها السجن ،،، أي منذ آخر حرب . يشدك منظر الشمعدان الكبير إلى الأسطورة و شـمـعاتُــــه الستّ تذكّــرك أن الله خلق الكون في ستة أيام .. يسكت الضابط سيجارته في رمــّادة عتيــقـة ، ربما تكون لعائــلة لم تستعملها ،،،يوما و نسيتها في البيت كما نسيت كيس الخبز .. تشعل أنت نار البنــادق البعيــدة .. يحبك هو أصــابعــه العــشر .. كــما تــُحبــك المؤامــرة ...يلقــي نظــارته جانــبا و تلـــقي أنت ضحكة سمجة ! - لي شرف اعتقالك . - ولي شرف أن أمنحك هذا الوقــار .. وهذا الــشرف . يصمــت لوهلــة فتتذكــر أنت أنك نسيت إحضار فرشاة أسنــانك ، و تــبغا و كتــبا عن تــاريــخ الأندلــس و سقوط غرناطة و ملابس داخليّـة .. تتذكر أنك نسيت أن تقدم مطلب تصريــح مــن الجنديّــة الحلــّوة لتحضــر كل هذه الأشيــاء ، يقول مستدركا : - هل تتـــقن العبريّــــة ؟ - كما العربيــة ! يــعود إلــى الصمــت .. تتذكر حادثـــة مع سائـــق التاكســـي الذي أسقط وابلا من الشتائم - و أنت تقدم له سيجارة لأنــه مهــذّب : العـــرب قــذرون و أغبيــاء. تعبث بسيجارتك كما تعـــبث الريح بشعرك أمــام البحر ، تــــزّم شفتيــك و يداك تنــــزّان من الانتباه . ترمــق السيجــارة و هي تذوب كما يذوب العاشــقان في قبلة ،،، و تتذكّــر كيف علمت حبيبتك الحلوة فــي ليلة حب أن تدخــنّ سيجــارة و كيف علمتك الدخان ! تسجّــل حضورك في مركز الضبط ، يحدج هرتـــزل التوقيع،،، و الضابطُ يفحـــصُ ناظريك .. في البيت ، تجلس قبالتها ، حلوة كمذاق الشهد ، و متعبة كالكرمل ، و مؤنســة كمفتـــاح بيتك القـــروي الذي حملت أمانته كما تركوا هم البيوت و معاطفهم ... تنام في عينيـــها غير مكترث بالزّمــــن و تنام هي في يديك غير آبــهة بالبرد كـــقطّة مدللة .. يداهمونك في النوم و يلقون القبض عليك متلبسا بارتكاب الحلم .... في الزنزانة .. تئن يداك من الانتــباه و تســأل بشجن ، هل مـــرّت العاصفة ؟ .. لا تعرف ، و حين تفيق و تقتـــفي آثــار موتك ، يكون الدم قد جــفّ ...الدم على وجهك و العاصفة مــرّت ،،، أمّـــا هي فأصبحت شكلا دائريا لا ينتهي كجنيــن ناقص حرفا و قبلة .. أمــا إبليس فتراه حذوك واقفـــا كحـــزن المدن ، يضمّــد جرحا في ذراع العبـــثِ و يرتّــبُ فرشاة أسنــانــه و ملا بسه بأناقة ديــــك . يشعلُ لك سيجارة لتخمدها فـــي جرحك ، يهنّّــؤك بوقار بالسّلامـــة مــن حادث المستحيل ! من شبّـاك السّجن ،،، ترى الأقحوان يهـــزّ خصــره كراقصــة شرقيـّــة تــهــزّ ردفيـــها لتنسى وخــز ذكــرى ... يلعــن ابليـــس زمنا من زجاج ! تــؤمـــن أن إبليس بريء من تــهـمة الشرك .. و تؤمن أن قضيّتـــــك بريئـــة من معنى الاغتيال و الفنــاء و أنـــك إبليسُ .. لا تــــهمة لك سوى أنك لم تقـــــبع كالمستــقبل مــحايد ا و لم تــسارع إلى المــاضي لتـــلعنـــه و لا إلــى الحاضـــر لترشــقـــه بالتــّهم ..
إبليس ليس مذنبا أبدا ... كما أنّنـــا لسنا مذنبـيـــــن البتّـة . كل ما فعــله هذا المسكيــن هو رفض السّجود لغيــر الله .. و كل ما اقترفنــاه هو أنــنا لم نترك أرضنــا لحادث تاريـخيّ و لم نقف مــع المستقبل محايـديـــن نشهد الماضي و الحاضر يتراشقان التّــهم .. مرة في مطار تل أبيب و أخرى فــي أحد شوارع عكا . السؤال يلــّح عليـك بالإجابة و الواقع يِؤكّـــد لك أن الخارطة ليست إجابــــة عن معــــنى الوطن ! اللافتات العبرية تشـــي لك أنّ انكسارا قد حصل في بوصلة التاريخ و أنك غامض و قلبك يخفق بشيء من اللامبالاة .. توقفـُـك جنديـّـة حلّوة مدجّجة بالسـلاح ، و تصطحبك إلى الشرطـــة المدنيــّة فــي عكــا ، تجحظ عيناك و أنت تمعن في جمالها و... السلاح ! .. و أنت جالس قبالـــة الضــابط ، صورة هرتــزل فــوقــه و العــلم الإسرائيلي بالأبيض و الأزرق جاثم فوق المكتب ، في قلبك يخفق علم رباعيّ الألوان... لم يسمح لك سؤال الضابط المـــؤرّق أن تعـــدّد ألوانه... تتمادى في صمتك . يقول لك ، هو بعبرية سليمة إن صمتك يفضح ما يعـــجّ بـــه صدرك ... تغرق في شرودك و تتذكر أنك لم تكتب لحبيبتك منذ زمــــن بعيد ، منذ آخر مرة دخلت فيها السجن ،،، أي منذ آخر حرب . يشدك منظر الشمعدان الكبير إلى الأسطورة و شـمـعاتُــــه الستّ تذكّــرك أن الله خلق الكون في ستة أيام .. يسكت الضابط سيجارته في رمــّادة عتيــقـة ، ربما تكون لعائــلة لم تستعملها ،،،يوما و نسيتها في البيت كما نسيت كيس الخبز .. تشعل أنت نار البنــادق البعيــدة .. يحبك هو أصــابعــه العــشر .. كــما تــُحبــك المؤامــرة ...يلقــي نظــارته جانــبا و تلـــقي أنت ضحكة سمجة ! - لي شرف اعتقالك . - ولي شرف أن أمنحك هذا الوقــار .. وهذا الــشرف . يصمــت لوهلــة فتتذكــر أنت أنك نسيت إحضار فرشاة أسنــانك ، و تــبغا و كتــبا عن تــاريــخ الأندلــس و سقوط غرناطة و ملابس داخليّـة .. تتذكر أنك نسيت أن تقدم مطلب تصريــح مــن الجنديّــة الحلــّوة لتحضــر كل هذه الأشيــاء ، يقول مستدركا : - هل تتـــقن العبريّــــة ؟ - كما العربيــة ! يــعود إلــى الصمــت .. تتذكر حادثـــة مع سائـــق التاكســـي الذي أسقط وابلا من الشتائم - و أنت تقدم له سيجارة لأنــه مهــذّب : العـــرب قــذرون و أغبيــاء. تعبث بسيجارتك كما تعـــبث الريح بشعرك أمــام البحر ، تــــزّم شفتيــك و يداك تنــــزّان من الانتباه . ترمــق السيجــارة و هي تذوب كما يذوب العاشــقان في قبلة ،،، و تتذكّــر كيف علمت حبيبتك الحلوة فــي ليلة حب أن تدخــنّ سيجــارة و كيف علمتك الدخان ! تسجّــل حضورك في مركز الضبط ، يحدج هرتـــزل التوقيع،،، و الضابطُ يفحـــصُ ناظريك .. في البيت ، تجلس قبالتها ، حلوة كمذاق الشهد ، و متعبة كالكرمل ، و مؤنســة كمفتـــاح بيتك القـــروي الذي حملت أمانته كما تركوا هم البيوت و معاطفهم ... تنام في عينيـــها غير مكترث بالزّمــــن و تنام هي في يديك غير آبــهة بالبرد كـــقطّة مدللة .. يداهمونك في النوم و يلقون القبض عليك متلبسا بارتكاب الحلم .... في الزنزانة .. تئن يداك من الانتــباه و تســأل بشجن ، هل مـــرّت العاصفة ؟ .. لا تعرف ، و حين تفيق و تقتـــفي آثــار موتك ، يكون الدم قد جــفّ ...الدم على وجهك و العاصفة مــرّت ،،، أمّـــا هي فأصبحت شكلا دائريا لا ينتهي كجنيــن ناقص حرفا و قبلة .. أمــا إبليس فتراه حذوك واقفـــا كحـــزن المدن ، يضمّــد جرحا في ذراع العبـــثِ و يرتّــبُ فرشاة أسنــانــه و ملا بسه بأناقة ديــــك . يشعلُ لك سيجارة لتخمدها فـــي جرحك ، يهنّّــؤك بوقار بالسّلامـــة مــن حادث المستحيل ! من شبّـاك السّجن ،،، ترى الأقحوان يهـــزّ خصــره كراقصــة شرقيـّــة تــهــزّ ردفيـــها لتنسى وخــز ذكــرى ... يلعــن ابليـــس زمنا من زجاج ! تــؤمـــن أن إبليس بريء من تــهـمة الشرك .. و تؤمن أن قضيّتـــــك بريئـــة من معنى الاغتيال و الفنــاء و أنـــك إبليسُ .. لا تــــهمة لك سوى أنك لم تقـــــبع كالمستــقبل مــحايد ا و لم تــسارع إلى المــاضي لتـــلعنـــه و لا إلــى الحاضـــر لترشــقـــه بالتــّهم ..