من هنا يأتي الخطر لا من هناك- الشيخ إبراهيم صرصور
من المتفق عليه بين السلف والخلف أن التحديات الداخلية بكل أشكالها وأنواعها وليس التحديات الخارجية، هي الخطر الذي يجب أن نتنبه إليه ونعمل على مواجهته بكل قوة وحزم ... ما أسهل أن يندحر العدو الخارجي إذا كان الصف الداخلي محصنا ، وما أسهل أن نندحر إذا كان واقعنا الداخلي مضطربا ... لعل البعض يسأل : ما هو المظهر الأكثر دلالة على هذا الواقع الأخطر ؟؟!! لم يغفل الرسول صلى الله عليه وسلم عن توجيهنا لهذا الخطر ... إنه فساد ذات البين ، والذي يعني ببساطة أن يتحول بأس الأمة بينها شديدا ... كل ما نراه اليوم من صراعات دامية ونزاعات مدمرة هنا في مجتمعاتنا الصغيرة ، وهناك في مجتمعاتنا الكبيرة / الدول ، هي صور لفساد ذات البين الذي وصفه الرسول الأكرم ( بالحالقة ) ،وأضاف : " لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين من القلوب " ، وبالضرورة تحلق الفرصة لنهضة مجتمعاتنا وبعثها وانتصارها وعزتها ...
من المتفق عليه بين السلف والخلف أن التحديات الداخلية بكل أشكالها وأنواعها وليس التحديات الخارجية، هي الخطر الذي يجب أن نتنبه إليه ونعمل على مواجهته بكل قوة وحزم ... ما أسهل أن يندحر العدو الخارجي إذا كان الصف الداخلي محصنا ، وما أسهل أن نندحر إذا كان واقعنا الداخلي مضطربا ... لعل البعض يسأل : ما هو المظهر الأكثر دلالة على هذا الواقع الأخطر ؟؟!! لم يغفل الرسول صلى الله عليه وسلم عن توجيهنا لهذا الخطر ... إنه فساد ذات البين ، والذي يعني ببساطة أن يتحول بأس الأمة بينها شديدا ... كل ما نراه اليوم من صراعات دامية ونزاعات مدمرة هنا في مجتمعاتنا الصغيرة ، وهناك في مجتمعاتنا الكبيرة / الدول ، هي صور لفساد ذات البين الذي وصفه الرسول الأكرم ( بالحالقة ) ،وأضاف : " لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين من القلوب " ، وبالضرورة تحلق الفرصة لنهضة مجتمعاتنا وبعثها وانتصارها وعزتها ...
المتتبع لتاريخ شعوب العالم وحضاراته وثقافاته يلحظ ظاهرة فريدة أصبحت باضطرادها كأنها جزء مركون في طبيعة المجتمعات لا تنفصل عنها أبدا . هذه الظاهرة هي أولئك الأفراد أو الجماعات التي قررت الخروج على المجتمع والتمرد عليه ، بل وحربه ومواجهته في كثير من الأحيان لأسباب شتى ولدوافع مختلفة . شهد التاريخ جماعات وحركات قررت أن تغرد خارج سرب بيئاتها لأسباب سياسية وإجتماعية وإقتصادية ، إلا أن أخطرها هي تلك التي قررت الخروج لأسباب فكرية أيديولوجية ... هكذا تبدو الصورة قي ظاهرها إلا أن الحقيقة أن كل الأسباب ما هي في حقيقتها إلا القناع الذي تخفي فيه هذه التيارات نواياها الشريرة وغاياتها الهدامة ....
أعتقد هنا أننا يجب أن نكون حذرين في تناول هذه الظاهرة ، فلا نخلط بين ما هو مشروع وما هو غير مشروع ، ولا بين حركات شعبية تخرج ضد حاكم مستبد أو سلطة ظالمة تريد تغيير الأوضاع وإصلاحها بما يخدم المجتمع بكل فئاته وأطرافه ، وبين مجموعات أساءت في خروجها إبتداء ، وأنحرفت في معتقداتها وضلت في ممارساتها انتهاء . الفرق بين الأولى والثانية هو كالفرق بين المقاومة المشروعة التي يخرج فيها الأفراد والجماعات لتقاتل المعتدين الغاصبين ، وردع المحتلين الظالمين ، وبين المقاومة غير الشريفة وغير المشروعة التي تنتهك الحرمات ، وتعتدي على الأرواح والممتلكات ، وتسفك الدماء البريئة دون وجه حق ....
ليسوا سواء ...
إن النظر إلى هؤلاء وأولئك بمنظار واحد هو ظلم فادح يدفع بالمجتمعات إلى مواجهات لن تصب في النهاية في مصلحة أحد، وإنما ستجر الويلات والكوارث على كل المجتمعات ، بل وستكون بالتراكمية سببا في سقوط حضارات وزوال دول وإمبراطوريات . أما التمييز بين هؤلاء وأولئك ، فهو السبيل إلى تضافر كل الجهود الخيرة والمخلصة ، ووقوفها صفا واحدا في مواجهة كل هذه النزعات المدفوعة في نشاطها وممارساتها التدميرية بكتلة هائلة من الغرائز المنفلتة ، وإن تزينت في مرحلة من مراحل تطورها بمسوح التقى والإصلاح ، أو الليبرالية والانفتاح ....
ظواهر عالمية وليست عربية ...
يبدو لي أن هذه الظاهرة كما قلت في البداية ، عالمية لا تعترف بحدود جغرافية ، ولا تقر باختلافات زمانية ، هي ظاهرة عابرة للقارات والثقافات والأديان والحضارات ، فلا يمكن لأحد أن يدعي أن أمة ما ، أو دينا ما ، أو مجتمعا ما قد نجا من إصابته بصورة من صور هذا البلاء . لو كانت هنالك على وجه الأرض أمة ، أو دين أو حضارة قدر لها ألا تعرف هذا الوباء ، لكان الإسلام وبلاد المسلمين هي الأولى بذلك والأحرى به ، لما يقدمه الإسلام من مخزون هائل من القيم الإنسانية ، والأخلاق الربانية ، والنظم الإلهية الكفيلة - لو أخذ الناس بها - بإسعاد الإنسانية كلها بلا إستثناء .... إلا أن الحقيقة أن أمة الإسلام قد ابتليت في تاريخها القديم والحديث بهذه الظواهر التي ما تزال تفعل فعلها في تدمير الأمة وتحصيناتها النفسية والروحية ، وإهلاك إمكاناتها المادية والمعنوية ، أكثر بكثير ما يفعله أعدائها ، بل أذهب إلى حد القول أن الأعداء ما نجحوا قديما وحديثا في إختراق صفوف الأمة ، إلا من خلال بوابات هذه المجموعات التي شتت الطاقات ، ومزقت الوحدة ، وجعلت بأس المسلمين بينها شديدا ، ولذلك قال الله سبحانه محذرا ( وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ، واصبروا إن الله مع الصابرين ) .
الشيطان أول المتمردين...
لقد شهد فجر الإنسانية ، ومبتدأ الخليقة أول حركة تمردية وقادها الشيطان الرجيم ، والتي حمل إبليس فيها راية العنصرية ، مدفوعا بحقد دفين على آدم عليه السلام ، المخلوق الجديد الذي أعلن الله سبحانه أنه الخليفة في الأرض ، والمخول بعمارتها على نور من الهدي الإلهي والوحي الرباني ... لقد إنتهى هذا التمرد إلى ما نعرف من طرد إبليس من رحمة الله سبحانه ، ونزول آدم إلى الأرض وبداية الصراع الأبدي بين الحق والباطل ... وهكذا عاشت الإنسانية بين مد وجزر ، وبين كر وفر ، كانت نتائج الصراع فيه محكومة لثوابت جعلها الله أصلا أصيلا في هذه الحياة ، فجعل للنصر أسبابا ، من أخذ بها أنتصر وعلا ، وللهزيمة أسبابا من أخذ بها إنهزم وذل .
ما بعث الله الأنبياء عليه الصلاة والسلام إلا ليعيدوا الشاردين والمتمردين أفرادا ومجتمعات إلى جادة الصواب وإدخالهم إلى سرب الطائعين لرب الأرض والسماوات ... لقد تعامل الرسل صلوات الله عليهم أجمعين مع حالة تمرد إستغرقت المجتمع كله ، فالذين آمنوا منهم دخلوا مجددا إلى فسطاط الإيمان فسعدوا وأسعدوا ، وأما الذين كفروا وأصروا على شرودهم وتمردهم وخروجهم فقد إنتهى أمرهم إلى زوال ، فشقوا وأشقوا ...
الفصل الأخير ...
ظل الأمر على هذا النحو إلى أن بعث الرسول صلى الله عليه وسلم، والذي قال الله في حقه ( ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) ، فتحول مجرى التاريخ ، وإنطلقت الإنسانية في مشوارها الجديد والخالد . إلا أن ذلك لم يغير من طبائع الإستياء ، فما أن التحق الرسول بالرفيق الأعلى ، حتى إنطلقت من عقالها حركة تمرد أخذت تهدد الوجود الإسلامي برمته . أطلق المؤرخون على هذا التمرد ( الردة ) ، وسموا الحروب التي خاضها المسلمون ضدها في عهد الخليفة الراشد أبي بكر الصديق رضي الله عنه ( بحروب الردة ) والتي إنتهت بالقضاء على الخارجين ، وعودة الجزيرة العربية إلى حضن الإسلام مُوَحَّدَةً ومُوَحِّدَة فشكلت القاعدة الأساسية لإنطلاق الفتوحات إلى كل أنحاء العالم .
إستقر حال الدولة الإسلامية في عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فلم تشهد مظاهرا للتمرد أو الخروج على الدولة والمجتمع ، إلا من أفراد تآمروا لمصلحة دولة وحركات سرية معادية فأغتالوا أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وهو في محرابه يؤم المسلمين في صلات الفجر ، فأنكسر باب باغتياله ما أنغلق إلى يومنا هذا ، ولج من خلاله خارجون ومتمردون من كل صنف ونوع كان من ضحاياهم أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه ، والذي قتلته جماعة متمردة تنادت من كل أطراف الدولة ، والتقت لتنفذ خطة نسجت خيوطها أصابع خبيثة ، وغذتها نفوس مريضة لجماعات حملت الإسلام اسما ، بينما حملت قلوبها حقدا وسما ناقعا ما نجحت في تفريغه في جسد ألأمة قتلا وفتنا وحروبا أهلية ، إلا بعدما لحضت شقوقا واسعة إنفتحت في جدار الوحدة والوفاق في الأمة .... وللحديث تتمة في الأسبوع القادم إن شاء الله ...