محمد كناعنة يكتب: إليكَ يا إبنَ أُمي
إليكَ يا إبنَ أُمي رسالة مفتوحة إلى أخي ورفيقي حسام والى رفاقي الأسرى
إليكَ يا إبنَ أُمي رسالة مفتوحة إلى أخي ورفيقي حسام والى رفاقي الأسرى
حتماً أنتَ الآن أكثرُ ممّا أنت... وما عَبرتَ من هناكَ إلى هنا لتطرَحَ السلامَ على من مَروا في كلماتكَ عابرينَ لِتستطرد عائداً الى بوابات الرجوع خلفَ حقول الكلام وسبائك خيلكَ والألغام النائمة في تفاصيل التفاصيل عندَ الفواصل والنقاط والحروف. وكأني بكَ في قولكَ من الأفضل ألا نذكرُ شيئاً, تقول كل الأشياء.. فعلاً في هذا الفصلِ بالذات حين تصطدمُ بقاموس الرفاق من الأفضل ألاّ تذكر شيئاً ، فالأشياءُ تُقالُ لِوَحدها, وتنامُ لِوَحدها, وتعودُ إلى نَحرها لِوَحدها... وتذهبُ إلى بَحرها لِوَحدها وتحتَ حقيقة الشمس تَتعَرّى لِوَحدها.
أتدري يا ابنَ أُمي.. حينَ هبّت رسالتُكَ قبلَ أن تُسافر إلى وقتٍ مُستقطع من كَتفِ الحياةِ وعمرٍ لا مغنى لَهُ بلا معنى, حينها أدركَ عَديدَهُم المغزى ولكن بلا جدوى ، حينَها قلتَ ما قُلتَ وكَتبتَ ما كتبت وما زالَ المعنى بلا معناً ولا مَغنى .. تَصلني مِنكَ رسالةً عن العيد البَعيد, وصَلت بتأخير رحلةٍ الى سيناء ذهاباً والإيابُ لَم يَحن موعِدَهُ بَعد ، وعودةٍ من مشوار راحةٍ بعدَ سفرٍ على سَفَر, أقرأُ وأحملُ على عَجلٍ طابعَ البريد وحقيبة العُمر مُثقَلةٌ بثلاثةِ عُقودٍ وَنيّف منَ اللعبِ في عيدان الكبريت الملُتَهبة ، أبحَثُ عن نارِ المجوسِ ، أحمِلُها بينَ راحتيّ يَدَيَّ ، وأذهب صوبَ النسيانِ عَلّي أجدُ قسطاً من مشاغبةٍ في هذه النعمة, هَرباً مني غَضباً منها خَجلاً منكَ وأعودُ إلى أولِ السطرِ في رأس الصفحة لأجدَ هُناك من هُنّ أحقُ بالتهنئةِ بالعيد على شاكلةٍ أُخرى, بعيداً عن حواجز الزجاج وأُذُنَيّ سَجّانٍ يَتلصّصُ رائحةَ ترقيةٍ عند سيدهُ على حسابِ دمعةِ أُمٍ وبسمةِ طفلٍ ... والأنكى أن يَقفَ سجانٌ لهُ ملامح كَملامِحكَ وسِحنَتَهُ تُشبهكَ ،، وَتَسألُ الأمُ بسذاجةِ العارف : " مش ولاد عَرَب هذول يُما " ، تَبتَسمُ لها لأنها تَستَحقُ ذلكَ ولأنكَ تَعرَفُ ما تَعرف عن هُنا وَهُناك .
إنَّهُنّ ألأحَقُ بالبَسمةِ وإن لم تَستَطع إليها سبيلا ،، تَنتَزعُها من براثِن صَدرِكَ وتَكونُ هيَ الهدية ألأغلى بالنِسبَة لَهُنّ بَعدَ هديّةِ ألأفراج والحُرّية ، هديةً تليقُ بملامحهُنَّ التي طوى الزمنُ منها ما طوى وما إستطاعَ أن يهُزَّ منهنَّ بارقةَ الأمل وجذوة الشوق وحُلم العناق الذي طالَ وطالَ وطالْ.
إنَّهُنّ الواقفات عندَ حاجز السجنِ تحتَ ظلّ الشمس المُتوهّج " برداً وسلاما ً" وفاءً لساعةٍ ينقُصها الرُبع مَرّتينِ في الشَهرِ الواحِد من وراءِ زُجاجٍ لعينٍ, إنَّهُنّ المُسافرات عَبرَ الزمان والمكان, في طولِ وعرضِ هذا البُستان من النهرِ إلى البحر ورائحة الياسمين تُعانِقُ السَماء كلّما رحَلت والدةُ أسير كانت تستقلُ هذا المركب, تَترَجّلُ وترحلُ وهيَ تحلمُ منذُ عشرة أعوام عشرون ربيعاً ثلاثون شتاءً وأكثَر ً.. وخريفاً يَأتي ، ويَتطايَرُ خَبرَ الغيابِ – أو السَفر في رحلَةِ أللاعودة - معَ أوراقٍ في مَهبّ رياحِ الشوق ولا يَرمي رَأسهُ ذاكَ النصف الآخرَ ، الحُلم القابع خلفَ القُضبان ، بينَ أحضان صَدرها الحَنون ، أو أن يَتلَمّسَ راحتَيّ يَداها للمَرّةِ الأخيرة .
إنَّهُنَّ أُمّهات الأسرى ،، أسيراتُ ألأنتظار الطويل ، ألأشَدّ وَفاءً لِهذا الدرب الذي ضاقَ ذُرعاً به الكثيرون ولكنَكم رَغمَ مَرارة الواقع ما زلتم على موعدٍ معَ الحُلم ليأتي وحَتماً سَيأتي .. – وأُدرِكُ جيداً أنَكَ تُدرِكُ من أينَ تَنظُر إلى الفكرة ، يَحدوكَ الأمَل وتَتحدّى ممحاةَ الروح - . وأستذكرُ هُنا يومَ استفاقَ صديقي صالح أبو مخ مُستغرباً ، مستبشراً الخير في نفسهِ, فبعدَ أن مرَّ عليه اليوم ستة وعشرون شهرَ صِيام ،عقدين ونصف واكثر خلفَ قضبان السجن ،، ولا يُصدقُ أحدٌ أنّه يتناول أكثر من عشرون حبة دواء في اليوم وأربَعةُ حُقن من البنسالين منذُ عقدَينِ تقريباً, في ذاكَ اليوم عندما استفاقَ من حُلمٍ ، أسعدهُ أنه ما زال قادراً على أن يحلم في تفاصيل منزلهِ وحاكورة الدار وتفاصيل حياة غادرها منذ اكثر من عشرونَ عاماً... يحقُ لصالح ولكَ وللأسرى أن تفرحوا حين يكون الحلم انتصاراً ولو معنوياً على واقع القيد والسجن والمرض وسنوات البُعد والحرمان.. والبعض لم يعد لَهُ ملجأً بعد رحيل أُمٌ كانت تحلمُ باستفاقةٍ من هذا الكابوس ، ويَحقُّ لَكم أن تَغضَبوا حينَ يُطعَنُ هذا الحُلم منَ الخَلف ، فماذا حَرياً بكُم أن تَفعَلوا اليومَ والطعنَةُ باتت تأتي منَ الأمامِ .. منَ الأمام .