لو كنت فلسطينيا- بقلم: خالد بركات
لو كنت فلسطينيا لصادقت الناس العاديين وشتمت كل الانظمة.
لو كنت فلسطينيا لصادقت الناس العاديين وشتمت كل الانظمة.
ولو كنت فلسطيني لكان فطوري اليومي : زيت وزعتر وخبز ساخن ( واحيانا فلافل) . ولمسحت جبهة سمراء تنضح بالعرق العسلي ، هي جبهة عجوز فقيرة ومعذبة ، كنت اعرفها في زمن ماضي . كانت تحمل سلال التين من قريتها وتشد الرّحال الى سوق المدينة، تريد ان تطعم صغارها ، وصغار صغارها ، تستل كسرة حياة تصنعها بيديها بعد ان تبيع ما تبقى من قوة عمل في جسدها الناحل وفي سلة التين التي صارت بلا لون، وهي إمرأة لا تشكوا ولن تشكوا ، هي مثل هذا الوطن ومثل هذا الشعب ومثل هذه الارض . فهل هناك شيئا يمكنه ان يسبب " حالة ازعاج " لشعب يحتل ارضه الغرباء والقتلة والمستوطنين القادمين من نيويورك؟ وما هو " الخبر العاجل " الذي يمكنه ان ينغص حياة عجوز فلسطينية ، وزعت كل من خرجوا من رحمها على السجون والمقابر والمنافي، وبالتساوي ، ثم صارت تنسى اسمائهم واسماء اطفالهم!
لو كنت فلسطينيا ، لما تركت نظاما عربيا واحدا " من شرّي " ، سأشتمهم ، ثم ألعنهم ، ثم اشتمهم ، هكذا ، في الصبح والمساء. وفي السر والعلن ، وبالصمت والصراخ ، واكثر، واكثر. لكن قبل ذلك ، العن الاستعمار الذي جاء بهم ، الثورات التي شرعنت انظمتهم ، وألعن .. ألعن بريطانيا والعائلات التي ادمنت التخمة والهزيمة والكذب والطبقات التي تنهب خيرات ارض مقدسة مشى عليها الانبياء ، وصلى فيها الأنبياء ، من فلسطين المحتلة وصولا الى اخر بئر نفطي تحتله شركة امريكية.
لو كنت ، كما اريد أن اكون ، لكفرت بكل القوانين والشرائع ، وتحديدا الدولية منها، وتلك التي تبرر موتي وتلغي وجودي وتمحو اسماء القرى والمدن والناس.
لو كنت فلسطينيا لقلت للعدو الصهيوني، ما قاله محمود درويش وهو يساله : تقتلني؟ ثم تسرق جثتي؟ وتبيعها؟
لا ، هذا ليس مجازا او شعرا ونثرا ، نحن حقا نسال العالم : لماذا تسرق " اسرائيل" اعضاء الشهداء وتبيعها؟
لو كنت من هناك ، لقلت له : شعبي يقاوم، اذن ، ينتصر شعبي، ويقبرك في الذاكرة الى الابد. تماما كما فعل مع الاولين، جاؤوا واستوطنوا وعربدوا وهربوا ثم اندثروا وضاعوا في ذاكرة شعبي. وان كيانك العنصري حتمي الزوال والاندثار، وتاريخك ، كل تاريخك ، على هذه الارض سيكون فصلا دراسيا لطلبة الجامعات وموضوعا لطلاب التاريخ في المدارس الاعدادية ، هذا هو مستقبلك ومستقبلنا : اطفالا وعاشقين لم يولدوا بعد ، عرب ويهود وترك وفرس،، كل هؤلاء لن يكونوا سوى ما ارادوا ان يكونوا، عاديين كالغابات، يولدوا في بيوت عادية ويكبروا وينتصروا وينكسروا حيثما شاؤا.
لو كنت ، مثل جارنا ، الفلسطيني ، لقرأت شعر راشد حسين وأمل دنقل وقرأت قصص غسان كنفاني وطربت لصوت اسمهان واغاني مارسيل خليفة والحان زياد الرحباني و( كل ) فيروز وعود الشيخ امام وصوت المقرئ الجميل عبد الباسط عبد الصمد...
2
الذي يحمل السلاح ، في غزة ، لا يحتاج لمن يقول له : قاوم!
لكن ، لمن يحمل السلاح الشريف ، في اي مكان ، اقول ، بسطارك هذا ، اطهر من هيكلهم ، واغلى من تيجانهم وعروشهم وصلاتهم . ان مجرد وجودك يغيظهم ، انفاسك تزعجهم وتكدر صفوهم ، وانت " تهدد الاستقرار " في المنطقة والعالم ، تخيل ؟ امريكا لا تحبك ، ولا ترى فيك غير عود كبريت يتكأ على بئر نفط ، وقد يتاهب ويتوتر في اية لحظة ، فانت مجرد عود كبريت ، واخوتك العرب سوق كبير للاجانب والشركات ، ابار نفط ونساء محجبات يشترين 800 مليون دولار سنويا من ادوات التجميل الاوروبية ، وفي المحصلة كلنا ارهابين وقتلة واغنياء وجهلة ، هذه هي صورة العربي في اعلام وثقافة الغرب العنصري، لا اكثر ولا اقل . فماذا تريد يا اخي ؟ ماذا تريد كي تحترق اكثر وتضئ ليل هذه الامه النائمة؟
تقول مزيدا من الشمس والحرارة؟
وماذا تريد من عالما يفر من حقيقتك وهي تطاردهم كلما مرّ النهار في شارع حيفا؟
تقول العالم يبدأ من حيفا؟
هو حظك التعس ، ان تحيطك انظمة فاسدة ، قاهرة ومهزومة ! وقد ابتلاك من لا يحبك بعدو ينكر وجودك ويريد ان يفاوضك الى الابد ، يفاوضك على دمك ، ويفاوضك على رحيلك ، وغيابك ، ويعد عليك انفاسك وكم كوبا من الماء والحصار ستشرب هذا اليوم ، وهكذا ، صار عليك ان تختار بين نارين ، او انتحارين او شكلين او حزبين او دولتين او أي شئ اخر ..
الا الحياة !
كل ذلك يحدث لك اليوم ، بعد ان طردوا جدك من هناك ، قبل اثنتي وستين عاما ، ثم غيروا اسم البلاد!
3
اياك ان تصدق ان سفينة حائرة يمكنها ان تكسر حصارك الدامي، فهؤلاء الاحرار قد ركبوا البحر وصاروا احرارا مذ تعرفوا عليك. صاروا بحارة ، قوافل حب وشوق ، تحج اليك ، وانت ليس قصيدة شعرية ، بل واقعا من دم قاني وحلم بسيط وذكريات . وغزة ، مثلك ، صارت ِقبلة مقدسة ، وصارت ُقبلة مقدسة ، لمن يبحث عن العدالة في زمن الانترنيت والابادة الاجماعية والاحتلال. يجيئون الى حصارك كي يتحرروا من عالم اخر ، يتحرروا لك ، يتحرروا منك ومن بلادهم ، ومن الرياء والصمت ومن زعيق القطارات وثقافة الهامبرغر ولعنة الراسمال والضريبة ويرتاحوا من وخز الضمير الذي يطاردهم ويعذبهم. مثلنا ، ولذلك يشبهوا ظلك..ويتبعوك.
لو كنت مثلك ، سادعو للنهوض الشعبي في كل مكان، وادعو لتجديد الحركة الوطنيه الفلسطينية ، والعمل على تصليب عودها وسلاحها وفكرها ومؤسساتها ، واستعادة قرارها الوطني ومحيطها الشعبي وتحرير الاسرى والعقول، ولبشرت الناس بان الوحدة الوطنيه تصنعها الارادة الحرة ، وليس من باع ذاكرته وصار كارثة تجر كارثة تجر كارثة..
لو كنت فلسطينيا لاحتفيت بناجي العلي وحاورت احمد سعدات ولجأت الى الحجر كلما اشتد الحصار. ولكن ، على هذه الطاولة تنام امامك ثلاث جوازات سفر ووثيقة قديمة ، مثل جنود قتلى بلا ذاكرة ، لا ميدان ولا معركة . وكلها ، تقول : انت لست من هناك ولست من هنا. أخخخ، لو كنت فلسطيني!