كفانا نقيس سعادتنا بقيمة حساباتنا
كفانا نقيس سعادتنا بقيمة حساباتنا في البنوك
كفانا نقيس سعادتنا بقيمة حساباتنا في البنوك
كعادتي في بعض الليالي جلست بالقرب من نافذة غرفتي الصغيره أتأمل عتمة السماء وسكونها, وأيضاً لأقوم بتفقد أحوال نجومها, فمنذ عشرات السنين وعلاقه حميمه تجمعني بتلك النجوم..
اني أعشقها واكن لها احتراما كاحترامي لوالدتي العزيزه, فالنجوم كالامهات الساهرات على راحة الأبناء, دون أن تغفى لهن جفنُ أو تمل نفسٌ.. هي ايضاً من أعز أصدقائي, ولا أذكر يوماً أني شعرت بحاجه لانهاء تلك الصداقه بتلك النجوم تشاركني أفراحي وأتراحي.. يلمع ضوئها عندما تغمرني السعاده, ويبهت ذاك النور مع أول دمعه تعلو الخدود.. نعم اني اشعر بها وأراها حزينه وشاحبٌ نورها لحزني, تحاول اخفاء حزنها لكنها صادقه لا تتقن التمثيل, تحاول جاهدة الاستمرار بالبريق ولكن دون جدوى, فأنا اُجيد تمييز الاضواء, اذا ما كان ضوئها لامعاً أو باهت اللمعان.
هكذا هو الحال أيضاً لدى اضواء البيوت, فتراها تارة يسطع نورها معبراً عن امتلائه بالفرح, الاستقرار والأمان, وتارة اخرى تنير مداخل البيوت وفي نورها ألم, تعب وعتب على هذا الزمان.
كثيرةُ تلك البيوت, وكثيرةُ أضوائها بين طيات الظلام, والاكثر من ذلك هي الحكايات التي تسكن تحت أسقف تلك المآوي التي باتت تجمع افرادها في ساعات الليل, لا لتناول العشاء على مائدةٍ واحده, بل كل واحد في فراشه, اما يتذكر لحظاته السعيده التي مر بها خلال النهار وابتسامة تزيين وجهه, واما تجده غارقاً باحزانه وقد أتعب جفونه البكاء على غدر الايام, ولا يجد له صديقا سوى النجوم التي تنير ظلام لياليه القاسيه ليشاركها آلامه واحزانه.
ما الذي حل بتلك البيوت, لماذا تدرك عيني أضوائاً لم تعد تلمع وتنير كالسابق؟!! لماذا هي عديده آلامنا.. وطويله ساعات فراقنا.. لماذا أصبحنا نشتاق للحظات تجمع شملنا, وتحيي محبتنا؟؟!!
أهي مشاغل الحياة وصعوبة تأمين لقمة العيش, أم أن قلوبنا ما عادت تتسع من يحيطوننا, أصبح النزول بتلك القلوب احتكاراً لشخصنا, وما عادت تطيق جدران تلك القلوب بعث الدفيء في قلوب زائريها, ولا حتى تحملهم لبضع ساعات معدودات!.
كم أتمنى لو تعترف أمهات العالم بأن الجدران الدمويه التي تحيط القلوب هي اهم من جدران الأسمنت والحديد التي تحيط البيوت, وبأن الرجل الذي يستطيع اسعاد كريمتها هو الرجل الذي يسكن ابنتها بين جدران قلبه ويقفل عليها الباب.. فأن أقفل باب القلب على من سكنه فلن يكون بخارج منه حتى ولو اصبح تراباً تحت التراب.
وأين هي أهمية تلك البيوت التي شيدت جدرانها بأجود أنواع مواد البناء, وأكتمل شكلها باضافة ذلك الباب الكبير, الحديدي الواقي من الرصاص.. بينما قلب صاحبها بلا باب, زائره لا يلبث أن يقيم بداخله بضعة أسابيع حتي يعلن الرحيل..
كم اتمنى لو يدرك الآباء والأمهات بأن المحبه هي احتياج, ضرورة توفره تعادل ضرورة توفر الماء للحياة..وكفانا نراهن على سعادتنا بقيمة حساباتنا بالبنوك, من عاش يومه مازال من المحتمل بأن ينعم بعيشة غده, والبيوت ليست بضخامتها بل هي بعلاقة أفرادها ببعضهم البعض, والامر واضح ولو انه ما زال خفيا لبعض الاهالي كيف هي أحوال بيوت أبنائهم وبناتهم.
ولنلقي نظره الى ما وصلنا اليه من تدهور في التربيه بسبب صغر سن الامهات اللواتي ما زلن أطفالا حتى يصبحن أمهات لاطفال, يحاولن جاهدات تربية الطفل الاول ولكنه في معظم الاوقات يكون هو الضحيه لتجارب الام ومحاولة تعلم التربيه, وفي أحيان أخرى تكون الأطفال ضحيه لسوء العلاقه بين الاب والام غير المتحابين, المتشاجرين باستمرار داخل البيت.
انوار البيوت في هذه الليله لمعانها الباهت أقلقني وجعلني أعيد حساباتي, وامسك من جديد قلمي العزيز ونبدأ برحله صغيره في ثنايا تلك البيوت, لعلنا نجد بيوتاً تزرع بنا الأمل من جديد عندما نراها ما زالت تنير وتضيء حياة ساكنيها. وكم اتمنى لو بيوت العالم كلها تضيء للفرح والسعاده والمحبه.