قراءة أخرى في الانتخابات/ بقلم: محمد كناعنة
محمد كناعنة في مقاله:
محمد كناعنة في مقاله:
هناك من ما زال يتوهم بيسار حزب العمل بزعامة شيلي يحيموفتش التي اعلنت عن شرعنت المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة
لا يمكن لنا أن نتغنى بالديمقراطية ونمارس نقيضها ولا يمكننا أن نتحدث عن الوحدة الوطنية والصراع بين الاحزاب العربية ذاتها اشد من صراعها مع المؤسسة الصهيونية
الانتخابات انتهت وحصلت الاحزاب العربية على ما حصلت عليه من اصوات ومقاعد ولكن بالمقابل جميع هذه الاحزاب لم تحصل على نسبة 50% من اصوات العرب
تتراكم المعلومات، وتتوالى تفاصيل الخيبات من هنا وهناك، نرى ونسمع ليل نهار مفكري قادة وادباء الاحزاب يتحدثون عن "الديمقراطية"، وعن "الآخر"، وعن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، واذ بالديمقراطية ليست الا مطيّة، والآخر ليس من لا يتفق، أو يختلف معهم في ساحتهم ومحيطهم وفضائهم الانتخابي، فهذا غدا عدوا، الآخر الذي يتحدثون عنه ويحاورونه ويحرصون على مشاعره هو ذلك القابع في بيوت ميعار وصفورية واقرث وبرعم وحيفا ويافا والحبل عَ الجرار، والاختلاف بالرأي لا يكون حاضرا بالنسبة لهم اللّهم إلا كلٌ مع مرآته في أحسن الاحوال.
يوم الانتخابات
في يوم الانتخابات بالتحديد لم يعد مشروع مواجهة المقاطعة الشعبية للانتخابات مجرّد فكرة مقابل فكرة، وموقف في مواجهة موقف آخر، وانما اصبح مطلوبا رأس هذه الفكرة، وعليه هاجمت وماجت البيانات والمقالات في هذا الصدد وهذا شرعي جدا ولكن وصولا الى الاستنجاد بجامعة الدول العربية "وديمقراطياتها" لتطلب هذه في بيان لها من "عرب اسرائيل" المشاركة في التصويت للكنيست، دون أي اعتراض من اشاوس المرحلة على مختلف مشاربهم. وكذا خروجا بمكبرات الصوت ومن على مآذن المساجد بنداء يدب الذعر في النفوس والقول إن الترانسفير على الابواب اذا لم نذهب ونصوت، وليبرمان يقف على التلال المحيطة بقرانا ومدننا العربية استعدادا لدكها بالمدافع، وعلى الهواء مباشرة قادة صهاينة يحذرون العرب من المقاطعة ويدعونهم للمشاركة بالتصويت (مجرد المشاركة ولم يهم لمن تصوت) ومعهم خليط من الاصوات العروبية التي ذهبت حد القول إن حملة المقاطعة مشبوهة التمويل: هذه الحملة الشعبية التي لم تمول الا بشواقل معدودة من جيوب ناشطيها، وقد حصدت اكثر من 50% من الاصوات العربية – هذا عدا عن نسبة التزوير المعهودة – على عكس حملة الآخرين التي كلفت عشرات ملايين الشواقل او الدولارات حتى.
اسلوب الاقصاء والتخوين
إن مجرد نظرة سريعة على نهر الانتخابات هذا وما حمله – ليس من نتائج فقط، وهذا ما سنأتي عليه بعد قليل وإن كان لا جديد تحت الشمس –من ممارسات ونهج وعقلية تذهب وتترسخ يوما بعد يوم، واقصد هنا اسلوب الاقصاء والتخوين والترهيب والكذب على الناس على قاعدة أن الغاية تبرر الوسيلة، فلا يمكن لنا أن نتغنى بالديمقراطية ونمارس نقيضها، ولا يمكننا أن نتحدث عن الوحدة الوطنية، والصراع بين الاحزاب العربية ذاتها اشد من صراعها مع المؤسسة الصهيونية، وحربها مجتمعة ضد تيار المقاطعة يتعدى ذلك، وهنا نقول إنه لا يحق لأحد بأن يستخف بعقول الناس أو بذاكرتهم الجماعية، ولا يمكن أن نتحدث عن مستقبل مشرف للأجيال الشابة ونحن نجنّدهم على قاعدة التلقين وتحشيد مجموعة ضد الأخرى وما هذا الا دفعا بنا جميعا باتجاه الهاوية وما هذا النهج الا مسمارا جديدا في نعش حامله.
رمي الحقائق في وجوه اصحاب الرأي
لا اسوق هذا الكلام هنا لاهاجم احدا او لاطعن باي من الاحزاب العربية الفاعلة ولكن لا بد بعد هذا من رمي الحقائق في وجوه اصحاب الرأي والقرار والفعل، ففي مرحلة ما، وهي ليست بالبعيدة، وامام الخيبات المتوالية لن تقف الجماهير صامته وحتما سيكون حراكا شعبيا غاضبا، فلا بد للناس ان يغضبوا اكثر واكثر حينها ستكون بداية اخرى لخلق بداية جديدة تعبر عن صرخة التحدي لواقع التمزق على ساحة العمل الشعبي: فالانتخابات انتهت وحصلت الاحزاب العربية على ما حصلت عليه من اصوات ومقاعد، ولكن بالمقابل جميع هذه الاحزاب لم تحصل على نسبة 50% من اصوات العرب وهذا معطى يجب أن تفكر به جيدا هذه الاحزاب، (وقد يكون هذا بداية لتفكير جديد في مواقفها من موضوعة الانتخابات برمتها، إن استطاعت فعل ذلك)، وبداية ما يجب أن تفعله هذه الاحزاب، المشاركة والمقاطعة للانتخابات، هو الجلوس الان على طاولة مستديرة لقراءة واقع حال فلسطينيي الداخل والعمل على التعاون الجدي لما فيه مصلحة مجتمعنا وشعبنا، فقواسم العمل المشترك اكبر من أن نطلب رأس فكرة المقاطعة او المشاركة، ليبقى هناك حوارا ونقاشا حول الاختلافات ولا احد يتنازل عن معتقداته الفكرية والسياسية لا بل ويجب فتح جبهة النقاش الفكري/السياسي على اوسع ابوابها، وهذا ما نعد به من طرفنا على الاقل، بعيدا عن الشخصنة والتخوين.
الحالة الحزبية الاسرائيلية
وفي نظرة سريعة على الحالة الحزبية الاسرائيلية وأثر الانتخابات عليها، على نهجها ورأيتها بحدود الصراع والمنافسة فيما بينها، ومع محيطها فذلك المعسكر المسمى بـ "اليسار" ليس بعيدا عن صُنوّه المسمى بـ "اليمين"، وقد نجد فوارق لها علاقة بالعلاقات الداخلية في "المجتمع الصهيوني" ليس إلا، ونلمس التوافق والاجماع بين هذه المعسكرات في القضايا الكبيرة والمركزية التي لها علاقة بالصراع العربي الفلسطيني الصهيوني، ومن اهمها قضايا اللاجئين وحق العودة، القدس، الاستيطان والحدود، واسوق هذا الكلام هنا من باب المقاربة، ولست من دعات حل "الدولتين". فنتائج الانتخابات عرّت الادعاء القائل بامكانية التأثير على تشكيل او تشكيلة الحكومة القادمة، وما هذا الحديث الا ضربا من الاوهام التي يحلو لبعضنا أن يعيش عليها، وها هو الاتصال الاول الّذي يجريه زعيم حزب الليكود بيتنا بيبي نتنياهو يكون مع زعيم القوى الصاعدة – الثانية بحجمها، يائير لابيد وهو المحسوب على معسكر اليسار، هذا الحزب الّذي أبى أن يطلق حملته الانتخابية الا من قلب جامعة مستوطنة اريئيل الجاثمة في المناطق المحتلة في العام 1967. وهناك من ما زال يتوهم بيسار حزب العمل بزعامة شيلي يحيموفتش التي اعلنت عن شرعنت المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة، كيف لا وهذا الحزب هو من قاد الاستيطان تاريخيا ما قبل العام 48 وما بعد الاحتلال العام 1967، وما رفضت يحيموفتش الحديث عن اخلاء المستوطنات الا محاولة لمجارات احزاب اليمين واليسار الوسط في منازلة المستوطنين. وهذا يعيدنا الى نقطة البداية، النزوح لدى المجتمع الصهيوني افقيا وعموديا باتجاه اللا انسانية في نهجه وتصرفه الحياتي اليومي والسياسي العام، والتمركز في لاءات الصهيونية يمينا ويسارا: هذه قراءة بعيدة عن لعبة السياسة والسياسيين، تحاكي الواقع بالوقائع.
موقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان:alarab@alarab.net