29° الناصرة $دولار أمريكي 2.99 ₪يورو 3.47 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
انتخابات 2026 حالة الطرق
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 اخبار محلية

غدا سيعود بقلم دنيا كمال مجدوب

في غرفة علتْ طوابقا ستة من بناية توسطت شوارع إحدى المدن.. كسرَ مصباح صغير, ضئيل النور أشلاءً ضيقة من حجرة صغيرة.. تبيّنت من خلاله ظلال امرأة شابة علَت سريرا وفي سماء الغرفة التصقت نظراتها.. أما أفكارها فتخطت هذا السقف وحلّقت ما وراء الجدران.. كانت في غفوة من الشرود.. حلّقت في تلك الليلة التي كللت قبتها سماء صافية خلت من نور قمري يؤنسها..أجواء باهتة سيطرت في الرابعة والنصف فجرًا, وكان الفجر قد بدأ بالتسلل الى عتبة بلادنا.. حاملا على أكتافه نسمات كانت تهب إليها بين فينة وأخرى..لم تتمكن من جذب النوم اليها هذه الليلة, كسائر لياليها الأخيرة السابقة.. فعجلة الأيام دائرة وقد اقتربت من اصطدامها بذلك اللقاء.. بعد أيام قليلة قريبة..حلّقت أفكارها الى بلاد الحبيب البعيدة.. حيث الصباح كان قد أنار ليله في مثل هذا الوقت..تحرّكت نفسها والذكريات. فحرّكتها وجلست بصمت أمام المرآة تهمس مع نفسها.. أخذت تجذب خيوط الذكريات من الأيام القديمة.. من تلك السنوات القليلة الطويلة..سنوات عدّة غابها.. حوّلته الى حبيب من ورق وطوابع غربية.. ونادرا ما تكون من ذبذبات تنبعث من ضجيج الغربة.. بعد أيام سيعود.. ولن يذهب بعيدا مرة أخرى.. ستكون عودته هذه المرة طويلة وأبدية. تنهدت أنفاسا ثقيلة متقطعة.. كانت بداية ً لسبيل عبير أيامها معه.. تنقلت في قطار الذكريات من السلام الأول حتى توقفت عند المحطة الأخيرة.. حيث غربته.. وحيث وحدتها!..انتفضت عندما خالجتها فكرة أن تكون هذه محطتهما الأخيرة.. أن يكون قد نسيها.. أو احتفظ بذكريات فقيرة قليلة عنها..ربما يكون قد نسي كيف تبدو تماما.. حتى هي بدأت تشعر بضباب خفيف يحيط ملامحه الشبابية.. رفعتْ يدها وتحسست وجنتها, أرادت أن تطمئن فقط.. أن وطن لمستهُ ما زال قائمًا مستعرا.توّهمت بأن يدها راحة كفه الكبيرة.. وهو ينعش طيرَ وجنتها وذقنها بأنامله الدافئة الحنونة.وبتلقائية سباتٍ مستيقظ..ابتسمت لذكراه.. وأي ابتسامة كانت.. حيث ظهرت من وراء عبرة شوق ٍ حارقة!..تفقدت خيطا فضيا رقيقا قد عانق جيدها من أطراف يديه هو.. قاومت نظراتها العبرات واقتربت الى نفسها بمنظاره.. " أتراني.. ما زلت في ذكراك؟.. كما أنا؟.. أما زال صوتي قاطنا لمسامعك؟.. أم شوّهتْ غربتكَ خيالي؟.. أتعاودك كلماتي كما يعاودني صوتك كل ليلة؟!.. أتهرب من وحدتك الى رسائلي.."تناولت صندوقا من دُرج ٍ قريب.. احتفظ بقلبه رسائلا وورودا..تراكمت رسائل لا بأسَ بها من حيث العدد.. بدأت رطوبة رسائله تجف في أوانها الأخير.. كانت الأخيرة منها آخذة في الانخفاض عددا وحرارة.. حيث كان في أول أيام سفره.. يكثر منها وقد تغلّفت بحنينه وحبه الشديدين لها.. ثم آلت الى الاكتفاء بوصف المكان وتفاصيل عن حالاته وضغوطاته النفسية والاجتماعية...لتنقلب الى رسائل رسمية تخلو من العاطفة القديمة أو كلمة تنبهها الى مكانتها عنده.مع مرور الأعوام  كانت أخباره في انقطاع تدريجيا.. لكنه يعود لإحياء ذاكرتها برسالة بعد شهور خلت.. يأسف فيها عن مقاطعة الرسائل.لم يعد يشكو اليها ضيق صدره من الشوق الجارف.. أتراه اعتاد المكان وزاح بصره عنها وعن بلاده.. لا يمكن. لطالما برهن حبه لبلاده وإخلاصه الشديد لها.. كانت تداوي أفكارها بقطرة أمل وحيدة.. من عينيه تأمل أن تلمحها.. أن تشعر بها.. كانت تبني شفائها على عودته وردة فعله.. أما عن نفسها.. فقد أصرّت داخليا على حبس عواطفها.. وستحاول ألا تبكي أو تنهار.عجلة الأيام تدنو.. وصريرها يقترب ببطء ثقيل.. وصراخ المخاوف يضجّ    مبشرا كان أم منذرا.. لم تدرك.كتب في رسالته الأخيرة أن عودته أوشكت على أسبوع وحيد فقط.. وها بالأسبوع يمضي ليترك ثلاث ساعات تزحف وراء الدهر, ترتشف من دمائها على مهل.. ثلاث ساعات سيبتلعها الوقت ويعود هو.. ستراه أخيرا.. يظهر من بين جموع غفيرة ملونة.. بطوله الفارع وشعره الأسود وضحكته الوسيمة ترنو اليها من بعيد.. سيتقدم مترددا مرتبكا.. ويتلعثمان معا أو يصمتان.. ستعانقه بشدة وتغسل تلك السنون السوداء بلحظة.. لن تعاتبه.. ستسامحه وتتفهم انشغالاته.. فقط عد ولننته.. تصرخ نفسها..كانت في طريقها الى المطار وفي سماء ما فوق بلاد بعيدة يحلق هو عائدا الى البلاد.. الى نقطة واحدة يهرعان..وصلت قبل عودة الطائرة بساعة تقريبا.. جلست ترقب الرواق وتهدئ روعها المتوتر..كانت عيناها تتسمر على الساعة طويلا.. كانت أطول ساعة وما أقساه من انتظار.. أخذت تتسلى بذلك العقد الفضي الرقيق الذي عــلّــقه في جيدها مذ غادر.. فتعقد إبهامها بنوره وتهتز بنفاذ صبرها.. اكتظ المطار بوجوه جديدة منوعة الألوان.. انتفضت بسرعة وأخذت تقلّب في وجوههم علّها تلتقط وجهه.. اشرأبت عنقها في كل زوايا النفوس.. بعد عناء لمحت رجلا طويلا يلتفت هو الآخر من بعيد فقفز قلبها إليه يسبقها تحية ً.. كفكفت بسرعة دموعها وتناولت نفسًا طويلا فتقدمت إليه بخطى ثابتة جعلته يلحظها..ابتسم من بعيد مستسلما من عبء حقائبه وهمومه مُفسحا لعناقها.. تعانقا بشدة وترطبت ذقنه بهديرها.. لم تستطع اقتلاع روحها من قلبه.. لكنها قاومت عطشها ونظرت الى عينيه فبادلها ابتسامة :- كيف حالك؟- سعيدة برؤيتك! فاتسعت ابتسامته أكثر: وأنا أيضا.دعاها الى ارتشاف القهوة في مكان قريب.. ظلا صامتين في السيارة تنبعث من صمتهما لغة سريّة تداولت بالنظرات والابتسامات.حين وصلت القهوة الى مائدتهما تنهدا استرسالا لحديث يعوّض سنينًا مضت..تطرّق في حديثه عن تعليمه وعمله هناك..عن معاناته في بداية الأمر من مسألة الغربة والوحدة ولكن شخصيته سعت في  تدبير الحال.. صمت قليلا رفع الفنجان ورشف قليلا من القهوة.. استغلت هي الفرصة لتسترق النظر إليه.. لاحظت أنه تقدم قليلا في السن.. لكن جاذبيته تقدمت أيضا.. التقت نظراتهما بعفوية غريبة ارتبكت ورفعت فنجانها لتداري ارتباكها, تبسم ونظر اليها نظرة جديدة..كانت تنتظر منه كلمة تُعرَّبُ في فئة الخصوصيات.. انه يحدثها كلاما يستطيع ان يلقيه على أي انسان أو صديق .. لكن ليس عليها.. كانت لهما لغة خاصة فريدة.. كلمات تخصهما وحدهما!.. ما به يحدثّها عن سطحيات الأمور.. كانت متحفظة في جلستها.. لم تهضم فكرة أنه القديم الأكثر من مجرد صديق..  لكنه بجهله لحاجتها يمحو الصديق فيبقى مجردا!..لاحظت أن تغيرًا طرأ على حاله.. طريقة حديثه وتحركاته الغريبة.. نظرته اليها.. لم يكن يطل النظر في عينيها كعهده. ثم أين عاطفته المعهودة.. وقد بردت أوصاله وجفّت ينابيعه..اشتاقت لصورتها تتلألأ في مقلتيه.. فليمكث دقيقة في النظر الى عينيها..صمتها جعله يستيقظ: -" ما بك؟.. أراك  شاردة؟.. أهناك من مكروه؟"ها هو يحذو حذو نفسه القديمة..فاصطنعت ابتسامة: - لم يعد غريبا عني الشرود.. تعودته في غيابك.أزاح الغرة عن عينيها المرهقتين وتحسس جفنها.- يبدو عليك التعب.. فاستفزّت لمسته عبرة حارقة بللت بنانه.. فسارع بمسحها مندهشا:" ما بك؟!"...- لا أدري..كانت بحاجة لعاطفته المنشودة.. الى إجهاش الأنهار من الدموع التي لا تنضبّ.. كانت ترغب بعناقه.. أن تختبئ بصدره الرحب.. إنها بحاجة إليه..أن تعاتبه وتعاتبه.. مرت سنون تغيرت فيها كثيرا.. استلمت عملا جديدا.. كان الفجر يصحو وهي لا تزال شاردة.. واجهتها أيام لم تجد فيها أنيس..لا تكاد تصدق انه أمامها بسلام.. لماذا حين عاد فاجأتها الصدمة وشعرت ببعده.. عندما كان بعيدا كان وجوده في قلبها أقرب..تفحص جبينها بظهر راحته فأمسكت بيده وأزالتها باستسلام عن جبينها.." انك لا تفهم.. لست مريضة.."اطرق برأسه أرضا وقد تحولت نظراته، كان يستعد لحديث صريح بعد تنهيدة..- لقد.. اختلفت أحوالنا وظروفنا.. لقد تغيرنا يا صديقتي.. أرجو أن تفهميني.. نحتاج لقضاء المزيد من الوقت معا.. أنت تفهمين قصدي.. صحيح؟..- إني أفهمك.. لكن هبة الانتظار عندي انطفأت.. إني أنطفئ.. فسارع بمداراتي قبل أن يكون دوري.. في المغيب.. ولا أرى مجالا للتفكير أكثر مما وهبتك.. فلا تقلب الحال إلى يدي.. فأضيع منك للأبد!.. لا تنس القديم.. القديم كل ما نملكه..فظهرت عليه تساؤلات أدهشتها:- أي.. قديم تقصدين؟..- أي قديم؟!... أيامنا, ذكرياتنا.. أحلامنا التي بدأنا ببنائها حجرا حجرا.. أوليس سفرك إحدى حجارتنا؟.. أوليس عملي كصحفية إحدى حجارتنا؟.. أنسيت أم أنك تتناسى؟..فقال مرتبكا: - لكن هذا.. من الماضي وقد ولّى..-  أي ماضي؟؟... كل ما أمضيناه من أجل هذا الحاضر..  - إني أقصد أن الزمان تغيّر.. لا يمكن أن تخططي لمستقبل دون تتوقعي بعض العثرات التي قد تغير خطتك!.. تكلمي بالمنطق أرجوك..- حدثني إذا ما الذي تغير؟... كي أدرك ما علي فعله!.. وكي أدرك المنطق!- ...- أخبرني... ما الذي تغير؟.. وأي عثرات تعيقني ولا أشعر بها؟..- دعينا نرجئ هذا الموضوع الى الغد.. اشعر بالتعب.انقبض قلبها خوفا.. الى أي شيء يخطط؟.. أيكون تمهيدا للفراق؟..  قال جملته الأخيرة ونهض.. صعدا الى السيارة بهدوء والأجواء بينهما مكهربة.. لم يقطع بضع كيلومترات حتى طلبت منه التوقف لتنزل بحُجة عمل يصادف هذا الشارع. تردد في بادئ الأمر لكنه أذعن لإصرارها. بقيت على الرصيف وسيارته تبتعد عنها.. أخذت تتوغل في البلد الغريبة على غير هدى وقد جفت على وجنتيها قطرات غنية من عينيها..مرّ ذلك الغد الذي وعدها به.. لكنه لم يتصل.. وصل اليها ما يوحي به.. فهمت ما يحاول أن يرمي إليه..مرّ أسبوع آخر  لم تسمع لهاتفها نداء.. ولم تر لعتبتها أي رسائل تغطي فراغها.. قرر إذا أن ينسحب.. أن يهرب.. أن يقتل.. حاولت أن تتناسى هي أنه عاد من سفره أصلا.. لكنها بعثت الى هذا الغريب الذي عاد.. رسالة عبر صحيفتها..رسالة لم تكترث ولم تقصده شخصيًا كي يقرأها.. أرادت فقط أن تجد مقرّا لنزيفها... كان هو.. وكم حاول الهروب من مواجهتها.. قد التقى بها على غير موعد.. على صفحة زينت صورتها وكُتب أسفلها الكلمات التالية:" كم أحبك.. كم أهواك.. وأنت هناك.. في منفاك النائي عن أرضي وبلادي.. كم وسيم أنت.. كم لطيف محياك.. حينما تكون في غربة عن وطني المقدس ِ..حين أراقبك تنظر النوى.. وأرى تيه نظراتك الحائرة.. حينما تكون أعمى.. عني!..كم أطرب بصمتك.. أو بشفاهك المتحركة.. من بعيد تنطق وتضحك.. لا يصلني حتى الصدى..ابق بعيدا.. صامتا.. فهو سرّك.. أنت لا تتقن مهارة الحياة.. لا تنطق باسمي.. فأنت تخرب رنينه.. ابق نائيا.. باسما.. بعيدا وما أحلاك.. وأنت بعيد!..لا تقربني.. فإني ألحظُ  تهشماتَ روحك.. دعني في حلمي اللذيذ.. ابق فارسي النبيل.. أطرَبُ وأبسم وأحلم – لكلك-لم أعد أحتمل المزيد.. كسرتَ بلور أوهامي.. عد كما كنت لا تعرفني.. عد الى تجاهلي.. لا تلق السلام فأنت غريب.. بذاك السلام تطعنني بحسام كئيب..عد طيفا يمر بجانبي لا يلحظني ولا أدركه.. ابتعد فلا أطيق منك القرب.. حبي هو البعد..حرر أنفاسي وحرر قلبي من خفقانه.. لا تقترب.. مخافة أن تسمع هدير دمائي.. وصفعات قلبي.. أخاف أن تسمع تصفيق رئتي بعظامي.. ورجفات أعصابي.. عد من حيث أتيت.. وابعث لي  بنفسك القديمة.. وان لم تعثر عليها.. ابق هناك.. بعيدا...".أطبق مصراعي الصحيفة بعد أن قرأ كلمتها.. وأطبقت هي عينيها.. كانت على سريرها.. في فجرٍ صرخت من رحمِهِِ نسماتٌ هائجة..ذات صباح ألح هاتفها عليها.. لم تعره اهتماما.. لم تعد تأبه ما تحمله هذه السماعة من أصوات..لكن الهاتف ما زال ملحا.. ظهر اسمه على شاشة هاتفها.. ظنت أن به مكروها..استقبلت اتصاله.. فسمعت هدوءا.. ثم تمتمات لم تفهمها.. أغلق الاتصال.. وسمعت طرقا على الباب.. سارعت إليه.. فكان هو.. يقف أمامها في حال يرثى عليها.. بانت من عينيه آثار سهرٍ.. تظهر عليه علامات تعب وإرهاق..احتارت في عمله.. تقدم منها ببطء متردد.. لمح عقدها فابتسم بحزن:- ما زلت على العهد..ارتبكت لقد نسيته في عنقها..  ثم ماله يظنها لعبة متى يشاء يأتي ويشاء أن ينسى.. اقترب منها بحذر أكثر.. ففاجأته بسؤالها:- من أنت؟..تراجع من المفاجأة.. جاهد في النظر الى عينيها.. فهمها هذه المرة.. - أنا القديم.. صمتت.. فأردف: اشعر انك لا تفكرين بالرجوع..لم تنطق من سخرية الموقف..تذكرت قول القباني:و" كيـفَ أرُدُّهُ.. وصِبَايَ مرسـومٌ على شَـفَتَيْهِ ؟".

ك ا كل العرب اخبار محلية نُشر: 21/02/2008 الساعة 14:43
حجم الخط
غدا سيعود بقلم دنيا كمال مجدوب
غدا سيعود بقلم دنيا كمال مجدوب · تصوير: كل العرب

في غرفة علتْ طوابقا ستة من بناية توسطت شوارع إحدى المدن.. كسرَ مصباح صغير, ضئيل النور أشلاءً ضيقة من حجرة صغيرة.. تبيّنت من خلاله ظلال امرأة شابة علَت سريرا وفي سماء الغرفة التصقت نظراتها.. أما أفكارها فتخطت هذا السقف وحلّقت ما وراء الجدران.. كانت في غفوة من الشرود.. حلّقت في تلك الليلة التي كللت قبتها سماء صافية خلت من نور قمري يؤنسها..أجواء باهتة سيطرت في الرابعة والنصف فجرًا, وكان الفجر قد بدأ بالتسلل الى عتبة بلادنا.. حاملا على أكتافه نسمات كانت تهب إليها بين فينة وأخرى..لم تتمكن من جذب النوم اليها هذه الليلة, كسائر لياليها الأخيرة السابقة.. فعجلة الأيام دائرة وقد اقتربت من اصطدامها بذلك اللقاء.. بعد أيام قليلة قريبة..حلّقت أفكارها الى بلاد الحبيب البعيدة.. حيث الصباح كان قد أنار ليله في مثل هذا الوقت..تحرّكت نفسها والذكريات. فحرّكتها وجلست بصمت أمام المرآة تهمس مع نفسها.. أخذت تجذب خيوط الذكريات من الأيام القديمة.. من تلك السنوات القليلة الطويلة..سنوات عدّة غابها.. حوّلته الى حبيب من ورق وطوابع غربية.. ونادرا ما تكون من ذبذبات تنبعث من ضجيج الغربة.. بعد أيام سيعود.. ولن يذهب بعيدا مرة أخرى.. ستكون عودته هذه المرة طويلة وأبدية. تنهدت أنفاسا ثقيلة متقطعة.. كانت بداية ً لسبيل عبير أيامها معه.. تنقلت في قطار الذكريات من السلام الأول حتى توقفت عند المحطة الأخيرة.. حيث غربته.. وحيث وحدتها!..انتفضت عندما خالجتها فكرة أن تكون هذه محطتهما الأخيرة.. أن يكون قد نسيها.. أو احتفظ بذكريات فقيرة قليلة عنها..ربما يكون قد نسي كيف تبدو تماما.. حتى هي بدأت تشعر بضباب خفيف يحيط ملامحه الشبابية.. رفعتْ يدها وتحسست وجنتها, أرادت أن تطمئن فقط.. أن وطن لمستهُ ما زال قائمًا مستعرا.توّهمت بأن يدها راحة كفه الكبيرة.. وهو ينعش طيرَ وجنتها وذقنها بأنامله الدافئة الحنونة.وبتلقائية سباتٍ مستيقظ..ابتسمت لذكراه.. وأي ابتسامة كانت.. حيث ظهرت من وراء عبرة شوق ٍ حارقة!..تفقدت خيطا فضيا رقيقا قد عانق جيدها من أطراف يديه هو.. قاومت نظراتها العبرات واقتربت الى نفسها بمنظاره.. " أتراني.. ما زلت في ذكراك؟.. كما أنا؟.. أما زال صوتي قاطنا لمسامعك؟.. أم شوّهتْ غربتكَ خيالي؟.. أتعاودك كلماتي كما يعاودني صوتك كل ليلة؟!.. أتهرب من وحدتك الى رسائلي.."تناولت صندوقا من دُرج ٍ قريب.. احتفظ بقلبه رسائلا وورودا..تراكمت رسائل لا بأسَ بها من حيث العدد.. بدأت رطوبة رسائله تجف في أوانها الأخير.. كانت الأخيرة منها آخذة في الانخفاض عددا وحرارة.. حيث كان في أول أيام سفره.. يكثر منها وقد تغلّفت بحنينه وحبه الشديدين لها.. ثم آلت الى الاكتفاء بوصف المكان وتفاصيل عن حالاته وضغوطاته النفسية والاجتماعية...لتنقلب الى رسائل رسمية تخلو من العاطفة القديمة أو كلمة تنبهها الى مكانتها عنده.مع مرور الأعوام  كانت أخباره في انقطاع تدريجيا.. لكنه يعود لإحياء ذاكرتها برسالة بعد شهور خلت.. يأسف فيها عن مقاطعة الرسائل.لم يعد يشكو اليها ضيق صدره من الشوق الجارف.. أتراه اعتاد المكان وزاح بصره عنها وعن بلاده.. لا يمكن. لطالما برهن حبه لبلاده وإخلاصه الشديد لها.. كانت تداوي أفكارها بقطرة أمل وحيدة.. من عينيه تأمل أن تلمحها.. أن تشعر بها.. كانت تبني شفائها على عودته وردة فعله.. أما عن نفسها.. فقد أصرّت داخليا على حبس عواطفها.. وستحاول ألا تبكي أو تنهار.عجلة الأيام تدنو.. وصريرها يقترب ببطء ثقيل.. وصراخ المخاوف يضجّ    مبشرا كان أم منذرا.. لم تدرك.كتب في رسالته الأخيرة أن عودته أوشكت على أسبوع وحيد فقط.. وها بالأسبوع يمضي ليترك ثلاث ساعات تزحف وراء الدهر, ترتشف من دمائها على مهل.. ثلاث ساعات سيبتلعها الوقت ويعود هو.. ستراه أخيرا.. يظهر من بين جموع غفيرة ملونة.. بطوله الفارع وشعره الأسود وضحكته الوسيمة ترنو اليها من بعيد.. سيتقدم مترددا مرتبكا.. ويتلعثمان معا أو يصمتان.. ستعانقه بشدة وتغسل تلك السنون السوداء بلحظة.. لن تعاتبه.. ستسامحه وتتفهم انشغالاته.. فقط عد ولننته.. تصرخ نفسها..كانت في طريقها الى المطار وفي سماء ما فوق بلاد بعيدة يحلق هو عائدا الى البلاد.. الى نقطة واحدة يهرعان..وصلت قبل عودة الطائرة بساعة تقريبا.. جلست ترقب الرواق وتهدئ روعها المتوتر..كانت عيناها تتسمر على الساعة طويلا.. كانت أطول ساعة وما أقساه من انتظار.. أخذت تتسلى بذلك العقد الفضي الرقيق الذي عــلّــقه في جيدها مذ غادر.. فتعقد إبهامها بنوره وتهتز بنفاذ صبرها.. اكتظ المطار بوجوه جديدة منوعة الألوان.. انتفضت بسرعة وأخذت تقلّب في وجوههم علّها تلتقط وجهه.. اشرأبت عنقها في كل زوايا النفوس.. بعد عناء لمحت رجلا طويلا يلتفت هو الآخر من بعيد فقفز قلبها إليه يسبقها تحية ً.. كفكفت بسرعة دموعها وتناولت نفسًا طويلا فتقدمت إليه بخطى ثابتة جعلته يلحظها..ابتسم من بعيد مستسلما من عبء حقائبه وهمومه مُفسحا لعناقها.. تعانقا بشدة وترطبت ذقنه بهديرها.. لم تستطع اقتلاع روحها من قلبه.. لكنها قاومت عطشها ونظرت الى عينيه فبادلها ابتسامة :- كيف حالك؟- سعيدة برؤيتك! فاتسعت ابتسامته أكثر: وأنا أيضا.دعاها الى ارتشاف القهوة في مكان قريب.. ظلا صامتين في السيارة تنبعث من صمتهما لغة سريّة تداولت بالنظرات والابتسامات.حين وصلت القهوة الى مائدتهما تنهدا استرسالا لحديث يعوّض سنينًا مضت..تطرّق في حديثه عن تعليمه وعمله هناك..عن معاناته في بداية الأمر من مسألة الغربة والوحدة ولكن شخصيته سعت في  تدبير الحال.. صمت قليلا رفع الفنجان ورشف قليلا من القهوة.. استغلت هي الفرصة لتسترق النظر إليه.. لاحظت أنه تقدم قليلا في السن.. لكن جاذبيته تقدمت أيضا.. التقت نظراتهما بعفوية غريبة ارتبكت ورفعت فنجانها لتداري ارتباكها, تبسم ونظر اليها نظرة جديدة..كانت تنتظر منه كلمة تُعرَّبُ في فئة الخصوصيات.. انه يحدثها كلاما يستطيع ان يلقيه على أي انسان أو صديق .. لكن ليس عليها.. كانت لهما لغة خاصة فريدة.. كلمات تخصهما وحدهما!.. ما به يحدثّها عن سطحيات الأمور.. كانت متحفظة في جلستها.. لم تهضم فكرة أنه القديم الأكثر من مجرد صديق..  لكنه بجهله لحاجتها يمحو الصديق فيبقى مجردا!..لاحظت أن تغيرًا طرأ على حاله.. طريقة حديثه وتحركاته الغريبة.. نظرته اليها.. لم يكن يطل النظر في عينيها كعهده. ثم أين عاطفته المعهودة.. وقد بردت أوصاله وجفّت ينابيعه..اشتاقت لصورتها تتلألأ في مقلتيه.. فليمكث دقيقة في النظر الى عينيها..صمتها جعله يستيقظ: -" ما بك؟.. أراك  شاردة؟.. أهناك من مكروه؟"ها هو يحذو حذو نفسه القديمة..فاصطنعت ابتسامة: - لم يعد غريبا عني الشرود.. تعودته في غيابك.أزاح الغرة عن عينيها المرهقتين وتحسس جفنها.- يبدو عليك التعب.. فاستفزّت لمسته عبرة حارقة بللت بنانه.. فسارع بمسحها مندهشا:" ما بك؟!"...- لا أدري..كانت بحاجة لعاطفته المنشودة.. الى إجهاش الأنهار من الدموع التي لا تنضبّ.. كانت ترغب بعناقه.. أن تختبئ بصدره الرحب.. إنها بحاجة إليه..أن تعاتبه وتعاتبه.. مرت سنون تغيرت فيها كثيرا.. استلمت عملا جديدا.. كان الفجر يصحو وهي لا تزال شاردة.. واجهتها أيام لم تجد فيها أنيس..لا تكاد تصدق انه أمامها بسلام.. لماذا حين عاد فاجأتها الصدمة وشعرت ببعده.. عندما كان بعيدا كان وجوده في قلبها أقرب..تفحص جبينها بظهر راحته فأمسكت بيده وأزالتها باستسلام عن جبينها.." انك لا تفهم.. لست مريضة.."اطرق برأسه أرضا وقد تحولت نظراته، كان يستعد لحديث صريح بعد تنهيدة..- لقد.. اختلفت أحوالنا وظروفنا.. لقد تغيرنا يا صديقتي.. أرجو أن تفهميني.. نحتاج لقضاء المزيد من الوقت معا.. أنت تفهمين قصدي.. صحيح؟..- إني أفهمك.. لكن هبة الانتظار عندي انطفأت.. إني أنطفئ.. فسارع بمداراتي قبل أن يكون دوري.. في المغيب.. ولا أرى مجالا للتفكير أكثر مما وهبتك.. فلا تقلب الحال إلى يدي.. فأضيع منك للأبد!.. لا تنس القديم.. القديم كل ما نملكه..فظهرت عليه تساؤلات أدهشتها:- أي.. قديم تقصدين؟..- أي قديم؟!... أيامنا, ذكرياتنا.. أحلامنا التي بدأنا ببنائها حجرا حجرا.. أوليس سفرك إحدى حجارتنا؟.. أوليس عملي كصحفية إحدى حجارتنا؟.. أنسيت أم أنك تتناسى؟..فقال مرتبكا: - لكن هذا.. من الماضي وقد ولّى..-  أي ماضي؟؟... كل ما أمضيناه من أجل هذا الحاضر..  - إني أقصد أن الزمان تغيّر.. لا يمكن أن تخططي لمستقبل دون تتوقعي بعض العثرات التي قد تغير خطتك!.. تكلمي بالمنطق أرجوك..- حدثني إذا ما الذي تغير؟... كي أدرك ما علي فعله!.. وكي أدرك المنطق!- ...- أخبرني... ما الذي تغير؟.. وأي عثرات تعيقني ولا أشعر بها؟..- دعينا نرجئ هذا الموضوع الى الغد.. اشعر بالتعب.انقبض قلبها خوفا.. الى أي شيء يخطط؟.. أيكون تمهيدا للفراق؟..  قال جملته الأخيرة ونهض.. صعدا الى السيارة بهدوء والأجواء بينهما مكهربة.. لم يقطع بضع كيلومترات حتى طلبت منه التوقف لتنزل بحُجة عمل يصادف هذا الشارع. تردد في بادئ الأمر لكنه أذعن لإصرارها. بقيت على الرصيف وسيارته تبتعد عنها.. أخذت تتوغل في البلد الغريبة على غير هدى وقد جفت على وجنتيها قطرات غنية من عينيها..مرّ ذلك الغد الذي وعدها به.. لكنه لم يتصل.. وصل اليها ما يوحي به.. فهمت ما يحاول أن يرمي إليه..مرّ أسبوع آخر  لم تسمع لهاتفها نداء.. ولم تر لعتبتها أي رسائل تغطي فراغها.. قرر إذا أن ينسحب.. أن يهرب.. أن يقتل.. حاولت أن تتناسى هي أنه عاد من سفره أصلا.. لكنها بعثت الى هذا الغريب الذي عاد.. رسالة عبر صحيفتها..رسالة لم تكترث ولم تقصده شخصيًا كي يقرأها.. أرادت فقط أن تجد مقرّا لنزيفها... كان هو.. وكم حاول الهروب من مواجهتها.. قد التقى بها على غير موعد.. على صفحة زينت صورتها وكُتب أسفلها الكلمات التالية:" كم أحبك.. كم أهواك.. وأنت هناك.. في منفاك النائي عن أرضي وبلادي.. كم وسيم أنت.. كم لطيف محياك.. حينما تكون في غربة عن وطني المقدس ِ..حين أراقبك تنظر النوى.. وأرى تيه نظراتك الحائرة.. حينما تكون أعمى.. عني!..كم أطرب بصمتك.. أو بشفاهك المتحركة.. من بعيد تنطق وتضحك.. لا يصلني حتى الصدى..ابق بعيدا.. صامتا.. فهو سرّك.. أنت لا تتقن مهارة الحياة.. لا تنطق باسمي.. فأنت تخرب رنينه.. ابق نائيا.. باسما.. بعيدا وما أحلاك.. وأنت بعيد!..لا تقربني.. فإني ألحظُ  تهشماتَ روحك.. دعني في حلمي اللذيذ.. ابق فارسي النبيل.. أطرَبُ وأبسم وأحلم – لكلك-لم أعد أحتمل المزيد.. كسرتَ بلور أوهامي.. عد كما كنت لا تعرفني.. عد الى تجاهلي.. لا تلق السلام فأنت غريب.. بذاك السلام تطعنني بحسام كئيب..عد طيفا يمر بجانبي لا يلحظني ولا أدركه.. ابتعد فلا أطيق منك القرب.. حبي هو البعد..حرر أنفاسي وحرر قلبي من خفقانه.. لا تقترب.. مخافة أن تسمع هدير دمائي.. وصفعات قلبي.. أخاف أن تسمع تصفيق رئتي بعظامي.. ورجفات أعصابي.. عد من حيث أتيت.. وابعث لي  بنفسك القديمة.. وان لم تعثر عليها.. ابق هناك.. بعيدا...".أطبق مصراعي الصحيفة بعد أن قرأ كلمتها.. وأطبقت هي عينيها.. كانت على سريرها.. في فجرٍ صرخت من رحمِهِِ نسماتٌ هائجة..ذات صباح ألح هاتفها عليها.. لم تعره اهتماما.. لم تعد تأبه ما تحمله هذه السماعة من أصوات..لكن الهاتف ما زال ملحا.. ظهر اسمه على شاشة هاتفها.. ظنت أن به مكروها..استقبلت اتصاله.. فسمعت هدوءا.. ثم تمتمات لم تفهمها.. أغلق الاتصال.. وسمعت طرقا على الباب.. سارعت إليه.. فكان هو.. يقف أمامها في حال يرثى عليها.. بانت من عينيه آثار سهرٍ.. تظهر عليه علامات تعب وإرهاق..احتارت في عمله.. تقدم منها ببطء متردد.. لمح عقدها فابتسم بحزن:- ما زلت على العهد..ارتبكت لقد نسيته في عنقها..  ثم ماله يظنها لعبة متى يشاء يأتي ويشاء أن ينسى.. اقترب منها بحذر أكثر.. ففاجأته بسؤالها:- من أنت؟..تراجع من المفاجأة.. جاهد في النظر الى عينيها.. فهمها هذه المرة.. - أنا القديم.. صمتت.. فأردف: اشعر انك لا تفكرين بالرجوع..لم تنطق من سخرية الموقف..تذكرت قول القباني:و" كيـفَ أرُدُّهُ.. وصِبَايَ مرسـومٌ على شَـفَتَيْهِ ؟".

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد