عكرمة ثابت يكتب: أبا علي المطور.. خضرة أمك لم تمت
في بدايات العام الثالث من إنتفاضة الحجارة والاستقلال - وبعد مطاردة استمرت لعام ونصف تقريبا - أعتقلتني بعد الافراج عني من سجن جنيد المركزي نهاية عام 1988 وحدة من المستعربين الاسرائيليين وزج بي كبقية من سبقوني على درب النضال والمقاومة في سجون الاحتلال الاسرائيلي لأقضي حكما بالسجن لمدة 9 شهور في سجن مجدو – قلعة الشهيد سعد صايل " ابو الوليد " – التقيت خلالها بمناضل فتحوي سعيري المولد يناديه زملاؤه الاسرى بأبي علي ، إسمه الحقيقي "خالد المطور" وإسم امه " خضره " ، وهو وأمه وأفراد أسرته يسكنون في بيت عتيق في رام الله التحتا . عندما التقيت به داخل السجون ، كان " ابو علي " انسانا ريفيا خجولا له طقوسه البدائية وثقافته الحرة الأبية ، مناضل صلب وفتحاوي عنيد صامت ، يعشق فكر الوزير – أول الرصاص وأول الحجارة – ومؤمن حتى النخاع بأبجديات الثورة وبمباديء فتح العاصفه ، ورغم ظروف الاسر التي عشناها في ذلك الوقت إستطاع " ابو علي " أن يأسرنا بتواضعه وبساطته الممزوجة بالعناد الثوري الطاهر . قناعة ثورية على ورق شفاف كان " خالد المطور" ملاصقا للبرش ( سرير النوم داخل السجون ) الذي خصص له في قسم 5 في سجن مجدو المجد " قلعة الشهيد سعد صايل " ، يمسك ما تيسر له من الورق والحبر ليخّط على الورق الشفاف " أو المكّبسل" ما يكمن بداخل عقيدته وقناعته الثورية من خطط نضالية لإثارة جماهيره المنتفضة التي احبته في رام الله وحاراتها القديمة وكنائسها التي تدق أجراسها له ولأمثاله من الابطال والمناضلين أهازيج الصمود والكفاح ، وكانت " خضرة " هي كلمة السر في تلك المراسلات السرية التي كان " ابو علي الموجه العام " يهربها عبر الزيارات لتصل بأمان ألى نقاطه الميتة الحية ، وبمجرد وصولها تشتعل رام الله وتلتهب ضواحيها ثائرة في وجة المحتل . اليوم ، ومع نيسان الشهداء والأسرى - نيسان الوزيروالاسير – ترحل عنا "خضرة " التي إمتدت جذورها من سعير العطاء والعناء لتعانق جنين العناد والبقاء ... ترحل عنا " خضرة المطور " لتغرس فينا أصول الثبات والصمود في " القيسية "و" الفروخ " و" الشلالدة " و" الطروة " و" الجرادات " وغيرها من عائلات الخليل وجبلها الذي قهر المحتلين ... ترحل عنا " خضره " لتترك لنا إخضرار غصن الزيتون الذي روته بعرق جبينها وبدماء كفاحها ضد المستعربين والمستوطنين ... ترحل عنا " خضرة " لتغرس فينا روحها المفعمة بحب المناضلين المخلصين لتراب فلسطين .
في بدايات العام الثالث من إنتفاضة الحجارة والاستقلال - وبعد مطاردة استمرت لعام ونصف تقريبا - أعتقلتني بعد الافراج عني من سجن جنيد المركزي نهاية عام 1988 وحدة من المستعربين الاسرائيليين وزج بي كبقية من سبقوني على درب النضال والمقاومة في سجون الاحتلال الاسرائيلي لأقضي حكما بالسجن لمدة 9 شهور في سجن مجدو – قلعة الشهيد سعد صايل " ابو الوليد " – التقيت خلالها بمناضل فتحوي سعيري المولد يناديه زملاؤه الاسرى بأبي علي ، إسمه الحقيقي "خالد المطور" وإسم امه " خضره " ، وهو وأمه وأفراد أسرته يسكنون في بيت عتيق في رام الله التحتا . عندما التقيت به داخل السجون ، كان " ابو علي " انسانا ريفيا خجولا له طقوسه البدائية وثقافته الحرة الأبية ، مناضل صلب وفتحاوي عنيد صامت ، يعشق فكر الوزير – أول الرصاص وأول الحجارة – ومؤمن حتى النخاع بأبجديات الثورة وبمباديء فتح العاصفه ، ورغم ظروف الاسر التي عشناها في ذلك الوقت إستطاع " ابو علي " أن يأسرنا بتواضعه وبساطته الممزوجة بالعناد الثوري الطاهر . قناعة ثورية على ورق شفاف كان " خالد المطور" ملاصقا للبرش ( سرير النوم داخل السجون ) الذي خصص له في قسم 5 في سجن مجدو المجد " قلعة الشهيد سعد صايل " ، يمسك ما تيسر له من الورق والحبر ليخّط على الورق الشفاف " أو المكّبسل" ما يكمن بداخل عقيدته وقناعته الثورية من خطط نضالية لإثارة جماهيره المنتفضة التي احبته في رام الله وحاراتها القديمة وكنائسها التي تدق أجراسها له ولأمثاله من الابطال والمناضلين أهازيج الصمود والكفاح ، وكانت " خضرة " هي كلمة السر في تلك المراسلات السرية التي كان " ابو علي الموجه العام " يهربها عبر الزيارات لتصل بأمان ألى نقاطه الميتة الحية ، وبمجرد وصولها تشتعل رام الله وتلتهب ضواحيها ثائرة في وجة المحتل . اليوم ، ومع نيسان الشهداء والأسرى - نيسان الوزيروالاسير – ترحل عنا "خضرة " التي إمتدت جذورها من سعير العطاء والعناء لتعانق جنين العناد والبقاء ... ترحل عنا " خضرة المطور " لتغرس فينا أصول الثبات والصمود في " القيسية "و" الفروخ " و" الشلالدة " و" الطروة " و" الجرادات " وغيرها من عائلات الخليل وجبلها الذي قهر المحتلين ... ترحل عنا " خضره " لتترك لنا إخضرار غصن الزيتون الذي روته بعرق جبينها وبدماء كفاحها ضد المستعربين والمستوطنين ... ترحل عنا " خضرة " لتغرس فينا روحها المفعمة بحب المناضلين المخلصين لتراب فلسطين .
خضرة تصحو من الموت لتقرع جرس الكنيسة
أذكر أمي " خضرة " جيدا اليوم ، ففي مطلع العام 1991 وبعد الافراج عنا من سجون الاحتلال الاسرائيلي ، إستضافتنا " انا وأخوة لي " على غداء أعدته لنا في بيتها الذي لا زال شامخا في حضارة رام الله القديمة ، بيت لا زلت اذكر كل ركن فيه ، جدرانه واقفة لتقاوم سياسة الهدم ونوافذه مشرعة لتطل بإتساع على فضاء الحرية ... حجاره مخضّرة بإخضرار الأرض مكحّلة بكحل "خضرة " وامومتها ... بيت إن دخلته لن تخرج منه الا وأنت مسموما بحب الانتماء اليه .
هذه هي " خضرة المطور " أم خالد ومحمد وجميل ... هذه هي " خضره " أم الارض المخضرة إبتهاجا لعودة عشاقها من الاسرى والمنفيّين والمبعّدين ... " خضرة " التي تصحو من موتها لتقرع جرس الكنيسة الملاصقة لناديها الإسلامي في ذكرى خليل الوزير – ابو جهاد - لتخّط من تجاعيد وجهها وحدة الأخّوة بين المسيحيين والمسلمين ، كي تعّلن للعالم أن فلسطين هي ارض الديانات ومهد الحضارات وهي منبع العدالة والسلام والوئام .
نعد الخطى ونشحذ الهمم بعد رحيل خضرة
ترحل عنا اليوم " خضره المطور " ونحن نعد الخطى ونشحذ الهمم للإحتفال في ذكريات خضراء في مسيرتنا الوطنية والنضالية ، ذكريات تتوحد فيها ارواح الشهداء مع زملائهم مع وقف التنفيذ وتلتحم فيها الجراح بين اطفال فلسطين اللذين تفتحت عيونهم على فراق امهاتهم خلف الجدران وبين امهات لم يذرفن الدمع على فراق فلذات اكبادهن من المبعدين والشهداء والاسرى ... ترحل "أم خالد المطور" وام كل الاسرى والجرحى والشهداء في وقت لا زالت فيه جماهير شعبنا تحيي ما كتب لها من ذكريات الشهادة والخلود ويوميات الاسر وكسر القيود ... ذكريات نيسان – الشهر الحافل بالمآسي الزاخر بتواريخ العذاب والكفاح والوفاء للوعود والعهود .
رحم الله "خضره الخليل" وأسكنها إخضرار جنته وواسع رحمته ، فهي بحق كانت ولا زالت المنبع الحر والعطاء الوافر للرجال الاوفياء والمناضلين المخلصين ... إنا لله وإنا إليه راجعون ... اللهم إغفر لها وأعفو عنها وأسكنها فسيح جناتك .