صمت العذاب بحروفها على منبر العرب:حروف مبعثرة
ما أروع مجالسة المطر ... في ليلةٍ اكتمل فيها القمر ... وبعد أن نام الجميع ... بدأ الليل يعزف ألحانه ...
ما أروع مجالسة المطر ... في ليلةٍ اكتمل فيها القمر ... وبعد أن نام الجميع ... بدأ الليل يعزف ألحانه ...
كلاهما من أعزّ أصدقائي ...
فساعةً يحييني القمر بضوئه الفضيّ ...
الذي لمعت تحته أوراق الأشجار وكأنها قطع من الألماس البرّاق ...
وانعكس ضوءه على سطوح البِرق المبعثرة هنا وهناك ...
لأحسّ وكأنني داخل إحدى الأساطير الخرافية ...
أميرة تنتظر فارس أحلامها في ليلة زرقاء ساحرة ...
وحيدة ... ولكن سعيدة ... يؤنسها وجه القمر وابتسامته البيضاء ...
وساعةً أخرى تتراقص حولي قطرات المطر ...
بعد أن يختبئ القمر خلف الغيوم ...
وتُسدل العتمة ستائرها على المكان ...
فأبتسم ... مرحّبةً بصديقي القديم ... الظلام ...
هو صديق لطالما جالستُه ... وأهديته همومي وأحزاني ...
وتحت ضوء الظلام أرى الأشياء أوضح ...
أرى سور منزلنا متشبّعاً من مياه المطر ...
وكأنّها تغلغلت داخل مساماته وتوحّدت معه ...
حتى أوهنته ...
فأراه كشيخٍ كبير أخذت الأيام منه ما أخذت ...
يستند على عصاه بيده المرتعشة ... ويكاد يقع في أي لحظة ...
أتركه لحياته ويأسه ... فهو أضعف من أن يحتمل هموم روحي ...
وأرفع رأسي للسماء ... بعدما بللّتني قطرات المطر ...
أرى الغيوم تجري مسرعة ...
وكأنّها قد تأخرّت على موعدها مع أراضٍ أخرى متعطّشة للمطر ...
وضوء القمر يطلّ بخجلٍ شديد من خلفها للحظات ...
ثمّ يعود ليختبئ في أحضانها ...
يبدو أنه قد استمتع بالحكايات التي قصصتُها عليه ...
ويريد أن يطلب المزيد ...
يا لك من صديقٍ مشاكس أيها القمر ...
اطمئنّ ...
فنبعُ حكاياتي لا ينتهي ...
ولكن دعني الآن أحادث الغيوم ...
علّي أجد عندها إجاباتٍ لأسئلة روحي ...
أيتها الغيوم العزيزة ... أيتها المسافرة مع الأيام ...
لا بدّ أنكِ عرفتِ كثيراً عنا ... نحن البشر ... في رحلاتك الدائمة ...
أخبريني يا صديقتي ...
ما سرّ عشقي للحزن .!؟
انظري إلى دموعي جيداً ... أحسّ بالدفء وهي تتساقط من أحداقي ...
يسحرني ملمس قطرات المطر على وجهي ... على كفّيَّ ... على شعري ...
وابتسم للريح الباردة التي تصافحني هذا المساء ...
ها أنا الآن ... أشعر بالبرد والدفء في آنٍ معاً ...
أشعر بحزنٍ عميق داخل روحي ... وبهدوء أعمق ...
أشعر براحة البال ... وبالضياع ... في نفس الوقت ...
أخبريني يا صديقتي الحكيمة ... أين أجد روحي الضائعة .!؟
تعبتُ من الإبحار داخل نفسي ... بحثاً عن أسباب هذا الضياع الذي يتملّكُني دون جدوى ...
رفقاً بحالي يا صديقتي ... أجيبي أسئلتي ...
أو دلّيني على من يملك الدواء لهذه الروح المسكينة التي تسكنني ...
اذهبي الآن يا عزيزتي ... تابعي ترحالكِ ... حاملةً معكِ أسئلتي ...
وأسأل الله أن تعودي يوماً حاملةً إجاباتها ...
خذي معكِ ضياع روحي ...
ولكن اتركي لي حزني الجميل ...هو حبّي ... هو عشقي ... للبحر ... لليل ... للمطر ...
هو صديق أوقات وحدتي العذبة ...
اعذريني أيتها الغيوم إن أطلتُ حديثي ... وأضعتُكِ داخل متاهات روحي ...
سأترُككِ تذهبين الآن لأجالس قطرات المطر قليلاً ... هي كالأطفال الذين يتراقصون حولي من كلّ جانب ...
وها هم قد بدأوا يشعرون بالملل ...
وأصبحوا يقفزون فوق ظهري ...
وهم ينتظرون لحديثي معكِ أن ينتهي يا صديقتي ...
يا لكِ من قطراتٍ متمرّدة ...
جعلتِ قلبي يبتسم ببراءتكِ الطاهرة ...
ذاك القلب الذي نسي كيف يكون طعم الابتسامة منذ زمنٍ بعيد ...
فتحتِ لي باب الذكريات يا عزيزتي ...
أرجوكِ أغلقيه ...
لا أريد أن أزور الماضي ... ليس اليوم ... ليس الآن ...
فَروحي الآن تحلّقُ عالياً ... معكِ ... مع الغيوم ... ومع القمر ...
لا أريد لها أن تغرق في بحور الذكريات ...
اتركيها سعيدة الآن ... فنادراً ما أراها هكذا ...
يا إلهي ...
لقد فات الأوان ...
وتمزّق جناحا روحي ...
وبدأَتْ تهوي إلى الماضي ...
حسناً ... يجب أن أترككم الآن يا أصدقائي ...
تصبحون على خير يا غيوم ... يا قمر ... ويا مطر ...
أشكركم على أجمل أمسية قضيتُها منذ زمن ...
تابعوا الرقص والغناء يا أحبائي ...
أعتذر لمغادرتي باكراً ...
ولكن الماضي ينتظرني خلف الباب ...
ساترك سعادتي عندكم ... فهي تهرب دائماً كلّما رأته ...
انتبهوا لها جيداً ... سأحاول أن أزورها كلّما سنحت لي الفرصة ...
سأوصل تحيّاتكم للماضي ... وخصوصاً أنت أيها المطر ...
سأبلّغه سلامك الخاص يا صديقي ...
إلى اللقاء ... يا سعادتي ...
ومرحباً بك ... أيّها الماضي ... كم أتمنّى لو أقتلك يا عزيزي