سِيمْفُونِيَا الفَجْرِ
سِيمْفُونِيَا الفَجْرِ
سِيمْفُونِيَا الفَجْرِ
يَهُبُّ نَسِيمٌ فِي ضُلُوعِي بِسِرَّارٍ،
كَأَنْفَاسِ لَحْنِ الرُّوحِ تُوقِدُ إِعْصَارِي.
تُهَامِسُ أَوْتَارُ الفِكَرْ فِي دَمِي،
وَتَرْسُمُ لَحْنًا مُسْتَبِدًّا بِأَوْتَارِي.
وَتَغْزِلُ مِنْ صَوْتِ الظَّلَامِ مَسَافِرًا،
يُنَبِّهُ فِي صَدْرِي طُقُوسَ الأَسْرَارِ.
وَأَمْضِي، وَصَخْبُ الخُطُوِّ يَصْعَدُ نَبْضَهُ،
كَأَنَّ عَلَى كَتِفِي جِبَالًا مِنَ النَّارِ.
وَأَصْعَدُ فَوْقَ الصَّمْتِ أَحْمِلُ فِكْرَتِي،
وَأُوقِدُ أَحْلَامِي عَلَى ذُرْوَةِ الدَّارِ.
وَمَا بَيْنَ نَبْرَتِهِ العُلْيَا مَجَاهِلُ،
تُصَفِّقُ فِيهَا الرِّيحُ صَفْقَةَ ثُوَّارِ.
تُحَرِّضُنِي، تَجُرُّ نُورًا يَرْتَقِي،
كَأَنِّي أُعِيدُ الكَوْنَ مِنْ دُونِ أَوْتَارِ.
فَأَرْفَعُ فِي وَجْهِ الجَهُولِ إِرَادَتِي،
وَأَمْشِي كَمَا يَمْشِي الفَجْرُ نَحْوَ إِزْهَارِ.
وَأَضْرِبُ صَخْرَ الحُزْنِ حَتَّى يُفَكِّرَ،
وَتَنْبُتَ مِنْهُ الحُرْقَةُ العُلْيَا لِأَحْرَارِ.
تُنَادِينِي الأَنْغَامُ فِي عُمْقِ رُوحِهَا،
وَتَرْفَعُنِي نَحْوَ السَّحَابِ بِإِصْرَارِ.
فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّيْلَ يَحْمِلُ خَلْفَهُ،
جُنُودًا مِنَ الضَّوْءِ العَتِيِّ لِمِشْوَارِ.
وَهَا أَنَا أَرْمِي خُطُوطِي فِي المَدَى،
وَأَسْكُبُ مِنْ صَمْتِي نُجُومًا عَلَى البَارِي.
فَتَرْتَجِفُ القِمَمُ النَّائِمَاتُ تِبَاعًا،
كَأَنَّ بُرُوزَ الصَّوْتِ فِكْرَةُ خَلْقِ نَارٍ.
وَإِنِّي إِذَا عَزَفَتْ ظِلَالِي نَشِيدِي،
تُنَفِّسُ أَحْلَامِي عَلَى سَفَرٍ دَوَّارِ.
فَتَخْتَلِفُ الأَرْوَاحُ فِيَّ وَتَلْتَقِي،
كَمِثْلِ جِوَارٍ فِي سَفِينَةِ قَدَرٍ جَبَّارِ.
وَتَبْقَى المُعَزُوفَاتُ تَجْرِي دِمَاءَهَا،
تُضَخُّ حَيَاتِي فِي مَسَارٍ وَمِسْفَارِ.
تُرَتِّبُ فِكْرِي كَيْ أُضِيفَ إِلَى الأَبَدِ،
صَدًى يَتَحَدَّى ظِلَّ غَابِرٍ قَهَّارِ.
فَيَا وَطَنَ الأَوْتَارِ، يَا مِرْآةَ نَبْضِي،
سَأَبْقَى أُرَتِّلُكَ انْتِصَارًا لِمِشْوَارِ.
وَأَمْضِي عَلَى طُولِ الطَّوِيلِ مُقَاوِمًا،
كَمَا قَالَ لَحْنُ الخَالِدِينَ بِإِيثَارِ.
وَيَخْتِمُ لَحْنُ الرُّوحِ آخِرَ نَبْضِهِ،
لِيَرْفَعَنِي فَوْقَ الزَّمَانِ بِإِصْرَارِ.
وَيَصْعَدُ فِي صَدْرِي جُمُودٌ تَفَتَّحَتْ
حُدُودُهُ نُورًا يَدُقُّ أَبْوَابَ أَقْدَارِي.
فَأَعْزِفُ مَا تَبْقَى مِنَ العُمْرِ نُشْوَةً،
وَأَرْسُمُ فَوْقَ اللَّيْلِ خُطْوَةَ إِبْهَارِي.
وَإِنْ هَدَأَتْ الأَوْتَارُ يَوْمًا، فَإِنَّهَا
سَتَبْقَى تُنَادِينِي وَتَرْفَعُ أَوْتَارِي.
فَلَا صَوْتَ يَسْبِقُنِي إِذَا قُمْتُ نَاهِضًا،
وَلَا نُورَ يَعْدُو خَطْوَتِي فَوْقَ مِسْفَارِي.
وَأَخْتِمُ نَفْسِي بِالسَّمَاوَاتِ لَحْنَهَا،
وَأَمْضِي كَمَا يَمْضِي الضِّيَاءُ بِإِيثَارِ.