سليمان جبران يكتب: عصر المعجزات؟!
في كلّ مرّة أشاهد فيها المظاهرات الحاشدة، وأسمع هتافاتها المدوّية، ضدّ النظام القمعي في سورية، أتذكّر صديقي السوري. الصديق المذكور مثقّف سوري "مهجّر"، مثل عشرات الألوف من المثقفين الذين لم يقدروا على العيش في جحيم النظام السوري، فغادروا الوطن إلى بلاد الله الواسعة. إلى أميركا، إلى أوروبا، أو إلى البلاد العربية. التقيت بهذا الصديق قبل أشهر ، في إحدى العواصم العربية، في بداية تسونامي الثورة العربية. لم يكن ذاك لقاءنا الأول؛ التقينا قبله ثلاث أربع مرات، وفي كل مرة كنّا نتبادل الحديث بيننا متقطّعا، بالتلميح أحيانا، لكنّه كان كافيا ليعرف أحدنا الآخر معرفة "من الداخل". في اللقاء الأخير، كانت بيننا محادثة طويلة، صريحة، نفث فيها الصديق كلّ ما يختزن في داخله، ولا يبوح به إلا في الخلوات، في "أربع عيون".
في كلّ مرّة أشاهد فيها المظاهرات الحاشدة، وأسمع هتافاتها المدوّية، ضدّ النظام القمعي في سورية، أتذكّر صديقي السوري. الصديق المذكور مثقّف سوري "مهجّر"، مثل عشرات الألوف من المثقفين الذين لم يقدروا على العيش في جحيم النظام السوري، فغادروا الوطن إلى بلاد الله الواسعة. إلى أميركا، إلى أوروبا، أو إلى البلاد العربية. التقيت بهذا الصديق قبل أشهر ، في إحدى العواصم العربية، في بداية تسونامي الثورة العربية. لم يكن ذاك لقاءنا الأول؛ التقينا قبله ثلاث أربع مرات، وفي كل مرة كنّا نتبادل الحديث بيننا متقطّعا، بالتلميح أحيانا، لكنّه كان كافيا ليعرف أحدنا الآخر معرفة "من الداخل". في اللقاء الأخير، كانت بيننا محادثة طويلة، صريحة، نفث فيها الصديق كلّ ما يختزن في داخله، ولا يبوح به إلا في الخلوات، في "أربع عيون".
الأنظمة الجملكيّة
وجدني متفائلا بالهبّات الشعبية السلمية في وجه الأنظمة الجملكيّة، وإذ تمنيت له أن يأتي الآن دور سورية، تنفّس نفسا عميقا، وأردف: لا تستعجل. ما يحدث الآن في درعا لا يعني بالضرورة مواصلته واتساعه إلى المدن الأخرى. سورية وضع خاصّ، ولا يعرفه بحقّ إلا السوريون. وهنا، أخذ الصديق يروي ويفصّل، وأنا أصغي..
وجبة "عقائدية"
في سورية عمل الأستاذ سنوات في التعليم، قبل سفره إلى الدراسة في أوروبا. في أحد الأيام، قال لي، كنا في المدرسة في طابور الصباح. الوجبة الصباحية في المدرسة لا بدّ أن تكون وجبة "عقائدية" طبعا: أناشيد تُختم بشعار البعث: "أمّة عربية واحدة ذات رسالة خالدة". كنتُ قريبا من أحد التلاميذ، تابع الصديق، فسمعته يقول الشعار بألفاظ مغايرة. انفردتُ به وسألته: ماذا قلت يا شاطر، فكان جوابه: أمّة عربية بائدة ذات رسالة فاسدة! من علّمك هذا، سألته. أجاب : علّمني
النكتة المتداولة بين السوريين
هذا أبي، سجنوه عشرين سنة، بدون محاكمة، ومنذ خروجه من السجن ونحن في بيتنا لا نردّد الشعار إلا على هذا النحو! هل تعرف النكتة المتداولة بين السوريين، سألني. إذا التقيت بسوري في وسط باريس وألقيت عيه السلام ردّ عليك التحيّة بأحسن منها. فإذا تابعت وسألته: كيف الأوضاع، أخذ يتلفّت يمنة ويسرة! يصعب لغير السوري تصوّر قسوة هذا النظام وإجرامه. ربّما بعض الأنظمة العسكريّة التي حكمت أميركا اللاتينية، وسقطت كلّها إلى غير رجعة.
دم وجريمة وفساد!
ألا تذكر المجزرة المروّعة في حماة في الثمانينات؟ ثلاثة أسابيع حاصر حافظ الأسد حماة، بالجنود والدبابات والطائرات، بقيادة أخيه رفعت الأسد، ولم يغادر فيها بيتا مصونا. بعض التقارير تذكر عشرة آلاف شهيد، وأخرى تذكر عشرين. ماذا فعل الأسد نفسه في تل الزعتر بإخوتكم الفلسطينيين، وفي طرابلس؟ هل تعرف لماذا أخاف الحديث ضدّ النظام علانية؟ لي في سورية أقارب، ولا أريد لهم عقابا بسببي! أنا أزعم أن نظام البعث السوري أوحش وأبشع من النازية حتى. النازية، يا أخي، ذبحت الشيوعيين واليهود، أما هذا النظام فيذبح أبناء شعبه دونما تمييز. إذا كان بشار ورث الحكم عن أبيه، فقد ورث عنه أيضا تاريخا أسود يرشل دما وجريمة وفسادا! قلت للصديق: لكنّ الظروف اليوم مختلفة؛ العالم انفتح، وسائل الاتصال لا تدع حدثا يمرّ في العتمة، حتى الاتحاد السوفييتي الجبار سقط. أرجو أن يكون تفاؤلك في محلّه، قال، لكن لا شيء مضمونا في سورية البعث. على كلّ حال، خروج مظاهرة صغيرة، في سورية، يُعتبر معجزة، وها هي درعا أخذت تتظاهر وقد كسرت حاجز الخوف. من يدري، لعلّنا في عصر المعجزات!
موقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرا في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر.
لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.co.il