ساهرة درباس من حيفا تروي قصة أبيها في النكبة
موقع العرب يفسح المجال امام المبدعين والموهوبين لطرح خواطرهم وقصائدهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع منبرا حرا في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية منبر العرب. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع على العنوان: alarab@alarab.co.il
موقع العرب يفسح المجال امام المبدعين والموهوبين لطرح خواطرهم وقصائدهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع منبرا حرا في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية منبر العرب. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع على العنوان: alarab@alarab.co.il
رحل والدي في حيفا بتاريخ 14-5-2004 عشية ذكرى 56 عاماً للنكبة، وشعرت بنكبتي بعد النكبة. انتابني الإحساس بالوحدة والغربة التي طالما أحس بها والدي كحاضر-غائب في بلده "طيرة حيفا". كان يغني العتابا. رسم القدر لوالدي ان يرحل وحيداً. فحتى في جنازته لم يستطع أحد من أهله الحصول على تصريح لحضورها. فما هو تعريف الوطن؟ هل هو أن تعيش غريباً ووحيداً في وطنك، يحسدونك على أنك تعيش في بلدتك تشرب كل يوم من كأس الوحدة وصراع البقاء؟
وكما ردد أبو سلوم، صديق أبي، في الجنازة: "إني أبكي عليه وعلى نفسي، فقد كتب لنا أن نعيش ونموت غريبين ووحيدين في بلدنا ووطننا بدون أهلنا وأقربائنا". وتمتم قائلاً: "الله يلعن الوطن، لما الواحد يكون غريب ووحيد في بلده".
والدي لعب دور الأب والصديق و"فلسطين الذاكرة" الحية والشاهدة، التي لم يتوقف عن سردها في كل مرة زارنا لاجئ طيراوي الأصل، من داخل أو خارج البلاد.
جولة سرد الذكريات تبدأ من الصبرة التي كانت بجانب بيت أهل الزائر، الى مقبرة البلد والمدرسة وجامع البلدة الذي تحول الى كنيس، ومن ثم للحجارة المبعثرة لتشهد على البيوت الفلسطينية المهدمة، وفي آخر المطاف الى النبعة وشجرة الجميز الشامخة والشاهدة على الأجيال العابرة. وتنتهي الجولة مع ضمة مرمية وزعتر وحفنة من التراب.
ولا أنسى ما سرد لي أبي (جمعة درباس) في احدى الأمسيات عن رحلة نكبته بعد سقوط حيفا بثلاثة أشهر سقطت "طيرة حيفا" في 10 رمضان 1948.
قبل سقوطها صار في اجتماع باب "كم مسيلية" مع "الهغناه" منهم مختار "أخوذا" والضابط غريسثن، الذي طلب من بعض شباب القرية مقابلة مع مختار الطيرة عبد الله السلمان، لكن المختار رفض: لا أريد أن أرى اليهود ولا أتكلم معهم، فذهبت جماعة اخرى للاجتماع منهم الحج يوسف الراشد وأبو الحج حمد من حمولة أبو غيدا (مدير شركة باصات الطيرة) وكرم الفهد والتقوا الطرفين.
كرم الفهد (أخوه كان المختار بزمن تركيا) طلب مهلة من مختار "أخوذا" سبكترمان، فأجاب: الآن الساعة التاسعة صباحاً نمهلكم حتى الساعة الرابعة بعد الظهر، إذا ما أجبتم فستتلقون ما يأتيكم منا.
تنهد والدي: جواب من البلدة لم يكن، ولكن وما أن بلغت الساعة الرابعة وخمس دقائق حتى بدأ القصف، كنت مع صديقي هاني، الذي بدأ يصيح: "راح الولد، راح الولد، انقتل الولد" فقد خبأ ابنه في الجهة الشرقية للبلد بين أشجار الزيتون فهلعنا للمكان وللأسف كان إحساسه صحيحاً.
بعدها انسحبت مع أخي وزوجته وابنه وحفيده من الجهة الجنوبية للبلد التي تركوها مفتوحة ليهجروا الناس منها. وفي الفجر وصلنا قرية عين حوض. ارتحنا ساعتين في الجامع ثم "استمرينا" في المشي الى قرية إجزم حيث استضافنا صديق أخي سليم عبد الرازق. وأذكر أن سليم تفوه بكلام مرير: لا يوجد عرب. توجهنا للقيادة في نابلس لطلب المساعدة، فردوا علينا: "إذا تريدوا أكل اعملوا خطين بالكلس على البيادر فنرمي لكم من الطيارة. أما جنود فلا نبعث لكم".
حينها كان معي بارودة كندية جديدة مع ناظور، وقد حاول سليم عن طريق أخي ان يبقيها عنده حتى نرجع على اساس ان هنالك إشاعة أن الجيش العراقي يصادر البارودة، إلا أني رفضت.
يتنهد أبي لبرهة: في ساعات الغروب طلعنا من إجزم حتى وادي عارة، ثم استقلينا المواصلات الى نابلس. بقيت في فندق بنابلس، وبعد أسبوع حضر زوج أختي درباس من اربد الى نابلس باحثاً عني ليأخذني الى أمي. حين وجدني درباس قال لي: "أمي تبكي، وتقول: إني لو بقيت على قيد الحياة لكنت وصلت إربد".
كانت أمي ساكنة في مخيم اربد مع أختي، واستأجرت لنا بيتنا بليرة فلسطيني. لكن بعد شهر انتقلنا الى الشام، وفي الشام كانوا يعطون مالاً حسب عدد أنفار الأسرة.. فأعطونا فرنك سوري.
انتصف الليل، وقبل أن أرقد في فراشي سألت والدي: أبي لم تشرح لي كيف كان شعورك حين ألتقيت بأمك؟
بدأت الدموع تنهمر من عينيه بغزارة.. ثم غطى وجهه بالشرشف!