زياد دياب يكتب على العرب: الموتى لا يموتون
كشاهدة لقبر عظيم قلبي الآبق، لم يزل يغزل من الدماء كساء للفارين من عدالة الحكايات، يصطاد بنادق الوجوه العابسة، يماطل الجباة، ويهادن الشرفات المحمية برمل مخضب، ويحن إلى قيثارة يتناوبها صبية الحارة، ينفخون فيها زفراتهم الأولى، قبل أن تسقط كلماتهم اللبنية من أفواه تصمت عن الكلام وتبالغ في الهتاف كلما مر موكب مزركش بالقسوة ... أراهم ويرونني، نعلم بحقيقة مشاعرنا المتبادلة، وعلى الرغم من ذلك، يمضي يومنا الملبد، لينحر عند المساء هواجس خائبة، ويزرع في أصيص الغد رعباً يتسلق جدران الروح في سرعة دونتها أرصادهم، كم يوما سيمضي قبل أن يثمر رعبهم رأسي، كم يوما من العمر ستختزله هواجس أقمار وئدت. عائد أحمل رأسي بيدي، وأنا الممعن في الرحيل إلى آخر المعنى، قلبي حقيبة مثقوبة، وذاكرتي جرف يئن في خاصرة منحدر، مازال الغيب ملبداً، ووجهك ملبد، واسمي ملبد، تتناثر ملامحي على رصيف ضيق يعج بالخلاسيين، والمطر مجرد حروف قصيدة بائسة. يتوضأ قلبي الشاهد ببعض ينثال من زرقة عينيك اللا زرقاوين، أترقب المد والنو وبعضاً من أعاصير تاهت عن موانئها، أصفف أوجاعاً مبتردة كألواح طين متجمدة، وأسكن المعنى السابغ لكلمة عجماء ... أدعو كل نسائي وكل وجوه شغفي، أنثر أمامهم ملامحي المغبرة من الرصيف الخلاسي ... فتلتم آهات منعها الآباء من أن تكتمل بروقاً على الشفاه المصبوغة بأحمر فاقع ... هم هناك، وأنا هنا، أو هناك، كم من المراكب ستدهسني قبل أن أتم قصيدتي؟. * * * ميت، يشتهي ميتة أضاعها ذات وهج ألمَّ بقدره ... شجرة على مفرق ألم، وأطلال وجوه تشققت كطين الذكرى، كنت أصرخ ملء قهري، كطفل ناري عمدته نزوات الجن، آه منها أمي، جففت فمي لئلا تنبت عليه شتيمة. أنا وهُمْ، وسماء لا تني تعبس كطفل وبخته أمه، وثمة عابرون، كثر في مضائق قليلة، يتزاحمون على فتات موت بات عصيا، فالموتى لا يموتون!... تداعب وجهي بشفتين مبتلتين، تنمو أمنية سريالية في نفس زحارية، وأنا قطار تائه في صحراء بلا سكك، أنشج كل حين لفراغ يتمدد، ورمل يحاصر الأفق، وهناك في مكان ما، راهب منسي يبتهل بدعاء الموت، ناسياً أن الموتى لا يموتون تطل طفلة القلب، وقلبي غارق في بداوته، يأتزر بزمن صارم، يقتصد في الوجيب، لئلا ينفجر في وجه غض ترسمه ابتسامات تسربت من يد آلهة مردة ... أصرخ وأنا في جب منزو عن طرق القوافل، أكلم ربي كل حين دون عصا، يلتجئ إلي كل أبرص وأكتع، فيمضون وبيدهم قارورة أمل مترعة بخيبة مرة، بلقيس لا تستهويني، ولا حوت يغص بي، ولتتناحر القبائل عند سدرتي، دون أن تخشى الموت، فالموتى لا يموتون. هذا أنا، لطالما حلمت أن أكون فضاء يحتوي كل هوام الوقت، نسج الحواة مني سجاداً شرقياً علِّق على حائط المباهاة، وفي كل مساء أسعل غبار عمر مضى في إثر القوافل ... بعد قليل سأحزم كل معنى باهت، ألفلفه في قصدير بارد..لن أصرخ أكثر، ما من صراخ يقتل الموتى، فالموتى لا يموتون أبداً. كم حلق وجه القمر في مدارك، كم حماماً أضاع دربه، إذ غابت رايتك، أين أنت؟ أيها الممعن في الرحيل، ستطويك المسافات العجلى، وتنساك في جوفها مدن الصحراء، رمل يغزو أحلامك الموضبة، وليل بهيم يطيل المكوث على ذاكرتك، حطاب ظلمة أنت، تلتقط ما تناثر من عظمك، لتدفئ قامات غضة، وهم كما هم، على مبعدة أو مقربة يحتلون مكان انزوائك عن رغباتك الخامدة.. يقهقهون بوجوه ميتة، يتناثر لعابهم سماً يميت ما تبقى من اخضرار .... حكاية، بهتت في قلب معتم، ووجه لا زال يضحك، كلما مرت به ذاكرة متعبة، وجدار قديم لحضارة لم تتشكل، وعينان واسعتان في ظلام دامس، سترمي قلبك كحذاء بال، وتلاحقك لعنة الانزواء حيثما حللت، ألملم نفسي وبعض ذاتي في حقيبة صنعتها من جلد أمنيات مذبوحة، هذا الليل يلفني كملاءة جارية نزقة، هذا النهار يطل علي من نافذة سقف يعلو السماء، وأنا هنا كمزمار مغبر... الحيرة تقاسيم عامة، والكآبة شجيرات في كل زاوية، والنسيان ثمر عصي في غير أوانه. حكاية... ووجوه من يباب المعنى، كلما سردت وجهاً تراكمت على بابي أحجار زمن تجمد في الذاكرة. * * * - في متاهة بحجم قلب يغالب النعاس، وعلى باب أمنية تخمرت بين شفتي، مازلت ارقب نجمك، لعلي أظفر بانعكاس لحظك، إذا تذكرتني، ذات نسيان.... هنا، زرعت في أحشائي قلبا، وهنا تركتني نزوة مغبرة، وهنا لا زلت أنتظر. - عزف على قلب مطهم ووجه يرقد على ذاكرة ملأى وأنت قيثار ولحن ينتظر ... إذ تطلين تنهمر نزوات ملبدة، والخصب أمنية مستحيلة لأرض توغل في الوهم ... اطلي! عتمة الوجد تضنيني.. أطلي! أوقدي مصباحيك في مدلهم عزلتي سنرسم معا للريح خارطة اللذة، ستهب علينا لعنات محلاة بالمعصية. شجرة اللعنة سنديانة تظلل أرواحا لجمت برسن الخوف، وثمة أمنيات كبروق نار وفقاعات ألم، تنفجر بصوت خافت في ظلمة مجللة بأسماء قدسية.. ستقعي في مربطك، تخال نفسك عنقاء الرماد، وأنت جدث لا تجد رباً تنسل إليه. لا تغب كثيراً عن أعين أطفال رمدت عيونهم في انتظار وجهك، لا تغب عن أمهات برسم الفقد، لا تغب عن الجد الذي مازال يقص الحكايات الباهتة لبشر رماديين، في غرفة بلا سقف... تتسرب القرى من إزارك وأنت الراحل في المعنى ... أرض عاقر لاتنبت خضرة بهيجة... أرض موات لا تشعل نارا مبددة ... أرض عوان... تجود بالشوك يجرح اسمك المغموس بالألم. سترحل طويلا كمعنى غائب كمعنى يخشاه أعيان القبيلة فيولمون له الحدود والوعيد
كشاهدة لقبر عظيم قلبي الآبق، لم يزل يغزل من الدماء كساء للفارين من عدالة الحكايات، يصطاد بنادق الوجوه العابسة، يماطل الجباة، ويهادن الشرفات المحمية برمل مخضب، ويحن إلى قيثارة يتناوبها صبية الحارة، ينفخون فيها زفراتهم الأولى، قبل أن تسقط كلماتهم اللبنية من أفواه تصمت عن الكلام وتبالغ في الهتاف كلما مر موكب مزركش بالقسوة ... أراهم ويرونني، نعلم بحقيقة مشاعرنا المتبادلة، وعلى الرغم من ذلك، يمضي يومنا الملبد، لينحر عند المساء هواجس خائبة، ويزرع في أصيص الغد رعباً يتسلق جدران الروح في سرعة دونتها أرصادهم، كم يوما سيمضي قبل أن يثمر رعبهم رأسي، كم يوما من العمر ستختزله هواجس أقمار وئدت. عائد أحمل رأسي بيدي، وأنا الممعن في الرحيل إلى آخر المعنى، قلبي حقيبة مثقوبة، وذاكرتي جرف يئن في خاصرة منحدر، مازال الغيب ملبداً، ووجهك ملبد، واسمي ملبد، تتناثر ملامحي على رصيف ضيق يعج بالخلاسيين، والمطر مجرد حروف قصيدة بائسة. يتوضأ قلبي الشاهد ببعض ينثال من زرقة عينيك اللا زرقاوين، أترقب المد والنو وبعضاً من أعاصير تاهت عن موانئها، أصفف أوجاعاً مبتردة كألواح طين متجمدة، وأسكن المعنى السابغ لكلمة عجماء ... أدعو كل نسائي وكل وجوه شغفي، أنثر أمامهم ملامحي المغبرة من الرصيف الخلاسي ... فتلتم آهات منعها الآباء من أن تكتمل بروقاً على الشفاه المصبوغة بأحمر فاقع ... هم هناك، وأنا هنا، أو هناك، كم من المراكب ستدهسني قبل أن أتم قصيدتي؟. * * * ميت، يشتهي ميتة أضاعها ذات وهج ألمَّ بقدره ... شجرة على مفرق ألم، وأطلال وجوه تشققت كطين الذكرى، كنت أصرخ ملء قهري، كطفل ناري عمدته نزوات الجن، آه منها أمي، جففت فمي لئلا تنبت عليه شتيمة. أنا وهُمْ، وسماء لا تني تعبس كطفل وبخته أمه، وثمة عابرون، كثر في مضائق قليلة، يتزاحمون على فتات موت بات عصيا، فالموتى لا يموتون!... تداعب وجهي بشفتين مبتلتين، تنمو أمنية سريالية في نفس زحارية، وأنا قطار تائه في صحراء بلا سكك، أنشج كل حين لفراغ يتمدد، ورمل يحاصر الأفق، وهناك في مكان ما، راهب منسي يبتهل بدعاء الموت، ناسياً أن الموتى لا يموتون تطل طفلة القلب، وقلبي غارق في بداوته، يأتزر بزمن صارم، يقتصد في الوجيب، لئلا ينفجر في وجه غض ترسمه ابتسامات تسربت من يد آلهة مردة ... أصرخ وأنا في جب منزو عن طرق القوافل، أكلم ربي كل حين دون عصا، يلتجئ إلي كل أبرص وأكتع، فيمضون وبيدهم قارورة أمل مترعة بخيبة مرة، بلقيس لا تستهويني، ولا حوت يغص بي، ولتتناحر القبائل عند سدرتي، دون أن تخشى الموت، فالموتى لا يموتون. هذا أنا، لطالما حلمت أن أكون فضاء يحتوي كل هوام الوقت، نسج الحواة مني سجاداً شرقياً علِّق على حائط المباهاة، وفي كل مساء أسعل غبار عمر مضى في إثر القوافل ... بعد قليل سأحزم كل معنى باهت، ألفلفه في قصدير بارد..لن أصرخ أكثر، ما من صراخ يقتل الموتى، فالموتى لا يموتون أبداً. كم حلق وجه القمر في مدارك، كم حماماً أضاع دربه، إذ غابت رايتك، أين أنت؟ أيها الممعن في الرحيل، ستطويك المسافات العجلى، وتنساك في جوفها مدن الصحراء، رمل يغزو أحلامك الموضبة، وليل بهيم يطيل المكوث على ذاكرتك، حطاب ظلمة أنت، تلتقط ما تناثر من عظمك، لتدفئ قامات غضة، وهم كما هم، على مبعدة أو مقربة يحتلون مكان انزوائك عن رغباتك الخامدة.. يقهقهون بوجوه ميتة، يتناثر لعابهم سماً يميت ما تبقى من اخضرار .... حكاية، بهتت في قلب معتم، ووجه لا زال يضحك، كلما مرت به ذاكرة متعبة، وجدار قديم لحضارة لم تتشكل، وعينان واسعتان في ظلام دامس، سترمي قلبك كحذاء بال، وتلاحقك لعنة الانزواء حيثما حللت، ألملم نفسي وبعض ذاتي في حقيبة صنعتها من جلد أمنيات مذبوحة، هذا الليل يلفني كملاءة جارية نزقة، هذا النهار يطل علي من نافذة سقف يعلو السماء، وأنا هنا كمزمار مغبر... الحيرة تقاسيم عامة، والكآبة شجيرات في كل زاوية، والنسيان ثمر عصي في غير أوانه. حكاية... ووجوه من يباب المعنى، كلما سردت وجهاً تراكمت على بابي أحجار زمن تجمد في الذاكرة. * * * - في متاهة بحجم قلب يغالب النعاس، وعلى باب أمنية تخمرت بين شفتي، مازلت ارقب نجمك، لعلي أظفر بانعكاس لحظك، إذا تذكرتني، ذات نسيان.... هنا، زرعت في أحشائي قلبا، وهنا تركتني نزوة مغبرة، وهنا لا زلت أنتظر. - عزف على قلب مطهم ووجه يرقد على ذاكرة ملأى وأنت قيثار ولحن ينتظر ... إذ تطلين تنهمر نزوات ملبدة، والخصب أمنية مستحيلة لأرض توغل في الوهم ... اطلي! عتمة الوجد تضنيني.. أطلي! أوقدي مصباحيك في مدلهم عزلتي سنرسم معا للريح خارطة اللذة، ستهب علينا لعنات محلاة بالمعصية. شجرة اللعنة سنديانة تظلل أرواحا لجمت برسن الخوف، وثمة أمنيات كبروق نار وفقاعات ألم، تنفجر بصوت خافت في ظلمة مجللة بأسماء قدسية.. ستقعي في مربطك، تخال نفسك عنقاء الرماد، وأنت جدث لا تجد رباً تنسل إليه. لا تغب كثيراً عن أعين أطفال رمدت عيونهم في انتظار وجهك، لا تغب عن أمهات برسم الفقد، لا تغب عن الجد الذي مازال يقص الحكايات الباهتة لبشر رماديين، في غرفة بلا سقف... تتسرب القرى من إزارك وأنت الراحل في المعنى ... أرض عاقر لاتنبت خضرة بهيجة... أرض موات لا تشعل نارا مبددة ... أرض عوان... تجود بالشوك يجرح اسمك المغموس بالألم. سترحل طويلا كمعنى غائب كمعنى يخشاه أعيان القبيلة فيولمون له الحدود والوعيد
* * *
ارحل، ارحل إلى آخر معنى مخضب بصديد الذاكرة، سترجمك منابر الطين، ستعلن في البلاد أنك مبني للمجهول يعيش متطفلاً على حافة جملة فقدت الفعل ولم تكتسب اسما لائقا بالإعراب، ستطاردك حروف الجر والسحل، سيحتفل بموتك من يجرحهم الحلم، سيخلدون إلى نسيان لطالما أبيت أن يكتمل محاقاً في سمواتهم.
ارحل إلى آخر معنى مهشم كآنية زجاج، تجرح من يحاول لملمتها، واسكن حرفا تناثر هنا أو هناك، لا فرق، فأرضك لا تنبت وطناً سائغاً ...
ووطنك لا يثمر أشجار البهجة...
ارحل في جغرافية الكلام إذا غاصت قدمك في رمل كئيب، ذات يوم ستفيض إلى المعنى، ذات يوم ستزهر أمنياتك وحيدة دون صاحب...
كم هي بائسة أمنية اكتملت في الغياب.
تعدو بنات المعنى، على سفح المباهاة، لتغرف من ينابيعك بعض اللوعة، ستمعن في الانتظار، وهي تنتظر حرير الأغاني...
كم سترحل في إثر معنى خائب، كم ستقطف من ندف الكلام المعتق، علها تكتسي ذات يوم بإزار من لون عينيك.
فضاء خانق، وأمسيات من رمل ساخن، وبلاد زاهية تطل عليك من حكايات البحارة، ما من قارب يحمل رغبتك إلى مذبحها، ستمر بك القوافل، خيبة إثر خيبة، وتمر بك رياح لا اتجاه لها، لن تحفل بحكاياتك، ولا بأسئلة شابت على حافة الحيرة.
ارحل، حيث المعنى يكون أكثر بهاء، ارحل داخل معانيك إلى بهاء لا يخص غيرك، ودع عنك ما ترامى من سعار...
ارحل، إلى آخر المعنى!
موقع العرب يفسح المجال امام المبدعين والموهوبين لطرح خواطرهم وقصائدهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع منبرا حرا في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية منبر العرب.
لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع على العنوان:alarab@alarab.co.il