رَشح الكأس/بقلم:كميل فياض
كميل فياض:
كميل فياض:
الحياة ذاتها الفرح في ذاته الفرح الخالص الصافي الذي منه نشأت الأكوان: كواكب وإجرام وأفلاك ونجوم وشموس وعصافير .. كل من الكائنات يأخذ نصيبه وقسمه من البكتيريا والذرات غير المرئية
الحياة تجربة مستمرة دائمة لا إنقطاع لها .. تجربة مثيرة مدهشة من ألفها الى يائها .. وما السلبيات فيها من آلام وأحزان ومكاره ومآسٍ، سوى محركات ودوافع للتقدم فيها، لمعرفتها أكثر، للكشف عن خفاياها، لما يظهر منها لحواسنا وعقولنا، ولما يستتر بتلك الحواس والعقول .. انها في ذاتها الفرح في ذاته، الفرح الخالص الصافي، الذي منه نشأت الأكوان: كواكب وإجرام وأفلاك ونجوم وشموس وعصافير .. كل من الكائنات يأخذ نصيبه وقسمه ، من البكتيريا والذرات غير المرئية، حتى الأنبياء والحكماء والرسل والمجرات.. وربما الشعراء والفلاسفة والعلماء يعيشون الحياة أعقد واعمق وابسط وأدهش وأقسى وأغرب في آن .. ولسان الكشف يقول: أن الموت – مثلا – ليس ( فقط ) هو جثمان مسجى بين نائحات باكيات، ليس فقط حزن ودموع وتأوهات وتوجع، ثم حمل ونقل وصلاة وتعاز وترحمات ، ودفن وإنتهاء في صوَر وذكريات .
السحر والفائدة
لا ليس هذا هو الموت فقط وحصرا ً .. انه امور كثيرة أخرى، لا أقصد منها هنا الإنعكاسات الإجتماعية والسياسية وغيرها في كثير من الظروف والحالات .. بل بالذات ما له من السحر والفائدة والمعنى والفعل، وفي إتجاه مختلف، فيما يخفى على منطقنا الحسي السطحي وعلى مفاهيمنا وليدة ورهن ذلك المنطق .. فالموت جزء لا يتجزأ من الوعي والحياة، أو قل من وعي الحياة، حيث لا إنفصال ولا فرق بين الحياة ووعيها، إلا كما يوجد – إن وجد – ذلك الإنفصال والفرق بين الشمس ونورها وحرارتها ولهبها وبقعها.. اننا إذ نعيش ونعقل بمنطق الحواس فقط لا نرى ولا ندرك سوى ما يحدث على السطح وعلى القشرة فقط، لا نشعر إلا بإضطراب الأمواج تحتنا في هذا الإبحار العجيب فوق اوقيانوس الحياة غير المحدود وغير المتناه، ولو غصنا باعيننا من السطح الى العمق – شرط الا ناخذ معنا وعلى كواهلنا همومه ومفاهيمه – لتبدلت وتغيرت كل مفاهيمنا .. وما الشك بسبب استعصاء الثنائية في الفهم والادراك ، بين عالمي الاعماق ،والسطح ،سوى مرحلة من مراحل التوسط ( الرمادي ) التي يعيشها الكاشف ويكابدها في مسار تحققه وذوبانه في المطلق .. وفي هذا الكشف والتحقق يسقط التعصب والتشدد والتشنج العرقي والمذهبي والديني والثقافي الخ .. فهي لعبة " شطرنج " تلعبها رياح الفكر على رقعة من سطح الوجود ، وهي اختزالات شمس في لهب قناديل وشمعات ، في بصائص يرقات داخل "عتمة كهف افلاطون " تتجاذب تتنازع وتتصالح على جدران الحواس .. ما الذي يفصل بيننا كائنات اشياء وعناصر .. والحياة ذلك الكل في كل شيء ؟ ما هي الاشارات والرموز التي تدعونا للتفكر والتأمل في حقائق الوجود الخفية عن الحواس الظاهرية ؟
عالمي النبات والحيوان
يقال إن النخل حلقة وصل أخيرة رابطة وواصلة بين عالمي النبات والحيوان، وفيه الذكر والأنثى. ويقال إن القرد حلقة وصل أخيرة رابطة وواصلة بين عالمي الحيوان والانسان .. فما هي – إن صح ما سبق – حلقة الوصل بين عالم الانسان وعالم الاله .. او عالم الحياة المطلقة الكلية ؟ قد يتبادر الى أذهان المؤمنين بالأديان "السماوية " أن تلك الحلقة هي الأنبياء والرسل، بينما يتبادر الى أذهان بعض الشعراء أن تلك الحلقة هي المرأة والأطفال الخ.. وربما نظر السكير الى الكأس والى الخمرة، وصياد السمك الى السمكة والى الشبكة .. والرسام الى الريشة والاصباغ .. الخ فكل والهاماته .. بيد اني أراها في العصافير والطيور والفراشات.. في ذوي الأجنحة، وفي الأجنحة بالذات.. إنها رمز العالم الروحي المطلق، في العالم الحسي المقيد، إنها حلقة الوصل الحسية الأكثر إنسانية وروحانية، الأكثر إثارة وإشارة ودلالة للإنطلاق خارج الحدود وفوق الحدود.. ومن هنا بالتأكيد جاءت الرسومات التي تصور الكائنات الدينية الاسطورية من ملائكة وسواها في القرون الوسطى وما قبلها، اطفال بأجنحة وخيول بأجنحة الخ .. فالأجنحة خُلقت لتقول لنا: انظروا بعيدا خارج عالمكم الارضي المقيد والمحدود ..ولتقل أن الوجود غير متناه وأن الحياة خالدة .
موقع العرب يفسح المجال امام المبدعين والموهوبين لطرح خواطرهم وقصائدهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع منبرا حرا في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية منبر العرب. لإرسال المواد يرجي إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع علي العنوان: alarab@alarab.net