لن أقسم أبداً بهذا البلد بقلم: رافي مصالحة
رافي مصالحة في مقاله:
رافي مصالحة في مقاله:
في على زمان قد حلّ, أقرأ فيه أبجدية الحزن والبؤس, يغرّد فيه البلبل على غصنه بألف لحن حزين مُحتضرٍ يقاوم كيْ يَحيا في فضاء قريتي, فتأتيه بغتة, ومن جيث لا يدري رصاصة تغتال نشيده
شبابٌ هائم محكوم (ومُحتلّ !) في كيانه من أخمص قدميه حتى ناصيته في عقليته وذوقه وخياره وآماله وطموحه, لكنه الحاكِم المطلق لمفارق الطرقات ومداخل المدارس, وكأنه زبانية طرقنا التي ما انفكت تكون جحيماً
كيف نكون بشراً بحقٍّ طالما كان تصرفنا في البلدات اليهودية في غاية الوداعة والتهذيب المفرط, فلا نجرؤ على رمي عقب لفافة أو حتى قشة في مسالكها وما أن نقترب من أعتاب قرانا حتى تتطاير الزجاجات وألوان القمامة من نوافذ سياراتنا نحو شوارعنا
بين زخّات الرّصاصِ الذي مزّق سكون عتمةٍ أحكمتْ قبضتها على فضاء القريةِ, اجتهدَتْ لتعيشَ شظايا أرواحٍٍ تستمدّ كيانها من آمالٍ زائفه. وإذ تناثر رذاذ الحكاياتِ على الأرصفةِ الداكنةِ جاهدْتُ لأقتفيَ أثرَ ظلٍ لحُلمٍ شاحبٍ تكسّر على ملاعبِ الصّبا التي غزاها الرماد. هناك, في قلب الليل غابت قريتي وحضر كل شيء: الخوف والقلق والحقد وكلاب ضالة انهكها البحث عن مأوى.
لم تعد قريتي مرتعاً لأسراب السنونو وأعشاش الحمام. أنتَ إذا دخلتها فكأنك تخطو أعتاب بلدٍ من بُخار, لا معالم له ولا ملامح, كائنات تحتقن ضياعاً ووهماً ووجعاً, وجوه ملامحها ليست بالعاديّة تكاد تنكر رونق نور الشمس ونبض الحياة ولا يخالجها همّ الغد وأعباؤه ولا تكترث أن تؤدي بها الخُطى التي أعياها الكسلُ إلى مسالك التيه والضياع حيث تلاشت البوصله وغاب نجم الشمال عن أفقنا أنفةً وخجلاً.
جنود سرابٍ نكرةٍ
شبابٌ هائم محكوم (ومُحتلّ !) في كيانه من أخمص قدميه حتى ناصيته في عقليته وذوقه وخياره وآماله وطموحه, لكنه الحاكِم المطلق لمفارق الطرقات ومداخل المدارس, وكأنه زبانية طرقنا التي ما انفكت تكون جحيماً غزته ثلة من جنود سرابٍ نكرةٍ نستشعرها رغم أنفنا في وضح النهار وأوج الظلام, لكنهم لا يعنون لهذا الزمان شيئا, ولا الزمن يعني لهم شيئا, ولا الوطن ولا الذوق الرفيع ولا الشرف والكرامة والنبل والتحدي والمبدأ والعزّة .... مركب يتقاذفه الموج فلا صارية ولا شراع ولا راية ولا مرساة !!.
لا القيم لا التاريخ ولا القدس
في عصرٍ يطمح فيه 350 مليون عربي من الدار البيضاء غرباً وحتى المنامة شرقاً أن يصبحوا مطربين (وفي هذا السياق تنظم المجتمعات والهيئات والفضائيات آلاف المسابقات لتصنيع عتاة نجوم الغناء) تتساءل مُرغماً : هل الطرب حقاً هوعلتنا الخفيّة في جهلنا وتخلفنا وضياع شبابنا وكوننا شعباً من المسحوقين الذي يستأسد في قتل أخيه ولا يقوى على قتل ذبابه ؟ جيل أسير في شخصيته يتعاطى الفضائيات كالأفيون وقد ضاع فضاؤه، لا فلسطين تعنيه ولا الاحتلال ولا القيم ولا التاريخ ولا القدس، لا يأبه "للقضية" ولا للهوية, والضياع يتزاوج ويتوالد على نواصي أزقتنا القاتمة, فلا ضير في أن يظل المرء صنماً منزوعاً من الخيال الحرّ والروح فـمسابقات المواهب سوف تنتج حتماً جيشاً من المغاوير اللذين سيدكون – بلا رحمةٍ- جيوش اسرائيل (والناتو واردٌ بالحسبان أيضاً !) بالذخيرة الصوتية والرقصات والمواويل ذات الدمار الشامل !...
تصرفنا في البلدات اليهودية..
كيف نكون بشراً بحقٍّ طالما كان تصرفنا في البلدات اليهودية في غاية الوداعة والتهذيب المفرط, فلا نجرؤ على رمي عقب لفافة أو حتى قشة في مسالكها ونتقيد بكل قواعد السير والأنظمة في شوارعها, وما أن نقترب من أعتاب قرانا حتى تتطاير الزجاجات وألوان القمامة من نوافذ سياراتنا نحو شوارعنا, وندوس بعجلاتنا كل أنظمة السير بحيث يمسي كل سائر على الشارع في نظر "الفارس" (الذي يمتطي بالواقع كيانه, فسيارته هي كل عالمه وهي شخصيته التي بدونها لا قيمة له) حشرة وضيعة يجوز البطش بها, كيف لا وقد عبرنا مساحة الحرام الى عالم فسيحٍ من المباح المطلق. مثيرة للدهشة تلك الظاهرة الطبيعية التي بموجبها يتعالى منسوب الادرينالين عند شبابنا في ساعات نهاية دوام المدارس فتكتظّ الشوارع الى حدّ لا يصدق بسيارات تسيح بلا هدفٍ ولا جدوى. كل شيء جائز فلا رادع ولا مانع. هؤلاء فرسان من الوهم في زمان انقرضت فيه الفروسية يعدون وراء طرائد الزيف تحكمهم فوضىً من الشهوة الصاخبه. إنهم فتية يستنشقون هواء مثقلاً بالقذارة, يجثو الاحتلال المتربّص فيهم على عقولهم وارادتهم فيتصرفون بآلية ودون وعي, إنهم ميتون وهم أحياء, عراة لا من القماش فحسب بل من ثياب الكرامة, تذروهم الريح فإذا هم هباء منثورا. لهفي على زمان قد حلّ, أقرأ فيه أبجدية الحزن والبؤس, يغرّد فيه البلبل على غصنه بألف لحن حزين مُحتضرٍ يقاوم كيْ يَحيا في فضاء قريتي, فتأتيه بغتة, ومن جيث لا يدري رصاصة تغتال نشيده.
موقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرا في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجي إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير علي العنوان: alarab@alarab.net