عون نجح سياسياً في السعودية ولكن../ سابين عويس
سابين عويس:
سابين عويس:
إعتاد الرئيس اللبناني أن تكون وجهته الاولى الغرب من البوابة الفرنسية، وأحيانا سوريا من البوابة العربية
وعليه، لا بد من ترقب زيارة الحريري للمملكة وبرنامج عملها لتلمس التوجهات المقبلة، لمعرفة في رصيد من سيصب نجاح عودة المياه الى مجاريها، وبأي شروط وأي كلفة؟
قبل أن تحط الطائرة الرئاسية في بيروت عائدة من الرياض والدوحة، كانت التوقعات حول الزيارة سباقة في رسم صورة إيجابية ومتفائلة حيال نتائجها. فزيارة رئيس الجمهورية الآتي على جناح محور معادٍ للمملكة، إنجاز، ليس في خرق حظر وزعل مارسته دول الخليج بقيادة سعودية على لبنان منذ الموقف الرسمي الخارج عن الاجماع العربي في شأن إدانة الاعتداء على السفارة السعودية في طهران، بل في إعادة الخليج إلى لبنان من البوابة الرئاسية العليا.
انطلاقا من هذه المعادلة، يمكن التسليم بأن الزيارة نجحت بكل المعايير السياسية المتصلة بالمكاسب المشتركة المحققة على صعيد البلدين. إذ لم تقتصر المكاسب على لبنان، كما كان متوقعاً، بل انسحبت أيضا على الجانب السعودي الذي يشهد منذ تغير السلطة فيه نموذجا جديدا في المقاربة السياسية لعلاقاته الخارجية.
فلبنان الراغب في كسر الحظر الخليجي عليه من البوابة السعودية، نجح في تحقيق ذلك، كما نجح في استعادة موقعه في حاضنته العربية. ولعلّ الإنجاز الاكبر الذي حققه رئيس الجمهورية كمن في اختياره المملكة محطة أولى لأول تحرك خارجي له، موليا بذلك أهمية لطمأنة المملكة حيال انتفاء أي عدائية حيالها سبق أن لمستها بالمقاربة السياسية المحلية، إنطلاقا من التصادم القوي الذي حكم الساحة اللبنانية بفعل الهجوم المتكرر لـ"حزب الله" على المملكة.
والمفارقة أن مجلس الوزراء الذي التأم أمس في السرايا برئاسة رئيس الحكومة، أصدر موقفا لافتا في تثمينه الدور السعودي والزيارة التاريخية من دون أي تحفظ من وزيري الحزب!
إعتاد الرئيس اللبناني أن تكون وجهته الاولى الغرب من البوابة الفرنسية، وأحيانا سوريا من البوابة العربية. أما عون المحسوب على محور خصم، فحرص على تذليل هذه الصورة، ولم تكن سوريا وجهته الاولى رغم ان اول زيارة تهنئة بانتخابه كانت من موفد خاص للرئيس السوري، ثم طهران التي سارع وزير خارجيتها إلى بعبدا لنقل دعوة رسمية. وبذلك بدا عون على مسافة أقرب إلى المملكة، مراعيا الخصوصية التي تمتعت بها العلاقة بين البلدين على مدى عقود، ومؤكدا العمق العربي للبنان عموما والخليجي خصوصا. فأتيح لعون من خلال هذه الاطلالة ان يكون المبادر إلى إعادة السعودية الى لبنان بعد تعثر كل جهود استرضائها والاعتذار منها، والتي بذلها رئيس الحكومة سعد الحريري خلال وجوده خارج السلطة او رئيس الحكومة السابق تمام سلام، إثر الالتباس الذي أفرزه موقف وزير الخارجية جبران باسيل بالخروج عن الاجماع العربي. وللمفارقة، ان باسيل كان ضمن عداد الوفد الرسمي بما يعكس انتهاء البرودة حياله.
تأكيد عون لعروبة لبنان ونظامه السياسي القائم على وثيقة الطائف، شكلا بدورهما مكسبا للمملكة التي أكدت موقعها المتقدم على الساحة اللبنانية، رغم انتصار المحور الخصم في إيصال مرشحه إلى الرئاسة.
هذا في السياسة، ولكن ماذا عن الترجمة العملية لنتائج الزيارة؟
لقد أطلق الكثير من الوعود والكلام الايجابي والودي من الجانب السعودي تجاه لبنان، لعل أولى ثماره يجب أن تتمثل في رفع الحظر عن سفر الرعايا السعوديين، بحيث يعود الاقبال الخليجي عموما والسعودي خصوصا على لبنان هذا الصيف، وهذا في ذاته إنجاز مهم نظرا إلى ما تمثله المملكة والخليج من رئة حيوية للبنان.
أما في المعلومات عن الهبة المالية للجيش، فلم يرشح إلا وعد ملكي بمتابعة الامور التي طرحت في المحادثات، ومن ضمنها بطبيعة الحال الهبة. علما أن الوفد اللبناني لم يكن يعول كثيرا على دعم مالي فوري مباشر. وعليه، لم يتم توقيع اي اتفاقات ثنائية، لكن هذا مبرر لأن طابع الزيارة سياسي في الدرجة الاولى، والتمثيل الوزاري الرفيع لـ8 وزراء في الوفد يعكس هذا البعد.
كل هذا الكلام يقود إلى السؤال عما بعد زيارة عون للسعودية، وتحديدا عن موعد ذهاب رئيس الحكومة سعد الحريري إليها، والذي يفترض أن يشكل المتابعة او الترجمة العملية للالتزامات الشفوية.
فالغطاء السياسي الذي وفره عون بتلبيته الدعوة السعودية جاء بمثابة تعويض للتقصير في حق المملكة، فيما السؤال الحقيقي اليوم يكمن في من سيقبض الأثمان الفعلية التي تترجم نتائج الزيارة سياسا وماليا وسياحيا وعسكريا، واين سيكون موقع الحريري في العودة المظفرة للمملكة على يد عون إلى لبنان؟
للاجابة عن هذا السؤال يجب ترقب الترجمة العملية التي تتمثل في عودة السعوديين من باب السياحة والاستثمار وتفعيل التبادل التجاري، اما التعويل على دعم مالي او تحريك الهبة للجيش فلا بد من ترقب ما إذا كان الامر سيتم من خلال الحريري، بما انه لم يتم من خلال عون!
وعليه، لا بد من ترقب زيارة الحريري للمملكة وبرنامج عملها لتلمس التوجهات المقبلة، لمعرفة في رصيد من سيصب نجاح عودة المياه الى مجاريها، وبأي شروط وأي كلفة؟
نقلا عن جريدة النهار
المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر . لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.net