الفيل والفأر كفاكم مزاودات/ بقلم: وديع عواودة
وديع عواودة في مقاله:
وديع عواودة في مقاله:
الشعب السوري يقوم اليوم بتقديم أعز ما يملك من أجل كرامته وحريته
حتى وإن كثرت طفيليات الربيع وتكالب الانتهازيون والمتأمركون والمتآمرون تبقى الثورة السورية صافية وخالصة وحتى لو لم ير كثيرون ذلك اليوم
إذا كان لا إكراه في الدين فهل نفرض ما نعتقد به في السياسة على الآخر بل نشّكك بصلاته ونكاد نكفّره لتبنيه ما يعارض رؤيتنا حتى لو كانت في قضية ساخنة كالثورة السورية؟
المشاهد العنيفة والهمجية هي أحلام المتربصين بالإسلام الذي علم البشرية الكثير ونتأمل ألا تتكرر اليوم عقب نشر رسومات فرنسية مسيئة من ريشة رسام مغمور يطمع بالشهرة
رغم كل التصريحات الواعدة على لسان رئيس الحكومة ووزير الشرطة لم تؤدِ هذه دورها بقطع دابر جرائم العنف المتفشية وعليها بالسعي الحقيقي للكشف عن الجناة ومحاكمتهم وردع المصابين بدائها عن ارتكاب مزيد منها. بالطبع لن تستطيع الشرطة وحدها تأمين ما يقي المجتمع العربي من مخاطر الجريمة المرشحة للتفاقم، وهو بكل فعالياته الاجتماعية والسياسية، يداويها حتى الآن بداء آخر يدعى الثرثرة والتنديد.
صب الزيت على نيران
بل يلاحظ أن بعض القيادات العربية، رجال سياسة ودين، تصب من حيث لا تدري الزيت على نيران العنف بتصريحات، خطابات، خطب ومقالات نارية تتجاوز ما يبرر سخونتها. عندها تقع كل هذه المقولات الحربجية في دائرة العنف اللفظي، وهو طريق سريع للعدوانية الجسدية وتضيّق الخناق على مساحة الحوار وحريات التفكير والتعبير. وتنبع خطورة التفوهات العنيفة القاسية من كون أصحابها رموزا وأهل ثقة ومسؤولية، أفعالهم وأقوالهم تكون بالضرورة قدوة لأتباعهم والمعجبين بهم وللجمهور الواسع، خاصة من هم في بداية المشوار، الشباب.
الرؤى الديموقراطية العلمانية
وسبق ابن خلدون في دراساته الاجتماعية علماء التربية بقرون، حينما حذر من خطورة الاقتداء بمفهوميها الإيجابي والسلبي، فهل نغفل عما تنبه له الناس في القرن الثامن؟ وتتطابق النصوص الدينية مع الرؤى الديموقراطية العلمانية في احترام إرادة ورغبات وخيارات الآخر، ومجادلتهم بالتي هي أحسن، بعيدا عن رميهم بألفاظ فجّة وتنعتهم بأسماء الحيوانات هم وآباؤهم. ألم يقل الإمام الشافعي رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري يحتمل الصواب؟ وهل نبقي درر موروثنا الإسلامي في هذا المضمار حبرا على ورق؟ ألم يأتي في الحديث ضمن باب الاجتهاد: إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر؟
الظالم والضحية
وهل نرفض ما قبله الباري في القرآن الكريم بقوله في سورة الكهف " وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.." ونستأنف على كلماته الدالة في سورة يونس :" فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل"؟ وإذا كان لا إكراه في الدين، فهل نفرض ما نعتقد به في السياسة على الآخر، بل نشّكك بصلاته ونكاد نكفّره لتبنيه ما يعارض رؤيتنا حتى لو كانت في قضية ساخنة كالثورة السورية؟ وهل يعقل القول أن يقال إن صلاتهم ووطنيتهم على المحك إلا أن يقفوا إلى جانب المظلوم ضد الظالم والضحية ضد الجلاد ومع الشعب ضد طاغيته، وإلا فإن إيمانهم ووطنيتهم هي محل امتحان؟
احترام الرأي الآخر
لا يساورني شك أن الشعب السوري يقوم اليوم بتقديم أعز ما يملك من أجل كرامته وحريته.
وإن كثرت طفيليات الربيع وتكالب الانتهازيون والمتأمركون والمتآمرون ، تبقى الثورة السورية صافية وخالصة وحتى لو لم ير كثيرون ذلك اليوم . بالمقابل يحق لمن يشاء أن يراها من منظار مختلف ويحسب بحسابات أخرى ويكيل بمكاييل مختلفة. من حق بل واجب من يخالف أنصار سوريا البعثية والأسدية والعروبية، أن يجادل أنصارها سيما وأننا سوريون بالجغرافيا والروح والهوية، لكن للجدل قواعد على رأسها احترام الرأي الآخر والنزاهة في الحكم وتحاشي الإساءة والطعن لشخص من هو على " دين" آخر، فما بالك وهم من لحم الحركة الوطنية ومن معسكر الغيورين على شعبهم وأمتهم. والعكس صحيح وعلى المؤمنين بالمؤامرة الخارجية وبأعمال " الإرهابيين" (من النساء والأطفال أيضا) المستمرة منذ عامين، أن يأخذوا بالحسبان رؤى وآراء لا تقبل بما يرونه وألا يتحجروا على ما يتبدى لهم. حتى لو كانت القضية تقطر دما كالحالة السورية لا مفر هنا من التزام التعددية والنقاش الحقيقي عند الخوض في المسائل السياسية. وليتذكر ذوو المواقف الساخنة، أنصار الربيع العربي، عناقاتهم ولقاءاتهم (وهداياهم)، المتكررة مع الحكام السفاحين حتى الأمس القريب من دمشق حتى طرابلس مرورا بعمان(الموثقة بالصورة والصوت) .
رد الفعل العربي والإسلامي
وقبيل خوض الجدل ليتذكر الشيوخ والسياسيون من حاملي لواء السنية وفرسان الهجوم على إيران الشيعية(صاحبة التطلعات الإقليمية المشروعة والمساندة للشأن الفلسطيني) أن تركيا الإسلامية التي باتوا يحلفون بحكامها ويهزون بسيفها ويأكلون من بيضها السمين هي ليست سجادة ناصعة البياض ولا ننسى عضويتها في حلف شمال الأطلسي. بالمقابل فليتذكر "خصومهم" من الشيوعيين والقوميين والليبراليين مواقفهم التاريخية من الشعوب والرجعية العربية وتحالفها مع الغرب والصهيونية، وعلينا جميعا تحاشي المزاودات فهي تزرع الشحناء،الشقاق والفرقة. وهذا كله ينسحب على رد الفعل العربي والإسلامي احتجاجا على الفيلم التافه والوقح، فحتى لو كانت هناك حاجة لأن يتحرك الفيل ضد الفأر، لا مبرر أخلاقي ولا ديني للعنف ضد سفارة وسفير يقيم بيننا وعندنا حتى لو كان للولايات المتحدة.
هذه المشاهد العنيفة والهمجية هي أحلام المتربصين بالإسلام الذي علم البشرية الكثير ونتأمل ألا تتكرر اليوم عقب نشر رسومات فرنسية مسيئة من ريشة رسام مغمور يطمع بالشهرة. وهذه هي مهمة رجال الدين والشيوخ ألا يصبوا الزيت على نار الدهماء وشحنهم في خطب الجمعة لما هو كيد مرتد يرتد لنحورنا.. والويل لنا إذا ما استغلينا دماء السوريين لتسويق رؤانا ومصالحنا الفئوية.
موقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.net