23° الناصرة $دولار أمريكي 2.99 ₪يورو 3.47 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 مقالات

الفضاء لم يعد محايداً

لفترة طويلة كان الفضاء يبدو بعيداً عن صراعات البشر. مكاناً للعلم والاكتشاف والحلم. كانت الدول تتنافس على الوصول إليه وكأنها تتنافس على صفحة جديدة من تاريخ الإنسانية. لكن الصورة تغيرت كثيراً. فالفضاء اليوم لم يعد مجرد مختبر كبير للعلماء. لقد أصبح جزءاً من الأمن القومي للدول الكبرى وأحد أهم ميادين الصراع على النفوذ والمعلومات. فوق رؤوسنا تدور أقمار صناعية لا نراها. بعضها يراقب الأرض وبعضها ينقل الاتصالات وبعضها يساعد على تحديد المواقع وبعضها يجمع معلومات يمكن أن تكون ذات قيمة عسكرية هائلة. وهنا تغير مفهوم التجسس نفسه.

س م سارة محمد مرزوڨي- جزائرية مقالات نُشر: 01/09/2026 الساعة 10:45
حجم الخط
الفضاء لم يعد محايداً
الفضاء لم يعد محايداً · تصوير: كل العرب

لفترة طويلة كان الفضاء يبدو بعيداً عن صراعات البشر. مكاناً للعلم والاكتشاف والحلم. كانت الدول تتنافس على الوصول إليه وكأنها تتنافس على صفحة جديدة من تاريخ الإنسانية. لكن الصورة تغيرت كثيراً. فالفضاء اليوم لم يعد مجرد مختبر كبير للعلماء. لقد أصبح جزءاً من الأمن القومي للدول الكبرى وأحد أهم ميادين الصراع على النفوذ والمعلومات. فوق رؤوسنا تدور أقمار صناعية لا نراها. بعضها يراقب الأرض وبعضها ينقل الاتصالات وبعضها يساعد على تحديد المواقع وبعضها يجمع معلومات يمكن أن تكون ذات قيمة عسكرية هائلة. وهنا تغير مفهوم التجسس نفسه.

لم يعد رجل الاستخبارات بحاجة دائماً إلى الاقتراب من المكان الذي يريد مراقبته. يكفي أحياناً أن تكون هناك عين في السماء تستطيع تصوير منشأة أو متابعة حركة عسكرية أو رصد تغيرات على الأرض.
لكن التحول الأكبر جاء مع دخول الشركات التجارية إلى هذا المجال. فالأقمار الصناعية لم تعد حكراً على الدول والجيوش. شركات خاصة أصبحت تمتلك كوكبات من الأقمار قادرة على تصوير مناطق واسعة من الأرض وتوفير الاتصالات والبيانات بسرعة غير مسبوقة. وفي النزاعات الحديثة أصبحت الصور والاتصالات التي توفرها الشركات التجارية ذات أهمية كبيرة في فهم ما يجري على الأرض.
وهنا ظهرت مشكلة جديدة.

كيف يمكن أن نميز بين القمر التجاري والقمر العسكري عندما تصبح البيانات التي ينتجها القمر التجاري مفيدة في حرب تخوضها دولة ما؟ الصورة التي تلتقطها شركة لأغراض تجارية قد يستخدمها صحفي لمتابعة الأحداث وقد يستخدمها باحث لتحليل التغيرات على الأرض وقد ينظر إليها جيش باعتبارها معلومة استراتيجية. لقد أصبح الفضاء أكثر انفتاحاً من أي وقت مضى وفي الوقت نفسه أكثر ارتباطاً بالأمن والحرب. وهذا ما يفسر جانباً من الصراع المتزايد بين القوى الكبرى.

الولايات المتحدة تريد الحفاظ على تفوقها الفضائي. الصين تعمل على بناء قدرات تنافسية واسعة وتدرك أن مستقبل قوتها العسكرية والاقتصادية مرتبط إلى حد كبير بالفضاء. أما روسيا فما زالت تنظر إلى الفضاء باعتباره جزءاً من مكانتها الاستراتيجية وقد طورت بدورها قدرات تسمح لها بالتأثير في الأنظمة الفضائية. لكن سباق الفضاء الجديد لا يتعلق فقط بمن يملك العدد الأكبر من الأقمار.
السؤال أصبح أكثر تعقيداً.

من يستطيع حماية أقمارِه؟ ومن يستطيع مراقبة أقمار خصمه؟ ومن يملك القدرة على تعطيل الاتصالات أو التشويش على الإشارات؟ ومن يستطيع الاستمرار في العمل إذا فقد جزءاً من بنيته الفضائية؟ هذه الأسئلة قد تبدو بعيدة عن حياة المواطن العادي لكنها في الحقيقة تمس تفاصيل كثيرة من حياته اليومية. الملاحة التي نعتمد عليها في السيارات والطائرات والسفن مرتبطة بالفضاء. الاتصالات الحديثة تعتمد على الأقمار في مجالات مختلفة. مراقبة الطقس والكوارث الطبيعية والحرائق تعتمد أيضاً على البيانات الفضائية.

ولهذا فإن أي صراع واسع في الفضاء لن يبقى في الفضاء. قد يصل أثره إلى الهاتف والسيارة والمطار وشبكات الاتصال والأسواق وحتى إلى قدرة الحكومات على إدارة الأزمات. والأكثر إثارة للقلق أن الحرب الفضائية لا تحتاج بالضرورة إلى صاروخ ينطلق نحو قمر صناعي. يمكن أن تبدأ بتشويش أو هجوم إلكتروني أو تعطيل منظومة اتصال أو إرباك نظام ملاحة. حرب بلا دخان وبلا صور للجنود على الجبهات. حرب قد تبدأ في صمت ولا يدرك العالم أنها بدأت إلا عندما تتعطل الأشياء التي اعتاد عليها. وهنا تكمن خطورة الفضاء الجديد.

فالدولة التي تستطيع رؤية خصمها من الأعلى تمتلك أفضلية كبيرة. والدولة التي تستطيع حماية عيونها في السماء تستطيع أن تحافظ على هذه الأفضلية.
لقد أصبح التفوق في الفضاء جزءاً من التفوق على الأرض. وربما تكون المفارقة الأكبر أن الإنسان الذي أراد أن يفتح الفضاء أمام البشرية بدأ يحوله تدريجياً إلى ساحة جديدة للصراع.

لم تعد المعركة فقط على الأرض أو في البحر أو الجو. هناك معركة أخرى تجري فوقنا ولا نراها. معركة على المعلومات وعلى الاتصالات وعلى القدرة على الرؤية. ولهذا فإن سباق القوى الكبرى نحو الفضاء ليس سباقاً نحو النجوم بقدر ما هو سباق نحو امتلاك المعرفة في اللحظة التي يحتاجها القرار.
من يرى أولاً يعرف أولاً.
ومن يعرف أولاً يستطيع أن يتحرك أولاً.
وفي عالم تتحول فيه المعلومة إلى قوة يصبح القمر الصناعي أكثر من آلة تدور حول الأرض.
إنه عين للدولة وأحياناً أذنها وذاكرتها.
وقد يصبح في لحظة من لحظات الصراع هدفاً بحد ذاته.
لهذا لم يعد السؤال الحقيقي من سيصل إلى الفضاء.

الجميع وصلوا إليه. السؤال الآن هو من سيملك القدرة على البقاء فيه ومن سيستطيع أن يحافظ على عينه مفتوحة عندما يحاول الآخرون إطفاءها. الفضاء لم يعد محايداً. لقد أصبح الجبهة الجديدة لصراع القوى الكبرى على مستقبل الأرض.

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد