الصّمود، القانون، الأثيوبيّون والماضويّون/ بقلم: د. رائـد فتـحي
د. رائـد فتـحي في مقاله:
د. رائـد فتـحي في مقاله:
شَهِدَت السّنواتُ الأخيرَةُ صُعودًا كَبيرًا للتّيارِ الصّهيونيّ الدّينيّ
الجَديدَ في هذا التّيارِ هو أنَّه استَلهَمَ التّجارِبَ السّابِقَةَ مِنها تَجرِبَةُ اليمينِ المُتَطرِّفِ مُتَمَثّلاً بالحرَكات: "كاخ" كهانا، "هتحيا" و "مولِدت" الّتي كانَت تَدعو إلى طَردِ الفلسطينيّين من أرضِهِم
مَعرَكَةَ الزّمَن تَدورُ رَحاها مَعَ القوانينَ القائِمَةً لِذا فقد عَملَ هذا التّيارُ على توليدِ قوانينَ أُخرى تُضييّقُ الخِناقَ على الفِلسطينيينَ من جِهَةٍ وتَفتَحُ بابَ التخلُّصِ من الحُضورِ الفِلسطينيِّ في المَشهَدِ الدّاخلِيّ من جِهَةٍ اُخرى
استَطاعَ الدّاخِلُ الفِلَسطينيُّ ان يُطوّرُ آليّات تثويريّةٍ تَقودُ عَملَيّاتَ النّضالِ والرّباطِ في الدّاخِلِ الفِلَسطينيِّ وذلِكَ عَبرَ المُركّباتِ المُختَلِفَةِ سواء الحِزبيّةِ او عبرَ لجنَةِ المُتابَعَةِ
هذه الآليّات التّثويريّة غالِبًا ما كانَت تُفَعَّلُ للتّعاطي معَ الأحداثِ بِبُعدِها الماضويِّ ومِثالُ ذلِكَ: إحياء ذِكرى النّكبة ويوم الأرض، وشُهداء الأقصى..
الوَجهَ العُنصُريَّ للدّولَةِ مَعَ "بَني جِنسِها" أفرَزَ فاشيَّةً عُنصُريَّةً رافِضَةً للوجودِ الأثيوبيِّ في سياقاتِهِ العِرقيَّةِ وليسَ الإحلاليَّةِ، وبإداركٍ أنَّ الخِطابَ "النّاعِمَ" لا يُغيّرُ في واقِعِ الحالِ شيئًا جاءَت هذه المُظاهَرَةُ
شَهِدَت السّنواتُ الأخيرَةُ صُعودًا كَبيرًا للتّيارِ الصّهيونيّ الدّينيّ، رافَقَهُ تَطوُّرات في الخِطابِ الدّينيّ الصّهيونيّ ذاتِهِ، حتّى غَدا بالإمكانِ أنْ نَدّعي انّنا في مَرحَلَةِ "ما بعد الصّهيونيّة " Post Zionism. آمَنَ هذا التّيارُ أنَّ الوجودَ الفِلسطينيَّ في الدّاخِلِ الفِلَسطينيِّ يُشكّلُ عَقبَةَ كأداء في وَجهِ مُخَطّطاته في جانبَيها الصّهيونيّةِ والدّينيّةِ.
إلا أنَّ الجَديدَ في هذا التّيارِ هو أنَّه استَلهَمَ التّجارِبَ السّابِقَةَ، مِنها، تَجرِبَةُ اليمينِ المُتَطرِّفِ مُتَمَثّلاً بالحرَكات: "كاخ" كهانا، "هتحيا" و "مولِدت" الّتي كانَت تَدعو إلى طَردِ الفلسطينيّين من أرضِهِم، وعَرِفَ أنَّ هذه التّجرِبَة غير قَابِلَةٍ للتّطبيقِ. بل أدرَكَ أنَّ ما يَمنَعُ تَطبيقَ هذا الطّرحِ المُتَطرّفِ ثلاثَةُ أمورٍ أساسيَّةٍ:
- الرّفضُ القَطعيُّ من فلسطينيي الدّاخِلِ لهذا الطّرحِ والمُجاهَرَةُ بالوقوفِ في وَجهِ أيِّ مُحاولَةٍ لِفَرضِهِ.
- بَعضِ القوانينِ الّتي تَمنَعَ ذلِكَ سيّما قوانينُ الأساسِ الّتي نَصّت على الحُقوقِ العامّة.
- المُجتَمَعُ الدّوليُّ الّذي ليسَ من الّسهلِ مواجَهتُهُ في هذا السّياقِ، سيّما وأنّ الصّورَةُ العالميّةُ لدولَةِ الاحتِلالِ تَبدو في اسوءِ احوالِها.
في ظِلِّ هذا الواقِع، بدأ هذا التّيارُ بالبَحثِ عَن سُبُلٍ أُخرى يُجيّرُها لصالِحِ مَشروعِهِ القاضي بالتّخلُّصِ من الفلسطينيينَ، أهل الأرضِ الأصليينَ. ومُنذُ مَرحَلَةٍ مُبكّرةٍ، قِياسًا، أدرَكَ – هذا التّيارُ – أنّهُ بِحاجَة إلى أن يَبدأ بِتَهيئةِ السّاحَةِ القانونيّةِ للتّضييقِ على الفلسطينيينَ في الدّاخِلِ، وذلِكَ لكَي يَجِدَ الفلَسطينيُّ نَفسَهُ أمامَ خياراتٍ ضَيّقَةٍ في مَعرَكَةِ البَقاءِ على هذه الأرض. ولأجلِ ذلِكَ، فإنَّ هذا التّيارَ مُتمثّلاً ب " البيت اليهوديّ" كانَ يُعتَبَرُ حَليفًا مَضمونًا لأيِّ حُكومَةٍ يَمينيَّةٍ، وذلكَ لإدراكِهِ أنّ عامِلَ الزّمَنِ لَهُ دورهُ الكَبيرُ.
إنَّ مَعرَكَةَ الزّمَن تَدورُ رَحاها مَعَ القوانينَ القائِمَةً، لِذا فقد عَملَ هذا التّيارُ على توليدِ قوانينَ أُخرى تُضييّقُ الخِناقَ على الفِلسطينيينَ من جِهَةٍ، وتَفتَحُ بابَ التخلُّصِ من الحُضورِ الفِلسطينيِّ في المَشهَدِ الدّاخلِيّ من جِهَةٍ اُخرى.
وبِذَلِكَ يُمكِنُ الإشارَةُ إلى أنَّ المَسار الّذي يَخوضُهُ هذا التّيارُ للتّخلُّصِ من الوجودِ الفلسطينيِّ، يَمُرُّ عبرَ خَلق مُناخ قانونيّ يَسمَحُ بِذلِكَ، ولو عَبرَ التفرُّدِ بِبَعضِ مُكوّناتِ الفُسيفِساءِ الفلسطينيّةِ في الدّاخِلِ. وفي السّياقِ ذاتِه، قَد لا نَكونُ مُبالِغينَ لو قُلنا: إنَّ إعطاء " البيت اليهوديّ" وزارَةَ القَضاءِ يُشكّلُ تَهديدًا وجوديًّا واستراتيجيًّا للفلسطينيينَ في الدّاخِلِ. فإنَّ هذا التّيارَ قَد صارَ اقربَ من أيِّ وَقتٍ مَضى، من تَحقيقِ هدّفِهِ المَرحَليِّ وهو توليد القوانين الّتي تُضيِّقً الخِناقَ على الفلسطينيينَ في الدّاخِلِ، من ذلِكَ قانونَ الوطَنيّةِ، ويهوديّة الدّولَةِ، قانون النّكبة، قانون " لجان القبول" ، "سحب المواطَنة"، "منع المقُاطعة"، سحبُ الغِطاء القانوني عن اللُغَةِ العربيّةِ...... والكثير من القوانين الأُخرى.
مكامِنُ الخَطَرِ
استَطاعَ الدّاخِلُ الفِلَسطينيُّ ان يُطوّرُ آليّات تثويريّةٍ تَقودُ عَملَيّاتَ النّضالِ والرّباطِ في الدّاخِلِ الفِلَسطينيِّ، وذلِكَ عَبرَ المُركّباتِ المُختَلِفَةِ سواء الحِزبيّةِ او عبرَ لجنَةِ المُتابَعَةِ. لَكِنَّ هذه الآليّات التّثويريّة غالِبًا ما كانَت تُفَعَّلُ للتّعاطي معَ الأحداثِ بِبُعدِها الماضويِّ، ومِثالُ ذلِكَ: إحياء ذِكرى النّكبة، ويوم الأرض، وشُهداء الأقصى... وأمّا القضايا الحياتيّة والمَعيشيّة، فلَم يَنجَح الفِلَسطينيّونَ في الدّاخِلِ بِحَملِ الأثقالِ والهمومِ اليوميّةِ إلى المُستوى التّثويريِّ، ذلِكُم لو استَثنينا قضايا المَسكَن.
والسّبَبُ في هذا التّخلُّفِ هو تَبايُن الأجِنداتِ السّياسيَّةِ فيما يَتعلّقُ بالقَضايا اليوميّة، فبينما تَعتَبرُ بَعضُ الأحزاب السّياسيّةِ قَضيّةً ما مِفصَليّةً تراها المُركّباتُ الأُخرى غير ذاتِ أهمّيَّةٍ وهَكذا. ودُخولاً في مَوضوعِ القوانينِ العُنصُريّةِ، فإنَّ الأحزابَ السّياسيَّةَ وقَفَت في وَجهِ هذه القوانين على المُستوى الدّراسيِّ، وفي أحسَنِ الأحوالِ، على مُستوى حَملِها إلى المًستوى الدّوليِّ.
لَكِنَّ الحَرَكاتِ السّياسيَّةَ لَم تُطوّر إلى الآن آليّات نِضاليَّةً للتّعاطي مع مشاريعِ القوانين قَبلَ سَنّها، وقَبلَ خُرجِها لفضاءاتِ التّطبيق. وإذا ما تمّ تطبيقُ هذه القوانينَ فإنّ الحركاتِ السّياسيَّةَ ولَجنَةَ المُتابَعَةَ سَتَجدان نَفسَيهما في مواجَهَةٍ مع تِلكَ القوانين، وذلِكَ جريًا على قاعِدَةِ النّضال الماضَويِّ.
الأثيوبيّون
أثبتَتْ المُظاهَرَةُ الأخيرَةُ الّتي قامَ بِها " المُهاجِرونَ الأثيوبيّونَ" أنّه لابُدَّ من خِطابٍ تَثويرّيٍّ احتِكاكيٍّ حَتّى فيما يتعلقُ في القَضايا الحياتيّة، وليسَ فقط فيما يتعلّقُ بالقضايا الأيديولوجيّة. فإنَّ الوَجهَ العُنصُريَّ للدّولَةِ مَعَ "بَني جِنسِها" أفرَزَ فاشيَّةً عُنصُريَّةً رافِضَةً للوجودِ الأثيوبيِّ في سياقاتِهِ العِرقيَّةِ، وليسَ الإحلاليَّةِ، وبإداركٍ أنَّ الخِطابَ "النّاعِمَ" لا يُغيّرُ في واقِعِ الحالِ شيئًا جاءَت هذه المُظاهَرَةُ.
يَبدو أنّه لا يُمكِنُ ضَمانُ البَقاءِ على هذه الأرض، إلا بأنْ تَضمَنَ للنّاسِ شيئًا آخَرَ مع العقيدَةِ والأيديولوجيّة، وهو مُقوّماتُ البَقاءِ والدّيمومَةِ. وقَد ادرَكَ التّيارُ الصّهيونيُّ الدّينيُّ انّه متى هدّدَ بِسَحبِ المواطَنَةِ ومَنعَ إحياءَ النّكبَةِ، وحاكَمَكَ لأنَّكَ تَدعو لمُقاطَعَةِ مَنتوجاتِ المُستَوطَناتِ، فإنّه سيَقطَعُ اليدَّ التّثويريَّةَ النّضاليَّة في القَضايا الوَطَنيّةَ.
وَمِن تَجرِبَةٍ، فإنَّ إقناعَ النّاسِ بِضَرورَةِ الدّعوة للمُقاطَعَةِ ولو كانَ فيها مُخالَفَةً قانونيَّةً، وإحياءَ يومِ النّكبَةِ ولو كانَ فيها مُخالَفَةً قانونيَّةً مَنهَجًا لا تَرتَضيه أغلَبُ الحَركاتِ السّياسيَّةِ، بل كُلّها. وإذا كانَت الحَرَكاتُ السّياسيَّةُ لا ترتَضيهِ، فإنّ صِراعَها يَنبَغي أن يَكونَ بأثَرٍ رَجعيٍّ وذلِكَ بأنْ تَبذُلَ قُصارى جُهدِها وطاقَتَها من أجلِ الوقوفِ بِوَجهِ هذه القوانين َقَبلَ أن تُفعّلَ.
وقَد اثبَتَت المُظاهرَةُ الأخيرَةُ الّتي قادَتها لَجنَةُ المُتابَعَةِ في تل-أبيب أنّ بِالإمكانِ تَوسيعِ ساحَةِ النّضالِ، لمواجِهَةِ التّحديّاتِ الّتي تواجِهُ الفِلَسطينيَّ في الدّاخِلِ. وإنَّ ما على الحَرَكاتِ ولَجنَةِ المُتابَعَةِ القِيامَ بِهِ في المَرحَلَةِ القادِمَةِ هو المُجاهَرَةُ بل المواجَهَةُ في إعلانِ رَفضِ أيِّ قوانين هَدَفُها المَسُّ بالوجودِ الفِلَسطينيِّ في الدّاخِلِ، وإلا فإنَّ الفِلَسطينيينَ سيَجِدونَ أنفُسَهم إزاءَ واقِعٍ يُكبّلُ نِضالَهم ويُحدّدُ سَقفَ الأداوتِ التّثويريّةِ الّتي تَضمَنُ بِقاءَهم على أرضِهم معَ حِفاظِهم على هويّتِهم.
المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر . لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.net