الشبيبة العرب والدور المنشود بقلم: إبراهيم صرصور
لا أميل عادة إلى التسليم بمعطيات كثير من الدراسات الإسرائيلية حول المجتمع العربي ، إلا أنني يجب أن أقر أن هنالك دراسات وأبحاثا لا نملك حيالها إلا أن نندهش أولا من مضامينها المهمة ، وثانيا من القضايا المفصلية التي تتناولها ، وثالثا الأسلوب العلمي والمنهجي – غالبا مَسْحي ميداني - الذي يتم التعاطي به مع هذه الملفات ذات الأثر المباشر على حاضرنا ومستقبلنا ... هذه الأبحاث تستدعينا – بعيدا عن النبش في النوايا – إلى مداهمة الحقائق المستخلصة ، والاستفادة منها إلى أقصى مدى ممكن حيثما رأينا ذلك مناسبا ومفيدا .. أعتقد أن هذه قاعدة لا يقع الخلاف فيها على الأقل في أغلب الأحيان .
لا أميل عادة إلى التسليم بمعطيات كثير من الدراسات الإسرائيلية حول المجتمع العربي ، إلا أنني يجب أن أقر أن هنالك دراسات وأبحاثا لا نملك حيالها إلا أن نندهش أولا من مضامينها المهمة ، وثانيا من القضايا المفصلية التي تتناولها ، وثالثا الأسلوب العلمي والمنهجي – غالبا مَسْحي ميداني - الذي يتم التعاطي به مع هذه الملفات ذات الأثر المباشر على حاضرنا ومستقبلنا ... هذه الأبحاث تستدعينا – بعيدا عن النبش في النوايا – إلى مداهمة الحقائق المستخلصة ، والاستفادة منها إلى أقصى مدى ممكن حيثما رأينا ذلك مناسبا ومفيدا .. أعتقد أن هذه قاعدة لا يقع الخلاف فيها على الأقل في أغلب الأحيان .
من المُسَلَّمِ به أن قطاع الشباب في أي مجتمع هو من أهم القطاعات وأخطرها ، فبه تقاس الأمة سلبا أو إيجابا ، إقداما أو إحجاما ، وتقدما أو تخلفا ... بناء عليه خصصت الشعوب الواعية من خالص مواردها وبلا حدود في سبيل إعداد جيل شبابها لتحمل مسؤولياتهم حيال مجتمعاتهم حينما يأتي الوقت المناسب ... لا نبالغ أبدا إذا قلنا أنه بقدر ما تستثمر الأمة في إعداد شبابها، تكون قد ضمنت لها موقعها في حياة العالمين، وإلا فلن يكون مصيرها إلا النسيان حتى لو كان عددها مثل زبد البحر ورمل الصحراء...
وقع في يدي مؤخرا كتاب جديد هو خلاصة أبحاث قدمها خبراء يهود وعرب في مؤتمر رعاه ( مركز دايان لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا ) في جامعة تل أبيب ، وأشرف على الإعداد له وتنفيذه صندوق ( كونرد أدناوار ) ، في إطار مشروع التعاون اليهودي – العربي ، حمل عنوان ( الشباب العربي في إسرائيل : بين الأمل والخطر ) ... التقطت من هذه الأبحاث المستفيضة عددا من النقاط الهامة التي نحتاجها من اجل إطلاق مشروع إصلاح / إنقاذ حقيقي لهذا القطاع الهام و الحيوي في مجتمعنا قبل أن تقع الكارثة . قدر الله سبحانه أن أطلع على هذا البحث في وقت بحثت فيه ( لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في إسرائيل ) في جلستها الأربعاء 2.9.2009 ملف العنف في مجتمعنا العربي ، والتي اعترف فيها الحاضرون بخطورة الوضع الناتج عن تدهور خطير في مسلكيات قطاع الشباب بشكل خاص ، بدأ يشكل خطرا داخليا داهما فوق الأخطار والتحديات التي يواجهها مجتمعنا العربي من خارجه وبالذات من السياسات الحكومية ، والفضاء الالكتروني المفتوح ..
أقف هنا على أهم المعطيات الواردة في هذه الأبحاث ، لعلها تكون ناقوس خطر يدفعنا إلى عمل شيء ما للنهوض بشريحة الشبيبة العرب ، ووضعها على الطريق الصحيح ...
أولا : نسبة فئة الشبيبة ( من جيل 12 إلى 18 عاما ) حسب إحصائيات 2007 من مجمل العدد الإجمالي للجمهور العربي هي 15.3% . نسبة الشبيبة العرب من مجمل أبناء الشبيبة في إسرائيل بلغت 27.3% ، وهي نسبة أعلى من نسبة السكان العرب من عموم السكان في الدولة : 19.9% .
ثانيا : نسب الانتماء إلى إطار تعليمي لدى الأولاد اليهود والعرب في عمر البستان الإلزامي والابتدائي ( 5 – 13 ) ، متساوية بين اليهود والعرب . إلا أن الفجوة تبدأ بالاتساع بشكل واضح لدى فئة الشبيبة ، حيث تصل ذروتها عند جيل ( 16 – 17 ) . ففي الوقت الذي يواصل فيه كل الشبيبة اليهود تقريبا الأطر التعليمية في هذا الجيل ، يتبين أن واحدا من كل ستة من أبناء الشبيبة العرب لا ينتمي إلى إطار تعليمي ،( نسب تسرب عالية سواء كانت صريحة أو مقنعة أي تحصيل علمي اقل من الحد الأدنى المطلوب ) ...
ثالثا : تشير معطيات مؤسسة التأمين الوطني إلى أن ارتفاعا طرأ في السنوات الأخيرة على نسب الفقر بين الأولاد والشبيبة العرب حتى سن الثامنة عشرة ، وذلك من 52.1% في العام 2001 إلى 67% في العام 2006، وهي نسبة أعلى بكثير جدا منها في الوسط اليهودي والتي وصلت إلى 24.35% فقط في العام 2006 . لهذا الوضع أثر مباشر على الشبيبة وأنماط سلوكياته سيما الخطيرة منها كتعاطي المخدرات والتدخين وتعاطي الكحول والعنف والانحراف الخلقي والتمرد على الضوابط الاجتماعية والموروث الديني والوطني والقومي ، وضعف الشعور بالانتماء إلى المحيط ، إلى البلد وإلى الوطن وإلى الشعب ، فقدان الأمل والطموح وضياع الذات وسط زحام الأوهام ، ضياع البوصلة وغياب المرجعيات الضابطة لحركته تجاه الذات وتجاه الآخر . إلى غير ذلك من النتائج المدمرة ...
رابعا : يرى الدكتور خالد أبو عصبة أن المجتمع العربي في إسرائيل يعاني من أزمة اجتماعية ثقافية قيمية وأخلاقية تنعكس على أجيال الشبيبة ، ويعتبر ما أسماه ( التقاطب ألقيمي ) واحدا من أعراض أزمة هذا المجتمع ، ويطالب بمواجهة المتغيرات الاجتماعية بدل الوقوف جانبا دون حراك .
خامسا : يضع الدكتور إيلي ريخس بدوره ملامح ما أسماه بالعالم السياسي القومي لأبناء الشبيبة العرب ، ويتحدث عن ثلاثة أطر : اليساري – القومي وهو ذو أنماط عمل سياسي تقليدي ، الإسلامي الذي يركز على بناء الإنسان خلقيا وقيميا ضمن رؤية أممية ، وإطار يعمل خارج الإطار المؤسسي . يرى د.ريخس أن أبناء الشبيبة العرب اليوم أكثر نضجا واستعدادا للنضال من أجل نيل الحقوق كحق لا كمنة من الدولة .
سادسا : د. خولة أبو بكر قسمت الأجيال إلى ثلاثة : " جيل الباقين " ، " جيل المتآكلين " و " الجيل المنتصب / الشامخ " ، وهو جيل الشبيبة والشباب العربي الذي يتعرض حسبما تقول ، إلى هجمة سلطوية تهدف إلى كسر شوكته وإرهابه حتى يتخلى عن شموخه وإصراره في العدالة والمساواة والحياة الكريمة . تطالب د. أبو بكر بالاعتراف بالجمهور العربي باعتباره صاحب احتياجات متنوعة وكثيرة ، تفرض على الدولة ملائمة حلولها لهذه الاحتياجات .
سابعا: بني ففرمان مدير الإدارة والبحث في وزارة الصناعة والتجارة يشير في ورقته إلى أن 71% من الشبيبة العرب يتعلمون ولا يعملون، 7% يعملون ويتعلمون، بينما 22% لا يتعلمون ولا يعملون. يقر المسئول الإسرائيلي بأن المجموعة الأخيرة هي ( مجموع المخاطرة ) ، بينما المجموعة الموازية لها في الوسط اليهودي أقل من 5% ،كما يخلص إلى أن الحل يجب أن يكون عميقا يتجاوز الشبيبة الذين هم إفراز طبيعي لأوضاع اقتصادية متردية تعيشها العائلات والأسر العربية بشكل عام .
ثامنا : يتهم الدكتور أيمن إغبارية وزارة التعليم الإسرائيلية بعجز كبير في مجال التربية للمواطنة في المدارس العربية . منهاج التعليم للمواطنة لا يشمل نقاشا للحقوق الجماعية للأقلية العربية على حد قوله ، ولا يعبر عن الهوية الفلسطينية ، وما يزال يؤكد على الرواية الصهيونية ولا يشمل اقتراحا لثقافة مدنية مشتركة لليهود والعرب . جهاز التعليم العربي في رأيه يعاني من إهمال السلطة من جهة ، وإحكام سيطرتها عليه من الجهة الأخرى ، الأمر الذي يمنع المدرسة من القيام بوظائفها الاجتماعية إضافة إلى دورها في تحقيق الإنجاز العلمي ، كما يمنع الشبيبة من إجراء نقاش ناقد سعيا لبلورة هوية وثقافة مدنية ترتكز إلى روايتهم .
تاسعا : بروفسور فيصل عزايزة ود. أبو عصبة ود. منى خوري ، استعرضوا نتائج دراسات وأبحاث مسحية حول العنف في المدارس واستعمال المخدرات والكحول ، حيث اعتبروا العامل الديني من العوامل الحاسمة في انخفاض معدلات التعاطي مع الممنوعات واستعمال العنف .
عاشرا : السيدة مريم كوهن نفوت استعرضت نتائج أبحاث واستطلاعات للرأي في أوساط الشباب حول عادات قضاء أوقات الفراغ لدى أبناء الشبيبة العرب واليهود ، وخلصت إلى ضرورة تعزيز التعليم اللامنهجي وإلى تطوير البنى التحتية والمنشآت الجماهيرية ليتمكن أبناء الشبيبة العرب من قضاء أوقاتهم في أجواء صحية آمنة .
حادي عشر : السيدة باوله كاهن – ستربوشنسكي من معهد بروكديل أشارت إلى أن أحد نتائج بحثها دلت على أن نسبة أبناء الشبيبة من العرب واليهود الذين يواجهون صعوبات في التحدث على أهاليهم عالية ، كما وأشارت إلى أن الشبيبة الذي ينجحون في إقامة علاقات شراكة مع الأهل هم أكثر نجاحا في مدارسهم من الذين يفشلون في ذلك . خلصت الباحثة إلى أن العلاقات الطيبة بين الشبيبة وأهاليهم عامل ضروري إلى حد بعيد في مساعدة الشبيبة العرب على التعامل بمسؤولية مع المشاكل التي تواجههم في الحياة ، خصوصا في مجتمع معرض لتغيرات مجتمعية سريعة .
ثاني عشر : السيدة طال دوليف مديرة البرنامج الوطني للأولاد والشبيبة في وزارة الرفاه ، تتناول في بحثها الرفاه النفسي للشبيبة العرب ، حيث تشير إلى أن أبناء الشبيبة العرب يعانون أكثر بكثير من أبناء الشبيبة اليهود على خلفية الحالات العاطفية ، فهي عند العرب 40% تقريبا ، بينما هي عند اليهود 25% . أما عن حالات الأرق فتصل عند فئة الشبيبة العرب إلى 25% ، بينما تنزل عند أقرانهم من اليهود على 13% . تحذر الباحثة من مغبة اهتمام الأهالي والشخصيات المهنية بالمظاهر الخارجية للمخاطر دون التركيز بصورة كافية على الحالات النفسية.
ثالث عشر : لي برلمان المحاضر في جامعة تل أبيب تحدث في مقاله عن جدوى اللقاءات التي تعقد بين أبناء الشبيبة العرب واليهود ، حيث اعترف بأن الوعي الذاتي لدى الشبيبة العرب في ارتفاع مستمر ، مما يدفعهم دائما إلى إجراء نقد للجدوى من هذه اللقاءات وقواعد اللعبة فيها . يعترف الخبير بأن المناهج التربوية قاصرة حتى الآن عن صياغة الإطار الذي يمكن أن يشكل القاعدة للقاءات مثمرة وناجحة ، خصوصا بعد الأحداث الأخيرة كأحداث أكتوبر 2000 ، والذي في رأيه عززت حالة من عدم الثقة من جهة الشبيبة العرب تجاه مثل هذه اللقاءات المشتركة ، مما يفرض على إسرائيل كحكومة ومؤسسات ونخب ومنظمات مجتمع أهلي أن تجد الطريقة لبناء موديل مناسب يحقق طموحات الأطراف بشكل متساوي .
أعتقد أن كل ما ورد في هذه الدراسات والأبحاث مهم جدا مهما اختلفنا أو اتفقنا معه ، إلا أن القضية المهمة التي لفتت انتباهي هي حضور العامل الديني بقوة ، على اعتباره من العوامل المهمة في ضبط السلوك لدى الشبيبة العرب ، وهذا ما تعرضه الحركة الإسلامية وتدعو إليه وتسعى إلى تحقيقه ، ونحن على ثقة في انه بقدر ما يرتقي الشبيبة إلى عظمة دينهم وصفاء عقيدتهم ، وبقدر ما يستشعرون من انتماء لجماهيرهم ومسؤولية تجاه قضاياهم ، سنجد أمامنا عمالقة في أجساد شباب وشبيبة ... الوصول بهؤلاء الذين هم فلذات أكبادنا إلى شاطئ الأمان هذا هي مسؤوليتنا كمجتمع ، وليست مسؤولية أي احد آخر .