التربية تبدأ من الداخل/ بقلم : دادي كوميم
دادي كوميم في مقاله:
دادي كوميم في مقاله:
تكرار اعتداءات الكراهية يدل على تعاظم العنف وكراهية الآخر وعلى تنامي شرعية الاعتداء على العرب
التعرف عن قرب على المعلمة العربية وعلى ثقافتها ولغتها وحياتها اليومية يؤدي إلى تغيير حقيقي في مواقف الطلاب تجاه العرب
الاعتداءات على العرب في الحيز العام تتزايد يوما بعد يوم. إنها تضع أمام المجتمع الإسرائيلي مرآة، والصورة التي تنعكس منها تثير القلق الشديد. تكرار اعتداءات الكراهية يدل على تعاظم العنف وكراهية الآخر وعلى تنامي شرعية الاعتداء على العرب. الخطاب العنصري والعنيف أصبح في السنوات الأخيرة أمرا شائعا، ونراه ينتصب أمام ناظرينا في كل مكان- في ردود متصفحي مواقع الأخبار، في الشارع، في الملاعب وحتى في تصريحات منتخبي الجمهور. والمعلمين يحذّرون من آفة تفشي العنصرية في المدارس والتي وصلت إلى مستوى يصعب التعامل معه.
الخطاب المستفز
الاعتداءات الأخيرة هي تعبير خطير عن الخطاب المستفز، وربما أكثر من ذلك- الصمت المتواصل من قبل قيادة الدولة وعن الأسلوب المترهل في تطبيق القانون، كما يعتقد الكثيرون. لكننا لن نتحمل المسؤولية الملقاة على عاتقنا، كمجتمع، إذا لم نتعامل مع جذور المشكلة، بدايتها: التربية.
قبل اسبوعين تعرضت معلمتان في المدرسة الإعدادية "عالوميم" في رماته شارون، لاعتداء عنصري عندما كانتا في طريقهما للمدينة لتقديم واجب العزاء. الاعتداء نفسه لا يختلف، للأسف الشديد، عن الاعتداءات التي وقعت مؤخرا- مرة أخرى تهجم كلامي وجسدي تضمن شتائم بذيئة، إلقاء حجارة أدى إلى تحطيم زجاج السيارة التي استقلتها المعلمتان وثقب الإطارات أيضا. وقد حدث كل ذلك بعد أن لاحظ المعتدون الحجاب الذي وضعته المعلمة سُهاد- وهي معلمة عربية مُسلمة تُدرّس في المدرسة الإعدادية مع زميلتها اليهودية.
رد فعل الطلاب والمعلمين
ما لفت انتباهي في حقيقة الأمر كان مقالا ركّز على رد فعل الطلاب والمعلمين في المدرسة في اليوم الذي تلا الحادثة ("دعم ومساندة؛ المعلمة التي تم الاعتداء عليها: قالوا "كلبة تمشي مع عربية"، موقع واي نت، 7.3.13). المعلمون تحدثوا مع الطلاب، وعلى مدخل المدرسة تم وضع لوح كبير وعليه عشرات رسائل التضامن والمساندة من الطلاب. "سهاد... نحن نستنكر السلوك العنصري... نتمنى أن تكوني قوية. اعلمي أن الجميع هنا يحترمك ويقدرك"؛ "أنت معلمة رائعة وداعمة، أنت لا تختلفين عنا..." كتب الطلاب للمعلمة سهاد. آخرين دعموا المعلمة رافيتال على الطريقة التي دافعت بها عن زميلتها. هذا الأمر ليس مفهوم ضمنا.
قانون التعليم الرسمي لسنة 1953 الغى التيارات الحزبية العديدة التي سادت حتى تلك المرحلة في جهاز التعليم، لكنه أبقى أجهزة تعليم منفصلة للأوساط المختلفة في المجتمع: تعليم رسمي، رسمي- ديني، رسمي – عربي ومستقل ديني حريدي (لليهود المتزمتين) هذا الواقع هو السبب الرئيسي لانعدام التواصل وللتقاطب المحتدم بين أجزاء المجتمع، ويُشكل أرضا خصبة لتنامي الأفكار النمطية. ويبرز بشكل خاص في هذا السياق الانقسام بين المواطنين اليهود والعرب. اللقاء الأول الحقيقي بينهم قد يكون فقط في الجامعة أو في مكان العمل، إن حصل ذلك أصلا.
لقاءات مشتركة
للأسف الشديد، وعلى الرغم من مرور سنوات عديدة منذ سن القانون المذكور، وبالرغم من التوصيات الهامة التي تم قدمتها مر السنين لجان مهنية مختلفة- فإن نجاح الدولة في التجسير على الفجوات وفي ترسيخ مبدأ الحياة المشتركة ظل محدودا للغاية. ليس هناك أي برنامج قطري يهدف إلى عقد لقاءات مشتركة بين الطلاب (والمعلمين) اليهود والعرب، وفي جهاز التعليم العبري بمختلف تياراته، لا يقدمون أي معرفة تُذكر عن التراث والثقافة والتاريخ العربي. وحتى تدريس اللغة العربية الإجباري للصفوف الثامن- العاشر، يتم في بعض المدراس فقط، وعادة لا يستمر لأكثر من سنتين أو ثلاث سنوات.
قبل 7 سنوات بدأ تطبيق البرنامج التعليمي "يا سلام" لتدريس اللغة والثقافة العربيتين في صفوف الخامس والسادس في المدارس العبرية. في هذه الأيام يُطبق البرنامج، الذي طوره صندوق مبادرات إبراهيم، من قبل وزارة المعارف في 200 مدرسة تقريبا في مختلف أنحاء البلاد (في مدينة حيفا وفي لواء الشمال يتم تطبيق البرنامج كبرنامج إجباري في جميع المدراس)، وفي إطاره تم دمج 100 معلم ومعلمة عرب في هيئات التدريس في المدارس العبرية. نجاح المعلمات العربيات في هذا البرنامج أدى إلى دمج معلمات عربيات في المدارس الإعدادية أيضا.
حياة مشتركة
المدراء والمربون يؤكدون أن التعرف عن قرب على المعلمة العربية، وعلى ثقافتها ولغتها وحياتها اليومية، يؤدي إلى تغيير حقيقي في مواقف الطلاب تجاه العرب. ردود الطلاب والمعلمين في المدرسة الإعدادية "عالوميم"، التي تُدرس فيها المعلمة سُهاد، هي نقطة ضوء في هذه القضية. إنها تؤكد على الفائدة التي يحملها التعليم لحياة مشتركة وعملية دمج المعلمين في مختلف التيارات التعليمية. وقد عبرت عن هذا الأمر مربية في المدرسة حيث قالت: "نربي في المدرسة على التسامح ونبذ العنصرية. وقد جنينا الثمار هذه المرة."
• الكاتب هو مدير مجال التعليم في جمعية "مبادرات صندوق إبراهيم"، التي تعمل على المساواة والدمج لحياة مشتركة بين اليهود والعرب في إسرائيل.
موقع العرب يفسح المجال امام المبدعين والموهوبين لطرح خواطرهم وقصائدهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع منبرا حرا في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية منبر العرب. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع على العنوان:alarab@alarab.net