الأقصى...استفراد واستحواذ-بقلم: محمد كبها
المشهد الذي نعيشه في هذه الأيام، من حصار للمسجد الأقصى وانتهاك لحرمته، لهو مشهد متوقع وليس مفاجئاً لمن اطلع ولو بالقليل على مشروع المؤسسة الإسرائيلية تجاه المسجد الأقصى خصوصاً والقدس عموماً. فالمؤسسة الإسرائيلية قد بدأت بمشروع تهويد القدس والاستحواذ على المسجد الأقصى منذ سنواتٍ خلت, فالمشاريع الاستيطانية في القدس الشريف والانتهاكات المستمرة لقدسية المسجد الأقصى, لهي نتاج خطة مبيتة ، مُمنْهَجة ومدروسة بدأت تظهر نتائجها الجليّة كما يتكشف لنا بجهود مؤسسة الأقصى عبر وسائل الإعلام, والمخفي أعظم.
دولة إسرائيل ومنذ قيامها عكفت على الاستفراد وانتهاج سياسة "فرّق تسد", فخلال السنين تحولت قضية فلسطين من قضية عالمية وكارثة إنسانية إلى قضية العالم الإسلامي وسرعان ما تحولت إلى قضية "الصراع العربي – الإسرائيلي", والتي منذ كامب ديفيد الأول بدأت تتحول تدريجيا إلى "فلسطين للفلسطينيين", وحَسِب الجميع أن الأمر ممكن أن يقف إلى هذا الحد, إلا أن ما بيتته المؤسسة الإسرائيلية كان أدهى من ذلك, فقامت وبمعاونة رفاقها من سلطة أوسلو بتحويل القضية إلى صراع سلمي يتداول على طاولة المفاوضات, وهي طبعا التي تفرض شروطها المسبقة, وترفض ذلك من الجانب الفلسطيني المفاوض, لأنها اعتادت أن الاتفاق هو ما يتواجد على "أرض الواقع" وليس وفق أشياء تاريخية فذلك لا يعنيها, حتى أنها توصلت إلى فصل تضامن الضفة مع غزة, فكل منه! ما قضية منفردة ولا علاقة بينهما, وأجلت للحل النهائي قضية القدس والأقصى وقضية اللاجئين والحدود,( لا اعرف ماذا تبقى ليتفاوض عليه, للاستفسار يرجى التوجه لسلطة أوسلو), حتى تفعل ما يحلو لها, وتفرض على ارض الواقع أمورا لا يمكن التغاضي عنها, ففرضت جدار الفصل العنصري ليحل مكان حدود الخامس من حزيران 1967, وزادت من بؤرها الاستيطانية الصغيرة في الضفة ليكون مدار الحديث عنها, وتستبعد إلى أجل غير مسمى, الكتل الاستيطانية الكبيرة. وعكفت على تهويد القدس وزيادة الاستيطان فيها ومصادرة الأملاك الفلسطينية من أصحابها, وأوامر الهدم لأحياءٍ كاملة, والحفريات المستمرة تحت المسجد الأقصى, وبناء الجسر عند باب المغاربة والاقتحامات المستمرة للمسجد الأقصى من سوائب المستوطنين, لتفرض حلا على ارض الواقع, ألا وهو التقسيم, الذي هو شرٌّ وأخطر ممّا حدث في الحرم الإبراهيمي, لتقنع العالم بأن هذا الحل هو عين الصواب ويرضي الطرفين وكل يأخذ مطلبه.
فالأحداث الأخيرة تجري تحت صمت سلطة رام الله التي فرّطت بدماء الشهداء وكانوا إسرائيليين أكثر من الإسرائيليين, وحتى أن رئيسهم لم يهتم لما يحدث في المسجد الأقصى وكأن الذي يجري هو في جزر الواق واق وليس في القدس الشريف, وظل ساكتا صامتا وهو وغيره من الزعماء والحكام الشريكين في المؤامرة, وحسب ما يقول المثل (إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من عرب), واختار طوعاً أن يظل شاردا في اليمن خوفاً من فضيحته التي قام بها عنه مندوبه في جنيف, وطبق المثل القائل (الشرادة ولا الفضيحة), وبعد ان رأى سوء فعلته أطل عبر وسائل الإعلام وجاء بعذر أقبح من ذنب, وأنه لا علاقة له بسحب تقرير جولدستن, ولكن ممكن أن نعذره, "فقطع الأعناق ولا قطع الأرزاق".
لست أعيب المؤسسة الإسرائيلية على أفعالها, فما فعلته وما تفعله ليس غريبا فبحسب تعبيرهم أنهم يعملون من أجل تحقيق غايتهم. ولكن إن أردنا أن نعيب أحدا على موقفه, فحدّث ولا حرج عن من زعمّوا أنفسهم على الفلسطينيين وجاء عبر بوابة أوسلو, ,ولكنّ الأعمال في خواتيمها, والعبرة ليست في من سبق ولكنّ العبرة في من صدق, فأوّد أن أقولها صريحة مدوية, إنني لا أتذكر لهم موقفا مشرفا منذ أوسلو, فأولئك من المفروض أن أعيبهم, ولكنني يئست منهم ولا انتظر منهم خيرا ولا أظنّهم قد يعوّل عليهم في أي خير ممكن ان يأتي لشعبهم, فصدق المندوب النرويجي حين قال إننا لن نحّن على الفلسطينيين أكثر من أهلهم, (واللي بدلل على بضاعته, بترخص).
فإنني أعيب على أولئك الزعماء والحكام الذين ماتت فيهم حتى نخوة التنديد والشجب والاستنكار, فقد يُعذر بعضهم لانشغاله بمباريات كرة القدم أو بسباق السيارات و سباق الخيول, فغابوا عن الساحة, ولم يكن عندهم المتسع من الوقت لإصدار أي بيان شجب أو استنكار (هذا ان أزعجهم الأمر), فلم نسمع لا تنديدا ولا دعوة لاجتماعٍ لجامعة الدول العربية, ولا دعوات لكفّ الانتهاكات, وحتى إن بعض وسائل الإعلام العربية لم ترتق لمستوى الحدث ولم تساهم في تغطية الأحداث لما يمكن أن يكون مردوده إيجابيا على الأمور. لكن, لست على أولئك أعوّل, فكلٌ منهم خلف أتانه يتقملّ.
وإلى قائمة من أعيب, أضيف علماء ومشايخ الذين من المفروض أن يكون لهم دور ريادي في دعم القضية, و أتوقع من شيخ الأزهر أن يهتم بما يجري في الأقصى وأن يري الجميع موقفا مشرفاً لا أن يقوم بالانشغال بقضية النقاب ومنعه وكأنّ قضايا الأمة قد حُلّت وتبقى الخلاف الفقهي في النقاب,(أو ما زلنا نلوم فرنسا!!), فمنه يُتوقع مواقفاً أكثر ايجابية وأكثر حزما, وعلى باقي العلماء الشرفاء, عليهم جميعاً يُعوّل من أجل نصرة المسجد الأقصى المبارك.
على تلك الآلاف المؤلفة من الجماهير العربية التي خرجت في عرابة معلنةً حفاظها على هوية الانتماء وعلى وفائها للشهداء, وتلك عشرات الآلاف الذين جددوا بيعتهم لقضية المسجد الأقصى بمهرجان الأقصى في خطر, وأخص بالذكر أولئك الأبطال من يرابطون ويعتكفون في المسجد الأقصى, شيبا وشبابا, فهم شرف الأمة وعزّها, ومن سالت دماؤهم واعتقلوا من أجل الدفاع عن الأقصى, والمعتصمين في خيمة الاعتصام وكل من ساهم بدعاء أو اعتصام أو شد رحال للمسجد الأقصى, وكل الأحزاب والحركات السياسية وعلى رأسهم الحركة الإسلامية, بمواقفهم البطولية المشرّفة, فعلى أولئك جميعا نعوّل في نصرة القضية والدفاع عن المسجد الأقصى المبارك, بعد التوكل على الله, وعلى كل ضمير حيّ في عالمنا العربي والإسلامي وعلى كل شريف حرّ في هذا العالم الذي قلّ وندر فيه الشرفاء.