أملٌ يتجدّد مع الإسراء والمعراج/بقلم:الشيخ حمّاد ابو دعيبس
- الشيخ حمّاد ابو دعيبس:
- الشيخ حمّاد ابو دعيبس:
* عالم اليوم أشبه بعالم الأمس ، وإنّ سيطرة قِوى الكُفر على مراكز القرار السّياسي والعسكريّ والإعلاميّ والإقتصاديّ
* أعتقد جازماّ بأنّ الله تعالى يصنعه على عينه ، ويهيئه لهذا الامر العظيم بتهيئة ربانيّة، لزمان وظرف يريده الله عز وجل وعسى أن يكون قريباً
* المسجد الاقصى المبارك كان مُحاط بالكنس والثكنات العسكريّة والطقوس المخالفة للاسلام فقد كانت الكعبة المشرفة محاطة بثلاثمائة وستين صنماً تُعبد من دون الله
ليس على وجه الأرض مدينه تستحقّ التشرُّف والاعتزاز ، وتجدُّد الأمل والابتهاج بذكرى الإسراء والمعراج مثل مدينة القدس . فذكرى الإسراء والمعراج هي للقدس هويةٌ وعنوان، وهي القُدسيّه والبركة، والمكانة والمنزلة التي اختصّها المولى عزّ وجلّ بها، وسطّرها في قرانه المجيد آيات تتلى إلى قيام الساعة. إنّها الأمل بعد الشدّه ، وإنّها الفرج بعد الكرب، وإنّها التسرية والترويح بعد العناء والتّعب . فلقد علم كل من اطّلع على السيرة النبوية أنّ المرحلة التي سبقت الإسراء والمعراج ، كانت على النّبي صلّى الله عليه وسلم وأصحابه في مكة، مرحله شدّة وابتلاء. فقد تنكّر له قومه وكذّبوه ، وحرّضوا ضدّه وألبوا عليه . وآذوه – عليه الصّلاة والسّلام – في نفسه وجسده وسمعته ، وفي أصحابه وأرحامه وأتباعه. ولم يُبقوا نوعاً من أنواع الأذى والكيد والإجرام إلّا وارتكبوه في حقّهِم . فصبر النّبي الكريم – صلّى الله عليه وسلّم- وصبر أصحابه واحتسبوا عند الله تعالى .
وبعد حصار المسلمين وبني هاشم في شعب أبي طالب لثلاث سنوات ،وبعد وفات أبي طالب عمّ النّبي – صلّى الله عليه وسلّم- ووفاة زوجته خديجة، في العام الذي سُمِّي عام الحزن ، وبعد ما لقيه النّبي – صلّى الله عليه وسلّم – من صدٍّ وأذى من أهل الطّائف ، ومنع أهل مكّة دخوله اليها ، حتّى اضطّر أن يدخلها في حمايه المشرك مُطعم بن عديّ ؛ بعد هذا كلّه جاء الفرج والتّسرية والتّرويح والتّكريم للنّبي الكريم برحلة الإسراء والمعراج .
فالقدس التي استقبلت النّبيّ الحبيب صلواتُ ربّي وسلامُه عليه ،في الإسراء كانت بداية الفرج . وكان الإسراء إيذاناً بانتهاء مرحلة الذلة والضّعف ، وبداية مرحلة الفتح والعزّة والنّصر ، والإسراء كان فتحاً معنويّا للقدس ، يمهّد لفتحها الميدانيّ والفعليّ الذي تحقق لاحقاً في عهد الخليفة الرّاشد امير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، والإسراء كان كذلك تاكيداُ للهويّة الاسلاميّة بلا منازع للقدس ، وبلاد الشّام جميعها ، والاية الكريمة التي تُتلى الى قيام الساعه تاكّد ذلك : " سبحان الذي أسرى بعبدة ليلاً من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله " فالاقصى اذاً بشهادة القران المجيد مسجدٌ مبارك ما فيه ومبارك ما حوله ، ليس كنيسا ًولا معبداً ولا هيكلاً .
ثم ياتي المعراج وفيه الرحلة المعجزة الى السماوات العُلى ، والى سدرة المنتهى وما بعدها ، حيث لم يبلغ ذلك المكان إنسٌ ولا جانٌّ ، ولا نبيّ مرسل ولا مَلك مقرّب إلّا الحبيب المصطفى المُشفّع صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه . وهنالك فُرضت على حبيبنا المصطفى الصلاة وجُعلت قِبلة المسلمين الاولى المسجد الاقصى المبارك .وهذا شرفُ اخر للمسجد الاقصى وللقدس وفلسطين وبلاد الشام . ثم تاتي الاحاديث النبويّة بعد ذلك تؤكّد مكانة الأقصى والقدس ، " لا تُشدّ الرّحال إلّا الى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام والمسجد الاقصى ومسجدي هذا " . و " صلاة في المسجد الاقصى بخمسمائة صلاة " و " ايتوه فصلّوا فيه فإن لم تقدروا ، فاهدوا اليه زيتا يُسرج فيه " . والمسجد الاقصى واولى الفبلتين وثاني المسجدين ( تاريخيّا ) وثالث الحرمين الشريفين ( قداسة ومكانة ) .
أكثر الاخبار تؤكّد أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دخل المسجد الأقصى في ليلة الإسراء ، السابع والعشرين من رجب ، وأن السلطان النّاصر صلاح الدّين الايوبيّ دخل القدس محرراً وفاتحاً بعد أن دحر الصليبين في السابع والعشرين من رجب أيضاً . وكأنّ الإسراء والمعراج عهد متجدّد مع القدس والاقصى . إنها مسيرةٌ نحو القدس افتتحها النّبي صلّى الله عليه وسلّم، واتمّها عمر رضي الله عنه بالفتح الاسلاميّ الاوَّل ، وجدّدها صلاح الدّين الايوبيّ رضي الله عنه بالتحرير والتطهير ، وكلّما جاء الإسراء وحلّت ذكراه جدّدت القدس شوقها للفاتح الجديد . هذا الفاتح الجديد لا بد قادم ، وهو على نفس نهج مُحمّد صلّى الله عليه وسلّم وعمر وصلاح الدّين رضي الله عنهما . وإنني أعتقد جازماّ بأنّ الله تعالى يصنعه على عينه ، ويهيئه لهذا الامر العظيم بتهيئة ربانيّة، لزمان وظرف يريده الله عز وجل وعسى أن يكون قريباً .
لكِ الله يا قدس ، ولكَ اللهُ أيّها المسجد الاقصى المبارك ،ولكم الله أيّها المقدسيّون . إن حوصرتم بالجدار العنصريّ فقد حوصر سيد الخلق والثُلّة المؤمنة معه في شعاب مكّة وإن هُجِّرتُم عن منازلكم رغماً عنكم فقد أُضطّر اصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم لهجرتين الأولى الى الحبشة والثّانيه الى المدينة المنوّرة . وإن سُحبت منكم الهوية المقدسيّة ليُحال بينكم وبين المسجد الاقصى المبارك فقد أُبعد النّبي صلّى الله عليه وسلّم عن مكّة وحيل بينه وبين البيت الحرام . وإن كان المسجد الاقصى المبارك مُحاط بالكنس والثكنات العسكريّة والطقوس المخالفة للاسلام فقد كانت الكعبة المشرفة محاطة بثلاثمائة وستين صنماً تُعبد من دون الله . ثم جاء الإسراء والمعراج ، وجاءت الهجرة النبويّة الي المدينة ، وكانت الدّولة الإسلامية الأولى ثم الغزوات والفتوحات حتى أصبحت دولة الإسلام أعظم إمبراطوريه في العالم في زمانها فليس إذاً بعد الكرب إلّا الفرج ، وبعد العسر إلّا اليُسر، ولا بعد ظلام الليل الدّامس إلّا بزوغ الفجر الصّادق . فأبشروا واستبشروا ، اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلّكم تُفلحون .
إنّ عالم اليوم أشبه بعالم الأمس ، وإنّ سيطرة قِوى الكُفر على مراكز القرار السّياسي والعسكريّ والإعلاميّ والإقتصاديّ اليوم ،كان لها الشبيه في مكة قبل الهجرة . والله تعالى يُريدُ بعباده خيراً ، " ونُريدُ أن نمنّ على الذين استُضعِفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين * ونُمكّن لهم في الارض ونُرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون " . إنّه الله تعالى العظيم المقتدر ، الذي ينصر عباده واولياءه متى يشاء وكيف يشاء وحيث يشاء . ولكنّه سبحانه يأبى إلّا أن تمضي سننه التي لا تتبدّل ولا تتحوّل . ولا بدّ دون الشهد من لسعات النّحل ، ولا بُدّ دون النتائج الكبار من التضحيات الكبار . " إن يمسسكم قرحٌ فقد مسَّ القوم قرحٌ مثله ، وتلك الايام نداولها بين النّاس وليعلم الله الذين امنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحبّ الظالمين * وليمحص الله الذين امنوا ويمحق الكافرين * أم حسبتم أن تدخلوا الجنَّة ولمّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين * " والله غالب على امره.