دقات قلب المرء قائلة له
"إن الحياة دقائقٌ وثوانِ" شوقي
"إن الحياة دقائقٌ وثوانِ" شوقي
"هذه الساعة الغريبة التي تدق خلف جوانحنا. كم من اناس يسمعون دقاتها:
إنها ساعة الوقت .... بل ساعة العمر الذي هو ضحيتنا قبل ان نكون ضحيته..." ما تذكرت يوماً ولا لحظه "هذا الوقت" الذي يمر بنا سريعاً، او نمر به سراعاً إلا تذكرت قول شوقي:
دَقَّاتُ قلب المرءِ قائلة لَهُ
إنَّ الحياةَ دقائقٌ وثوانِ
هذه الساعَة الغريبة التي تدقُّ داخل جوانحنا كم من اناس يسمعون دقاتها! هذه الساعة التي ننام ولا تنام، ونغفل، كم اعلنت لنا ثوانيها ونحن عن اعوامها غافلون!
وكم مرة نبهتنا هذه الساعَة الى ان الحياة لا تقاس بالاعوام الكبيرة، وانما تقاس بالثواني والدقائق الحقيرة، لان من اهمل حساب حياته على حساب الثواني، هان عليه حساب الاعوام والآجال الطويلة. ما رأيت ساعَةً يضحّى بها، ويذهل الناس عن دقاتها كهذه الساعة التي تدق في صدورنا. إنها ساعة الوقت ... الذي هو ضحيتنا قبل ان نكون ضحيته!
يمر الوقت دون ان نحس قيمة الوقت، ودون ان نقدر ان هذا الذي نُسرف فيه، ولا نحسب له حساباً انما هو مادة الحياة التي نحرص عليها... ومتى ادركنا ان واحدنا لا يستطيع ان يردَّ – من لحظاته الماضية – لحظة واحدة مهما اجلب جنده وانفق جهده، متى ادركنا ذلك عرفنا ان هذه الدقائق والثواني انما هي في الحقيقة انفاسنا التي تتصاعد الى غير عودة وايامنا التي تمشي الى غير رجعه. فكيف لا نكون حِراصاً على هذه الأنفاس الغالية، والفترات التي نهوِّن من شأنها؟
إن مرض اضاعة الوقت يكاد يكون فاشياً في كل زاوية من زوايا مجتمعنا، وما عليك – إذا اردت ان تطمئن الى حكمي – إلا ان تدير نظرة الناقد فيما ندعوه "مظاهر صادقة لحياتنا"؟
فهل رأيت معي هذه الفئة التي تتزاحم على كراسيها المصفوفة في المقاهي، تغشاها صباحاً، وتعمرُها مساءً، كأنها فئة من طلاب تدرس في صفوف المقاهي! وما دراستها إلا ان تُكبّ باذرعها وايديها على طاولة النَّردْ.
هذا هو وجه فلان، في المكان نفسه، والزمان نفسه.... كأنما الحياة عنده قد استدارت في هذا المكان، وأصبح لا شغل له من حياته إلا هذا الشغل التافه:-
افلا قلت معي عند مرأى مثل هذه الفئة:- هل كانت الحياة جادَّه يوم اوجدتهم؟ وكيفَ تجِدُّ في ايجاد قوم اتخذوا الحياة لهواً لهم، وأماتوا حِسَّ الواجب في انفسهم، فهم لا ينفعون شيئاً، بينما يضرون اشياء!
وكم من زوايا المقاهي – من ساعات عاطله! تحطمت دواليب العمل فيها، ووقفت عقاربها عن السير! واذا سألتهم عن عملهم في هذا المقهى تعللوا بانه طلب للاستجمام بعد التعب، واللهو بعد الجد.... ولكن من يحصي عليهم ساعات عملهم ولهوهم يدرك ان اللهو أصبح عندهم الغرض المنشود، بينما اصبح الجد عملاً ممقوتاً يفرض عليهم... ولو اتيح لهم ان يفرُّوا منه لفَرُّوا....
وليت مرض الوقت وقف فشوَّه عند هذه الفئة، فقد انتقل ألى اولادنا وطلابنا، والَّف خطراً إجتماعياً في حياتهم لا يوازيه خطر. فهذه الكتْلة من العزم والثبات اخذت تبدأ حياتها باردة هامدة، وتستعد للحياة الاجتماعية استعداد المريض الذي لا يثق في نفسه، لانه لحظات الفراغ تستهويها اكثر من لحظات العمل.
فهؤلاء الطلاب الذين تنتظرهم الفحوص التي ستبِتُّ في مصيرهم، وتعين مستقبلهم، لا يكادون يقبلون عليها بجد واهتمام – اثناء ايام السنة – لان خطرها – في اعتقادهم – لا يزال بعيداً .... فنراهم يقطعون الوقت في الغفله والتغافل، والسؤال والتساؤل، وفي ملهى لفلان، وفلم لفلانة، حتى إذا جد الجد، ولم يبق بينهم وبين ما يريدهم إلا لحظات نجعوا انفسهم، وقهروا إرادتهم، وتحفزوا للوثوب ودافعوا.... ولو فطن هؤلاء لهذه الساعة، واستعدوا لها منذ البداية، لما اضطروا إلى هذا التحفُّز، ولما فرضوا على انفسهم عزلة بيتية طولها شهر، وعرضها شهر لا يخرجون منها إلا الى "موقف الامتحان" كأنهم الموتى يخرجون من قبورهم!
يبقى، مثلاً، من الدرس خمس دقائق .... فيحملهم الاستاذ على شيء ... فيتعللون بان الوقت انتهى أو كاد .... كانما هذه الدقائق الخمس لا قيمة لها في معاجمهم... ورحم الله استاذاً لنا كان يقول لنا: "عشركلمات في مدى خمس دقائق كل يوم تجعلك تحفظ مفردات اللغة حفظاً صحيحا. هذه الدقائق التي تذهب ضياعاً.... وتذهب بذهابها ساعات وايام كان ينفقها الطلاب القدماء في المطالعة الضرورية والكمالية فتأتي ثقافتهم اشمل واغزر...
بينما انصرف طلابنا المحدثون عن تقدير المطالعة ولم يوفروا من وقتهم إلا ما يكفي، او يكاد يكفي للمواد المدرجة في فحوصهم. فلذلك بتنا نواجه طلاباً محدودي الثقافة، لا إتصال بينهم وبين ثقافة العصر الذي هم فيه، إذا سألتهم عن اديب أو كتاب أو مذهب ادبي، إرتسمت علائم الاستفهام على وجوههم، لانهم لم يسمعوا بمثل هذا... وفي الوقت الذي تستهويهم فيه المجلات والصور ليرفهوا بها عن شيخوخه متقمصة في شبابهم، وكهوله غالبة على فتوتهم!
وان تعجب فاعجب معي لهذه الفئة التي تجيز لانفسها ان تقبل على ما يفسد اذواقها، ويحط من آدابها، ويهبط بعقليتها...! وهم لو حسبوا ما يضيعونه من اوقاتهم بمقياس المطالعة المثمرة مثلاً لراعهم ان يروا كومةً من الكتب يستطيعون إنجازها والاستفادة منها ولكنهم يضيعون فرصة الفتوة وللنشاط فيما لا يفيد، ناسين ان الفرصة اذا ضاعت فلن تعود، وجاهلين ان التعود على الخمول مرض متى سرى في الجسد استمرَّ مريره، وثبتت جذوره، حتى يبعث في نفوسنا البلادة، وفي افكارنا الركود والصدأ...
الناس، في بلاد الناس، تراهم يتراكضون إلى اعمالهم... كأنهم الامواج المتدفعة بنشاط وحميَّة... كل واحد يحرص على ألا يكون اضاع في طريقه اكثر مما يجب، بينما ترى اناساً إذا سلكوا ظهر الطريق سلكوه بخطوط منحنية كأنهم يحاولون ان يطيلوا من الطريق، ما داموا يجدون ساعاتهم طويلة تبعث على الملل، واذا مشوا على حيْد الطريق ورصيفه تكثفوا كتلاً، كأنهم الصخور التي اندفعت على الطريق فسدته... لا يتركون ممراً لعابر، ولا مجالاً لسالك... واذا دفعهم مستعجل ما قابلوه بعيون خُزْر، وشفاه تمط كأنهم يقولون: ولماذا العجلة؟ الناس الحريصون على الوقت يعتبرون الطريق ممراً... والناس الحريصون على إضاعة الوقت يجدون الطريق مسكتاً لهم، ومعرضاً يحمل اليهم وجوه الناس.
وهنالك الموظف الذي يدخل عليه المراجع، ثم يدخل عليه الصاحب المستشفع. فيجد فيه ملاك الرحمة نزل لينقذه مما هو فيه من جهد، وعرق... فيغرق الاثنان في مراجعات... بينما يتجمد ذلك المراجع وتنطوي اوراقه امامه... فتأتي اوراق اخرى... ويتراكم بعضها على بعض... لانها ولدت في غير وقتها، وماتت في غير وقتها! اذا نظرت الى هذا كله قلت معي: ان العاملين يموتون ضحية الوقت، بينما العاطلون، والمتخاذلون يموت الوقت ضحيتهم.
ولست اذكر قائل هذه الجملة الغالية: "ليتني استطيع ان ابتاع او استعير لك الساعات، بل الايام الفارغة التي يملكها شبابنا الحديث"، ولكني اذكر قول شاعرنا العربي:
إذا فاتني يوم، ولم اصطنع يداً
ولم اكتسب علماً فما ذاك من عمري
هذه – لعمرك – الحياة بقيمتها الحقيقية... فاذا طرحنا من اعمارنا تلك الساعات التي فاتتنا – دون اكتساب ولا فائدة – فكم يبقى عندئذ من اعمارنا لنا. إن هذه الساعة الواحدة التي تحقر من شأنها الخليقة ان تصير الجاهل عالماً، وان تحول الحياة المقفرة الى حياة خصبة، والعقل الفارغ الى عقل ملىء بالسداد والحكمة. واذا كان هذا عمل ساعة واحدة، فما قولك بعمل ساعات، بل ايام، بل اعوام، بل عمر كامل يذهب ضحيتنا..