خلود الفاهوم وذكريات أبدية تخليداً لوالدها المربي زهير الفاهوم
في الذكرى الثانية لوفاة والدها المربي زهير عبدالمجيد الفاهوم ابن مدينة الناصرة، تكتب ابنته خلود هذه الكلمات المعبرة، التي تتناول فيها أهم مراحل حياة والدها رحمه الله فتقول:" تعود بنا الذكريات لاحداث ماضية, وان كنا قد ولدنا بعدها, فأننا عشناها من خلال روايات جسدها لنا ابي بأسلوبه الروائي, التاريخي, الحيّ, والناطق . فأحسسنا من خلال تعبير الكلمات والوجه المحتقن, بعظمة الانتصار وروعة الأجداد : صادفنا صلاح الدين , تحدّثنا معه, فهمنا مناوراته في المعارك المختلفة, حتى أننا كدنا أن نكون جند من جنوده. أحببنا القائد العربي جمال عبد الناصر , شاهدنا السد العالي ورافقنا التأميم. كما أننا تعايشنا النكبة وأدركنا واقع النكسة.
في الذكرى الثانية لوفاة والدها المربي زهير عبدالمجيد الفاهوم ابن مدينة الناصرة، تكتب ابنته خلود هذه الكلمات المعبرة، التي تتناول فيها أهم مراحل حياة والدها رحمه الله فتقول:" تعود بنا الذكريات لاحداث ماضية, وان كنا قد ولدنا بعدها, فأننا عشناها من خلال روايات جسدها لنا ابي بأسلوبه الروائي, التاريخي, الحيّ, والناطق . فأحسسنا من خلال تعبير الكلمات والوجه المحتقن, بعظمة الانتصار وروعة الأجداد : صادفنا صلاح الدين , تحدّثنا معه, فهمنا مناوراته في المعارك المختلفة, حتى أننا كدنا أن نكون جند من جنوده. أحببنا القائد العربي جمال عبد الناصر , شاهدنا السد العالي ورافقنا التأميم. كما أننا تعايشنا النكبة وأدركنا واقع النكسة.

المرحوم زهير عبدالمجيد الفاهوم
تعود بنا الذكريات لعام 1935, عام وُلد أبي , زهير عبد المجيد الفاهوم , في الناصرة . وهي كما قال دائما عروس الجليل الأبدية , عروس تتمايل بخضرة جبالها شاهدة أحزان مرجها, فعلّمنا "مرج ابن عامر هل لديك سنابل؟"( الغلّة الحمراء لراشد حسين ), "والنصرّاويات الجآذرُ كم قطعن مداك في خطو الأكابر" , وحال اللّسان يقول لا تحك لي, لا تحك لي , انّي شربت عصارة المأساة يا مرج ابن عامر ( توفيق زياد, قصيدة مرج ابن عامر).
ولا تمر الذكريات دون ذكر ابنة المرج الجميلة "اندور" . ترعرعنا على ذكرها دون أن نزورها, وصوّر لنا جدّنا عبد المجيد الفاهوم, يتسابق والريح في مرجها عابرا الى الناصرة , مارّا ً باكسال ودبّورية هبوطا من جبل سيخ, مشرفا على القفزة . ما أجملها من ذكريات رُويت لنا وكأنها قصص مرّت في الخيال.
جرح... وألم الفراق
وما آلمها من أحداث تركت أثراً سُطّرعميقا في القلب الى أن نزف , حتى أنّه رغم حُبه واعتزازه بها لم يرض مرافقتنا اليها, فالجرح كان أقوى وألم الفراق كان وقعه أصعب.
وُلد أبي لعائلة الفاهوم, والعائلة آنداك من أغنى العائلات ثروة بالعلم والمعرفة, حتى أنّ لقب دار الشيخ اقترّن ببيت عبد المجيد الفاهوم, واعتزاز أبي لم يكن في عائلته, وانما بأرضه, ووطنه ودينه. فأفهمنا الدين على بساطته , عمقه وروعته. وعزّز بداخلنا الشعور بالانتماء للوطن الأم وهذا ما يشهد له به كل من لاقاه وحظي بمجلس فكري أدبي أخلاقي معه. كما ويشهد له ما سطّره ودوّنه بكتبه ومقالاته, والتي لسوء حظنا لم نستطع أن نجمع منها الكثير , وهذا لأنّه كان من التواضع أن لم يُشهر أيّا منها ولم يفخر بما قال وكتب بأي مجلس كان , بل على العكس رفض ظهور المجالس وحضورالندوات.
ويأتي كتاب صلاح الدين وكتاب الحملة الصليبية الثالثة, كاثبات لمهارة هذه الشخصية في احياء التاريخ واعادة صياغته في واقع تُهنا فيه عن حقيقتنا وعن جذورنا. تلك الجذور التي غُرست عميقا داخلنا ورسخت , فعلّمنا " أنا من هذه المدينة", و"من سجن عكا", و"بحر يافا", وترعرعنا على الفيروزيات والنصراويات التي علت موسيقاها في مشاويرنا شمالا الى بانياس والجولان حيث استنشقنا الهواء الطلق الممتلء كبرياء وعزة. وفهمنا تداعيات سنوات 1967 وسنوات1973 وأنّ الأُمّة العربيّة ما هي الاّ جسم واحد تقسّم بفعل الأحداث التاريخية والأهداف الاستعمارية مرفقة بالمطامع والمصالح العربية الذاتية. وما التاريخ سوى كلمات تسطرّها أقلام مختلفة. منها المُباع ومنها المشرّي. فترى لذات الحقييقة عدّة أوجه لا تفقه معناها الحقيقي , الاّ اذا توفّر المؤرخ الصّادق العالم للحقيقة بحثا وتدقيقا . فأتى كتاب " فلسطين ضحيّة وجلاّدون" , ليوثّق الحقيقة دون ملابسات تجميلية وليروي ما كانت عليه العروس قبل أن تؤول للضحية. وليحكي عن الجلادّين وان لبسوا ملابس السلم والعدل والتسويّة. فيّا خسارة المؤرخ اذ لم يكتمل الكتاب بأجزائه الثلاثة, ويا لها من مسؤولية أن نحاول تجميع ولو جزء قليل من من لم تكتمل صياغته .
ذكريات في حيفا
في 1954 جاء التعيين الاول, في حيفا , هذا البلد الفلسطيني الذي ميّزه أبي بحب ورؤيّة خاصّة ليفكّر أن يسكنه لبعض الوقت كملاذ من متاعب الحياة وضغوطات البلد الأم الناصرة, وليكن معقلا لأفكاره قبل أن تُخط على الأوراق عروس الكرمل شهدت آخر أيامه متماثلة مع شقيقتها عروس الجليل انّما الثانية كانت شاهدّة على ولادة وترعرع هذه الأنفاس وليس على لفظ زفراتها الأخيرة.
مدرسة زهير الفاهوم
وكما حظي أبي بالتدرّيس في حيفا, أو حظيت هي أن يكون من مربّي أجيالها كذا بير المكسور, وابطن والناصرّة. الى أن عُيّن مديرا لاعدادية الناصرة, آنذاك الاعدادية أ , فكان أبي مديرا فعليّا للمدرسة ما يقارب الثلاثين عاما عرفت فيها وسميت بين الناس على اسمه, " مدرسة زهير الفاهوم", لما تميّزت بين المدارس بجودّة التعليم والمستوى الأدبي الأخلاقي , فكانت معقلا للدراسة, للتربية ومرشدا للأهالي والطلاب والأساتذة , لما أحاطها من رعاية الأب لابنه, رعاية يميّزها الحزم والجدية ممزوجا بمحبّة وليونة خاصة كشخصيته: حازمة انّما ليّنة, جدّية انّما ضاحكة مازحة, وشديدة انّما حنونة محبّة. فهل تشهد له المدرسة بهذا ؟؟؟ وهل تذكر له الناصرة وقضاها هذا العهد؟؟؟
"ما أغنانا به وما أفقرنا اليه فيّا ليتنا تداركنا الحيّاة قبل أن تدركنا"
وتمضي السنين مارّة ب1987 و1990, والألفية زخمة بأحداث قاتمة لا يقوى على تحملّها الاّ الأشداء . يجلس أبي أمام التلفاز متعجبّا نافرا مستنفرا لما يسمع ويرى : أيعقل هذا التهاون والتخاذل؟ ولكنه بفعل فطنته وحنكته, يعلم أنّ الأمر وان بدا مستحيلا فهو شرّ حقيقي واقعي في ظلّ حكومات باعت وتساهلت. فيؤكد لنا مرارّا واستمرارا درس الأيام ب " انّ من لا أرض له, لا وطن له, وهو أشبه باليتيم على مائدة اللّئيم." وما أكثر الدرّوس التي تلقيناها على يديه وما أفقرنا للمزيد منها حيث لم يتسن لنا الاّ ان ننهل ما قل منها. واني لاعجب واتسائل ماذا كان سيقول في ظلّ الأحداث الأخيرة. كيف كان سيودّع من ودعنا وهل كان سيرضى هذا الألم الذي يعتصرنا.
ما أغنانا به وما أفقرنا اليه فيّا ليتنا تداركنا الحيّاة قبل أن تدركنا , وعشنا كلّ دقيقة وكسبنا رفقة ما كانت أن تُعوّض.