29° الناصرة $دولار أمريكي 2.99 ₪يورو 3.47 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
انتخابات 2026 حالة الطرق
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 اخبار محلية

تلك التجربة - بقلم: أمجد ناصر

نزلت في فنادق عديدة. فنادق بعدد المدن التي زرتها. بعضها اشبه بمهاجع للطلاب، أغلبها عادي، وأقلها فخم. أتذكر اول فندق نزلت فيه في بيروت. ورغم انه اول فندق في حياتي لكني لا اتذكر اسمه. كان الوقت ليلا ومحيطه خاليا تقريباً، من الحركة. قد يكون السبب قربه من خط التماس الذي، عكس اسمه يعني الانفصال، لأنه كان يقسم بيروت الى اثنتين. لا أتذكر وجود نزلاء، لكني أتذكر، وجه موظف الاستقبال الذي طلب أجرة تلك الليلة مقدماً. هناك شيء آخر أتذكره: ربطة عنقه السوداء التي كانت تلمع كلما انعكس عليها ضوء الاباجورة امامه على الكاونتر.قلة من الفنادق التي نزلت فيها تركت فيّ أثراً خاصاً حتى اني لا أتذكر معظمها. كأن الفنادق مشيدة من مادة النسيان نفسها، غير ان هناك فندقاً لم استطع نسيانه ففيه عرفت لحظة لم تتكرر. انه فندق يدعى البوصلة في مدينة امالفي الايطالية. عندما رأيت ذلك الفندق من الخارج اصبت باحباط. كان متصلاً بالحوانيت والمباني من جانبيه، خلفه صخرة تنحدر فيما يشبه الجرف. الشيء الوحيد الذي خفف حدة الصدمة: صفحة البحر الزرقاء المقابلة له تماماً. بهذا الشعور بالاحباط دخلت الفندق. كنت أمنّي النفس ان تكون غرفتي في جهة البحر. لكن هذا لم يحصل. اعطيت غرفة تطل على الجرف. كان مستحيلاً، بسبب إشغال جميع غرف الفندق، الحصول على واحدة تطل على البحر. لم يكن هناك ما يمكن فعله. تقبلت الأمر. قلت لنفسي ليس ضرورياً ان تطل غرفتي علي البحر. يمكنني ان أرى البحر من خلال شرفة الفندق.كان الفندق أفضل بكثير مما بدا في اللحظة الأولى، كان يكفي أن اغادر غرفتي ذات الأباجور الخشبي الكبير وانتقل إلى شرفة صغيرة في الجهة الأخرى، أرضها مبلطة بالأزرق النيلي، تنتصب في اركانها اصص الزهور والنباتات المعرّشة حتى اكون امام البحر. انتقال من البني والترابي والعروق الحجرية التي تتخلل تربة الجرف إلى الأزرق الفيروزي.الطابع البيتي للفندق، خصوصاً شرفاته، أعطى انطباعاً بعلاقة مختلفة مع المكان، تتعدى علاقة السائح العابرة به، فكأنك هنا لتقيم، لتمكث، لا لتعبر دون أن تترك وراءك أثراً أو تحمل معك أثراً.وليس هذا من خصائص الفندق بل من خصائص البيت. كأن الفندق مهما كان مجهزا بكل وسائل الراحة مصمم على أساس العبور. ينطوي على شيء يذكرك بالمغادرة حتى وأنت تحل فيه. ولم يكن فندقي من هذا النوع.خطر لي في صبيحة اليوم الثاني وأنا انحني على الشبك الحديدي للشرفة تاركاً لكياني كله ان يتشرب تفاصيل المشهد: ذبذباته، أشعة شمسه الصباحية الرضية، زرقة بحره، هواءه الخفيف، أن هذه اللحظة هي شظية متطايرة من الأبد اخترقت جسدي. تهيأ لي أن هذه اللحظة المشحونة بهذه الطاقة الاستثنائية يمكن أن تكون من اللحظات الخارقة التي يشعر المرء، معها وفيها، أنه لم يعد بينه وبين محيطه حاجز. بأنه جزء مما يرى ويسمع ويشم ويحس. خطر لي ايضاً، أنه من الممكن أن تكون هذه اللحظة من اللحظات النادرة التي تمنح لنا نحن البشر، أحيانا، من دون أن نفرقها عن اللحظات العادية القابلة للتكرار. لحظات مثل هذه تأتي من دون تخطيط. من دون موعد. المحظوظ، كفاية، هو الذي يكون جاهزاً، جسداً وروحاً، لامتصاصها حتى الثمالة.أزعم أنني عرفت هذه اللحظة وأنا أنحني على شبك الشرفة الحديدي. تهيأ لي أنها دامت دهراً. وهلة شعرت ان الفارق بيني وبين محيطي قد امّحى. أصبحت جزءاً منه، جزءاً من الطبيعة وأشيائها. أهذا قريب من لحظات التجلي الصوفية؟ لم يكن الأمر كشفاً. لم أر أكثر مما هو موجود. لم تنفتح لي طاقة القدر ، لم يُستجب لأدعية وأمنيات مستحيلة. بل رأيت ما هو موجود وأصبحت جزءاً منه. أظن أن الأمر يتعلق بالتوافق النادر بيننا وبين محيطنا، إن لم يكن بيننا وبين أنفسنا. كان مشهد البحر من إحدى شرفات الفندق جميلاً، ساحراً، ولكنه لم يكن خارقاً. الخارق هو تلك اللحظة الشبيهة بالإلهام التي تهيأت لي وجعلتني أصبح بكياني كله جزءاً من قصيدة الطبيعة التي تستعصي على الوصف. ...................................... انتهي الأمر إلى انني أحببت غرفتي رغم أنها لم تكن تطل على البحر، ولولا سريرها العريض المهيأ لجسدين لظننت، من فرط تقشفها، أنها غرفة في دير، صومعة. ولم يكن ذلك ليزعجني. كانت الغرفة تتوافر على: خزانة خشبية صغيرة، طاولة الى جانب السرير عليها مصباح كهربائي ومنضدة للكتابة. وعندما كنت أفتح درفتي الأباجور الخشبيتين الكبيرتين، تصبح جزءاً من محيطها. المشهد الريفي المتقشف، هو ايضا، كان يسهم في صنع السلام الذي استشعرته فيها. كان ذلك، على الأغلب، بسبب تشابهات مع مناظر مركوزة، بعناية، في الذاكرة، ردتني إلى الطفولة. هل الطفولة ملجأ، هل هي فردوس مفقود؟ يمضي المرء عمره كله في محاولة استعادته رغم أنها قد لا تكون سعيدة بالضرورة؟ اتساءل عن ذلك الكنه الغامض الذي يسمى الطفولة وأنا أرى العين تألف والنفس تهفو الى كل ما يُذكِّرُ بها أو يحيل الي ما يشبهها. أهو حنين ممرور. مريض. لا شفاء منه؟لم يكن الجرف صخرياً تماماً. كانت هناك نباتات تتشبث، على نحو عجيب، بالبقاء. نباتات وأشجار برية من بينها تينة صغيرة لم يزرعها احد. رمت الريح أو أيدي الناس بذرتها من دون قصد هنا وشبّت بقوة النماء العجيبة.لم تكن هناك كثافة للأشجار كما هو الحال في بريطانيا. أنا ابن التقشف والقلة والفراغات، والانقطاعات، يروقني ذلك. نباتات البادية هي مشاهد طفولتي. لم يكن هناك كثافة واكتظــــاظ لأي شيء سوى للرمل والريح والفراغ.

ك ا كل العرب اخبار محلية نُشر: 03/07/2008 الساعة 17:54
حجم الخط
تلك التجربة  - بقلم: أمجد ناصر
تلك التجربة - بقلم: أمجد ناصر · تصوير: كل العرب

نزلت في فنادق عديدة. فنادق بعدد المدن التي زرتها. بعضها اشبه بمهاجع للطلاب، أغلبها عادي، وأقلها فخم. أتذكر اول فندق نزلت فيه في بيروت. ورغم انه اول فندق في حياتي لكني لا اتذكر اسمه. كان الوقت ليلا ومحيطه خاليا تقريباً، من الحركة. قد يكون السبب قربه من خط التماس الذي، عكس اسمه يعني الانفصال، لأنه كان يقسم بيروت الى اثنتين. لا أتذكر وجود نزلاء، لكني أتذكر، وجه موظف الاستقبال الذي طلب أجرة تلك الليلة مقدماً. هناك شيء آخر أتذكره: ربطة عنقه السوداء التي كانت تلمع كلما انعكس عليها ضوء الاباجورة امامه على الكاونتر.قلة من الفنادق التي نزلت فيها تركت فيّ أثراً خاصاً حتى اني لا أتذكر معظمها. كأن الفنادق مشيدة من مادة النسيان نفسها، غير ان هناك فندقاً لم استطع نسيانه ففيه عرفت لحظة لم تتكرر. انه فندق يدعى البوصلة في مدينة امالفي الايطالية. عندما رأيت ذلك الفندق من الخارج اصبت باحباط. كان متصلاً بالحوانيت والمباني من جانبيه، خلفه صخرة تنحدر فيما يشبه الجرف. الشيء الوحيد الذي خفف حدة الصدمة: صفحة البحر الزرقاء المقابلة له تماماً. بهذا الشعور بالاحباط دخلت الفندق. كنت أمنّي النفس ان تكون غرفتي في جهة البحر. لكن هذا لم يحصل. اعطيت غرفة تطل على الجرف. كان مستحيلاً، بسبب إشغال جميع غرف الفندق، الحصول على واحدة تطل على البحر. لم يكن هناك ما يمكن فعله. تقبلت الأمر. قلت لنفسي ليس ضرورياً ان تطل غرفتي علي البحر. يمكنني ان أرى البحر من خلال شرفة الفندق.كان الفندق أفضل بكثير مما بدا في اللحظة الأولى، كان يكفي أن اغادر غرفتي ذات الأباجور الخشبي الكبير وانتقل إلى شرفة صغيرة في الجهة الأخرى، أرضها مبلطة بالأزرق النيلي، تنتصب في اركانها اصص الزهور والنباتات المعرّشة حتى اكون امام البحر. انتقال من البني والترابي والعروق الحجرية التي تتخلل تربة الجرف إلى الأزرق الفيروزي.الطابع البيتي للفندق، خصوصاً شرفاته، أعطى انطباعاً بعلاقة مختلفة مع المكان، تتعدى علاقة السائح العابرة به، فكأنك هنا لتقيم، لتمكث، لا لتعبر دون أن تترك وراءك أثراً أو تحمل معك أثراً.وليس هذا من خصائص الفندق بل من خصائص البيت. كأن الفندق مهما كان مجهزا بكل وسائل الراحة مصمم على أساس العبور. ينطوي على شيء يذكرك بالمغادرة حتى وأنت تحل فيه. ولم يكن فندقي من هذا النوع.خطر لي في صبيحة اليوم الثاني وأنا انحني على الشبك الحديدي للشرفة تاركاً لكياني كله ان يتشرب تفاصيل المشهد: ذبذباته، أشعة شمسه الصباحية الرضية، زرقة بحره، هواءه الخفيف، أن هذه اللحظة هي شظية متطايرة من الأبد اخترقت جسدي. تهيأ لي أن هذه اللحظة المشحونة بهذه الطاقة الاستثنائية يمكن أن تكون من اللحظات الخارقة التي يشعر المرء، معها وفيها، أنه لم يعد بينه وبين محيطه حاجز. بأنه جزء مما يرى ويسمع ويشم ويحس. خطر لي ايضاً، أنه من الممكن أن تكون هذه اللحظة من اللحظات النادرة التي تمنح لنا نحن البشر، أحيانا، من دون أن نفرقها عن اللحظات العادية القابلة للتكرار. لحظات مثل هذه تأتي من دون تخطيط. من دون موعد. المحظوظ، كفاية، هو الذي يكون جاهزاً، جسداً وروحاً، لامتصاصها حتى الثمالة.أزعم أنني عرفت هذه اللحظة وأنا أنحني على شبك الشرفة الحديدي. تهيأ لي أنها دامت دهراً. وهلة شعرت ان الفارق بيني وبين محيطي قد امّحى. أصبحت جزءاً منه، جزءاً من الطبيعة وأشيائها. أهذا قريب من لحظات التجلي الصوفية؟ لم يكن الأمر كشفاً. لم أر أكثر مما هو موجود. لم تنفتح لي طاقة القدر ، لم يُستجب لأدعية وأمنيات مستحيلة. بل رأيت ما هو موجود وأصبحت جزءاً منه. أظن أن الأمر يتعلق بالتوافق النادر بيننا وبين محيطنا، إن لم يكن بيننا وبين أنفسنا. كان مشهد البحر من إحدى شرفات الفندق جميلاً، ساحراً، ولكنه لم يكن خارقاً. الخارق هو تلك اللحظة الشبيهة بالإلهام التي تهيأت لي وجعلتني أصبح بكياني كله جزءاً من قصيدة الطبيعة التي تستعصي على الوصف. ...................................... انتهي الأمر إلى انني أحببت غرفتي رغم أنها لم تكن تطل على البحر، ولولا سريرها العريض المهيأ لجسدين لظننت، من فرط تقشفها، أنها غرفة في دير، صومعة. ولم يكن ذلك ليزعجني. كانت الغرفة تتوافر على: خزانة خشبية صغيرة، طاولة الى جانب السرير عليها مصباح كهربائي ومنضدة للكتابة. وعندما كنت أفتح درفتي الأباجور الخشبيتين الكبيرتين، تصبح جزءاً من محيطها. المشهد الريفي المتقشف، هو ايضا، كان يسهم في صنع السلام الذي استشعرته فيها. كان ذلك، على الأغلب، بسبب تشابهات مع مناظر مركوزة، بعناية، في الذاكرة، ردتني إلى الطفولة. هل الطفولة ملجأ، هل هي فردوس مفقود؟ يمضي المرء عمره كله في محاولة استعادته رغم أنها قد لا تكون سعيدة بالضرورة؟ اتساءل عن ذلك الكنه الغامض الذي يسمى الطفولة وأنا أرى العين تألف والنفس تهفو الى كل ما يُذكِّرُ بها أو يحيل الي ما يشبهها. أهو حنين ممرور. مريض. لا شفاء منه؟لم يكن الجرف صخرياً تماماً. كانت هناك نباتات تتشبث، على نحو عجيب، بالبقاء. نباتات وأشجار برية من بينها تينة صغيرة لم يزرعها احد. رمت الريح أو أيدي الناس بذرتها من دون قصد هنا وشبّت بقوة النماء العجيبة.لم تكن هناك كثافة للأشجار كما هو الحال في بريطانيا. أنا ابن التقشف والقلة والفراغات، والانقطاعات، يروقني ذلك. نباتات البادية هي مشاهد طفولتي. لم يكن هناك كثافة واكتظــــاظ لأي شيء سوى للرمل والريح والفراغ.

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد