بُعدًا بُعدًا... سُحقًا سُحقًا من على صفحات موقع العرب بقلم: إبراهيم شلبي
ممّا يُدهش حقًا ويستحق دراسة علمية خاصة، هو الإنسان العربي، فمن الغريب العجيب المثير كيف يتحوّل هذا الإنسان من النقيض إلى النقيض على غفلة ودون سابق إنذار، يتعرّى من جلدٍ ويلبس آخر كما يغيّر ثيابه تمامًا، فلا يُشعر بالحرج أو بالخجل؛ وإن كنتُ أستثني من رحمهم الله من ذلّة الرياء سخط النفاق. قد ثار العالم ذات يوم (وأقصد بالعالم ذلك الوسط العربيّ الضيق الذي نحيا فيه معتقدين أنّه مدار الكون والكائنات) حين فاحت رائحة طبخة نتنة عفنة قضى الشاباك الإسرائيلي عقودًا في طبخها وإطعامنا إياها، وأقصد تحديدًا قضية تدخّل الشاباك في تعيين مدراء المدارس، ما جعلنا نتلفّت حولنا باستغراب واستهجان محاولين إعادة النظر في كل من حولنا من مدراء، وكلّ من نعرفهم من قريب أو بعيد، أو من ربطتنا بهم صلة التعليم ذات يوم. ولم يتوانَ البعض عن إكالة الاتهامات بالعمالة في الخفاء وفي العلن، ولربما "أُطيح" بالعديد جورًا، أو كما يقول المثل العاميّ: راح الصالح بعزا الطالح! قد كان ذلك من سنوات خلت، يذكر من يذكر، وأذكّر من نسي، وليعلم من لم يكن يعلم. لكنّي أقف مشدوها فاغر الفاه أمام من ينافق في غير مجلس نفاق، وأتعجّب حدّ الاستهجان ممّن يتخّذ من الجبن ذريعة النفاق مدّعيًا أنّها المسؤولية أو الواجب، فالإدارة المدرسية تحديدًا أشبه بسوق النخاسة حين يتمّ عرض المنصب، وقد تطير رؤوس لأجل الفوز بوظيفة "مدير مدرسة" ولكأنّها إدارة برلمان، وما أن يجلس صاحبنا في غرفته حتّى يخال نفسه حاكمًا بأمر الله على الفقراء الذين كان بالأمس فردًا منهم، وإني حين أصل إلى هنا أحتار من أين أبدأ؟ من السرقات؟ من المحسوبيات؟ من صحون العسل وصحون الـ....؟ أم من يتربّع في وسط الصحن ومن يجلس قربه ومن هو على بعد أربعين سنة منه؟ هل أتحدّث عن الطائفية والعشائرية والعائلية والحمائلية ووووو ما لا حصر له من أمراض تخترق مدارسنا كالسرطان؟!! وأكرّر: إلاّ من رحم ربّي وهم من القلة والندرة كأن تجد صحابيًّا في عصرنا! ولأنّي لا أريد خلط الحابل بالنابل، ولأنّي لا أريد التطرّق للقذارة والحقارة والعهر العلنيّ والمخفيّ في مدارسنا، وتدنّي المستوى الحضاريّ والأخلاقيّ عند العديد، ولأنّي لا أريد أن أكتب كتابا، بقدر ما هي رسالة سيدركها كلّ من يرى في نفسه عنوانًا محتملا، فقد قرّرتُ أن أتحدّث وبإيجاز عمّا حدث اليوم، واليوم تحديدًا وهو الخميس الموافق الخامس والعشرين من شباط من العام ألفين وعشرة للميلاد، والموافق الثاني عشر من ربيع الأول من العالم ألف وأربعمائة وواحد وثلاثين للهجرة، نعم: هو يوم المولد النبوي الشريف، فما الذي حدث؟ ما حدث قد لا يراه البعض بالأمر الجلل، وقد لا يكون، فالأمر يعتمد على زاوية النظر والمنظور، ولكنّه يبقى على قدر من الأهميّة غير قليل؛ فمن بعد أن حدّدت وزارة التربية والتعليم يوم الجمعة الموافق السادس والعشرين من شباط للعام ألفين وعشرة للميلاد يوم عطلة رسمية في المدارس العربية بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، اتضح أن الذكرى الشريفة تصادف يوم الخميس وليس الجمعة، وقد أفتى بذلك سماحة القاضي أحمد ناطور، رئيس محكمة الإستئناف الشرعية العليا، وعليه فقد سارع كل من النائبين عن القائمة العربية الموحّدة: النائب أحمد طيبي عن الحركة العربية للتغيير، والنائب طلب الصانع عن الحزب الديمقراطي العربي، سارعا بتقديم طلب إلى الوزير جدعون ساعر باعتماد يوم الخميس عطلة رسمية بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، فما كان من الوزارة إلا أن أصدرت تعليمات واضحة بأن يكون يوم الخميس سوم تعليم مقصر (حتّى الساعة الواحدة كحدّ أقصى)، على أن يخصّص لنشاطات وفعاليّات من وحي المناسبة، وقد عمّمت الوزارة بيانا رسميّا بالأمر على المدارس قاطبة بلا استثناء. فهل ما حدث فعلا كان يتلائم مع مضمون فتوى سماحة القاضي، وطلبات النائبين الطيبي والصانع، وتعميم الوزارة؟ في العديد العديد من المدارس لم يحدث من ذلك شيء على الإطلاق، والكثير من مدارسنا العربية من أقصى الشمال إلى أدنى الجنوب لم تخصّص من وقتها حتى النزر القليل للحديث عن مولد الهادي، بل تمادى بعض المدراء ووصلت بهم الوقاحة بأن جعلوا اليوم الدراسي يومًا عاديًا لا يختلف عن باقي الأيام، بل أفضل منه باقي الأيام، فمن تنافقون؟؟؟؟ لن أقوم الآن من منطلق الدين وحبّ النبيّ وهو الأولى، ولكنّي أستغرب عهر البعض بأن يقصّر اليوم الدراسي لأجل مباراة كرة قدم أو احتفالٍ انتخابيّ أو سقوط المطر، بل قد يُلغى اليوم الدراسي لأبسط من ذلك، ومع ذلك نجد البعض لا يهتم لفتوى ولا لمطالب نوّاب ولا لتعليمات وزارة، لا لشيء، بل ليكون سلطان أباريق، ومن لا يعرف قصة سلطان الأباريق فليبحث عنها فيجدها. نعم، هو سلطان أباريق يمارس غروره على من كان منهم بالأمس، وجبان يتعهّد منصبه بالرياء والعهر، وأحطّ منه وأدنى من يقول أنّ المعلمين هم الأكثر تقصيرًا، سحقًا وبُعدًا، بل هو الأكثر تقصيرًا والأدنى مكانًا، فالمعلّم مهما بلغ من التقصير لن يبخل بوقته وماله وصحته من أجل أن يعطي طلابه الموادَ اللازمة لامتحان البجروت على سبيل المثال، وتهيئتهم له دون أدنى مقابل، بل يطالب به كأنّه يطالبه لنفسه. سُحقًا وبُعدًا لأولئك المرائين، لَو كان اليوم القصير لأجل الغفران عند اليهود أو ذكرى الكارثة والبطولة أو عشية يوم الاستقلال لسارعوا لتقبيل الأقدام وإحناء الرؤوس وتصعير الخدود. ألا سُحقًا سُحقًا، بُعدًا بُعدًا. ماذا جنى أولئك من نفاقهم؟ أهي المسؤولية والغيرة على مصلحة الطلاب أم الخوف على ما يستر أقفيتهم من كراسٍ مريحة دافئة ككراسي الحكام العرب؟ ما زال البعض أولى بالضرب بالأحذية من السلام باليد، عزّ عليهم أن تُختصر ساعة من الوقت إرضاءً لغرورهم العربي الدنيء، وهم الملتحون الذين يباهون بالصلاة وحب وطاعة الله ورسوله، أكان ذلك نصرة للعلم؟ أم للمنصب؟ أم لله ورسوله؟ ألا سُحقًا سُحقًا... بُعدًا بُعدًا.
ممّا يُدهش حقًا ويستحق دراسة علمية خاصة، هو الإنسان العربي، فمن الغريب العجيب المثير كيف يتحوّل هذا الإنسان من النقيض إلى النقيض على غفلة ودون سابق إنذار، يتعرّى من جلدٍ ويلبس آخر كما يغيّر ثيابه تمامًا، فلا يُشعر بالحرج أو بالخجل؛ وإن كنتُ أستثني من رحمهم الله من ذلّة الرياء سخط النفاق. قد ثار العالم ذات يوم (وأقصد بالعالم ذلك الوسط العربيّ الضيق الذي نحيا فيه معتقدين أنّه مدار الكون والكائنات) حين فاحت رائحة طبخة نتنة عفنة قضى الشاباك الإسرائيلي عقودًا في طبخها وإطعامنا إياها، وأقصد تحديدًا قضية تدخّل الشاباك في تعيين مدراء المدارس، ما جعلنا نتلفّت حولنا باستغراب واستهجان محاولين إعادة النظر في كل من حولنا من مدراء، وكلّ من نعرفهم من قريب أو بعيد، أو من ربطتنا بهم صلة التعليم ذات يوم. ولم يتوانَ البعض عن إكالة الاتهامات بالعمالة في الخفاء وفي العلن، ولربما "أُطيح" بالعديد جورًا، أو كما يقول المثل العاميّ: راح الصالح بعزا الطالح! قد كان ذلك من سنوات خلت، يذكر من يذكر، وأذكّر من نسي، وليعلم من لم يكن يعلم. لكنّي أقف مشدوها فاغر الفاه أمام من ينافق في غير مجلس نفاق، وأتعجّب حدّ الاستهجان ممّن يتخّذ من الجبن ذريعة النفاق مدّعيًا أنّها المسؤولية أو الواجب، فالإدارة المدرسية تحديدًا أشبه بسوق النخاسة حين يتمّ عرض المنصب، وقد تطير رؤوس لأجل الفوز بوظيفة "مدير مدرسة" ولكأنّها إدارة برلمان، وما أن يجلس صاحبنا في غرفته حتّى يخال نفسه حاكمًا بأمر الله على الفقراء الذين كان بالأمس فردًا منهم، وإني حين أصل إلى هنا أحتار من أين أبدأ؟ من السرقات؟ من المحسوبيات؟ من صحون العسل وصحون الـ....؟ أم من يتربّع في وسط الصحن ومن يجلس قربه ومن هو على بعد أربعين سنة منه؟ هل أتحدّث عن الطائفية والعشائرية والعائلية والحمائلية ووووو ما لا حصر له من أمراض تخترق مدارسنا كالسرطان؟!! وأكرّر: إلاّ من رحم ربّي وهم من القلة والندرة كأن تجد صحابيًّا في عصرنا! ولأنّي لا أريد خلط الحابل بالنابل، ولأنّي لا أريد التطرّق للقذارة والحقارة والعهر العلنيّ والمخفيّ في مدارسنا، وتدنّي المستوى الحضاريّ والأخلاقيّ عند العديد، ولأنّي لا أريد أن أكتب كتابا، بقدر ما هي رسالة سيدركها كلّ من يرى في نفسه عنوانًا محتملا، فقد قرّرتُ أن أتحدّث وبإيجاز عمّا حدث اليوم، واليوم تحديدًا وهو الخميس الموافق الخامس والعشرين من شباط من العام ألفين وعشرة للميلاد، والموافق الثاني عشر من ربيع الأول من العالم ألف وأربعمائة وواحد وثلاثين للهجرة، نعم: هو يوم المولد النبوي الشريف، فما الذي حدث؟ ما حدث قد لا يراه البعض بالأمر الجلل، وقد لا يكون، فالأمر يعتمد على زاوية النظر والمنظور، ولكنّه يبقى على قدر من الأهميّة غير قليل؛ فمن بعد أن حدّدت وزارة التربية والتعليم يوم الجمعة الموافق السادس والعشرين من شباط للعام ألفين وعشرة للميلاد يوم عطلة رسمية في المدارس العربية بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، اتضح أن الذكرى الشريفة تصادف يوم الخميس وليس الجمعة، وقد أفتى بذلك سماحة القاضي أحمد ناطور، رئيس محكمة الإستئناف الشرعية العليا، وعليه فقد سارع كل من النائبين عن القائمة العربية الموحّدة: النائب أحمد طيبي عن الحركة العربية للتغيير، والنائب طلب الصانع عن الحزب الديمقراطي العربي، سارعا بتقديم طلب إلى الوزير جدعون ساعر باعتماد يوم الخميس عطلة رسمية بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، فما كان من الوزارة إلا أن أصدرت تعليمات واضحة بأن يكون يوم الخميس سوم تعليم مقصر (حتّى الساعة الواحدة كحدّ أقصى)، على أن يخصّص لنشاطات وفعاليّات من وحي المناسبة، وقد عمّمت الوزارة بيانا رسميّا بالأمر على المدارس قاطبة بلا استثناء. فهل ما حدث فعلا كان يتلائم مع مضمون فتوى سماحة القاضي، وطلبات النائبين الطيبي والصانع، وتعميم الوزارة؟ في العديد العديد من المدارس لم يحدث من ذلك شيء على الإطلاق، والكثير من مدارسنا العربية من أقصى الشمال إلى أدنى الجنوب لم تخصّص من وقتها حتى النزر القليل للحديث عن مولد الهادي، بل تمادى بعض المدراء ووصلت بهم الوقاحة بأن جعلوا اليوم الدراسي يومًا عاديًا لا يختلف عن باقي الأيام، بل أفضل منه باقي الأيام، فمن تنافقون؟؟؟؟ لن أقوم الآن من منطلق الدين وحبّ النبيّ وهو الأولى، ولكنّي أستغرب عهر البعض بأن يقصّر اليوم الدراسي لأجل مباراة كرة قدم أو احتفالٍ انتخابيّ أو سقوط المطر، بل قد يُلغى اليوم الدراسي لأبسط من ذلك، ومع ذلك نجد البعض لا يهتم لفتوى ولا لمطالب نوّاب ولا لتعليمات وزارة، لا لشيء، بل ليكون سلطان أباريق، ومن لا يعرف قصة سلطان الأباريق فليبحث عنها فيجدها. نعم، هو سلطان أباريق يمارس غروره على من كان منهم بالأمس، وجبان يتعهّد منصبه بالرياء والعهر، وأحطّ منه وأدنى من يقول أنّ المعلمين هم الأكثر تقصيرًا، سحقًا وبُعدًا، بل هو الأكثر تقصيرًا والأدنى مكانًا، فالمعلّم مهما بلغ من التقصير لن يبخل بوقته وماله وصحته من أجل أن يعطي طلابه الموادَ اللازمة لامتحان البجروت على سبيل المثال، وتهيئتهم له دون أدنى مقابل، بل يطالب به كأنّه يطالبه لنفسه. سُحقًا وبُعدًا لأولئك المرائين، لَو كان اليوم القصير لأجل الغفران عند اليهود أو ذكرى الكارثة والبطولة أو عشية يوم الاستقلال لسارعوا لتقبيل الأقدام وإحناء الرؤوس وتصعير الخدود. ألا سُحقًا سُحقًا، بُعدًا بُعدًا. ماذا جنى أولئك من نفاقهم؟ أهي المسؤولية والغيرة على مصلحة الطلاب أم الخوف على ما يستر أقفيتهم من كراسٍ مريحة دافئة ككراسي الحكام العرب؟ ما زال البعض أولى بالضرب بالأحذية من السلام باليد، عزّ عليهم أن تُختصر ساعة من الوقت إرضاءً لغرورهم العربي الدنيء، وهم الملتحون الذين يباهون بالصلاة وحب وطاعة الله ورسوله، أكان ذلك نصرة للعلم؟ أم للمنصب؟ أم لله ورسوله؟ ألا سُحقًا سُحقًا... بُعدًا بُعدًا.
إبراهيم شلبي.