الوعي هو جوهر الوجود بل هو عين هذا الوجود التي بها نعاين الشاهد والمشهود/بقلم:كميل
كميل شحادة:
كميل شحادة:
مفهوم المادة وسواها من خلق الفكر أصلا ً - هو طاقة إشعاع مكثف في درجة ما من اللطيف الروحي الفائض عن المطلق اللامحدود .. هو كالرموز التي تظهر على شاشة الحاسوب في شكل كلمات
رسالة كل عارف من أية جهة كان تتمثل في العمل على إعادة الوعي من التماهيات المختلفة لدى الجميع إلى ذاته كمطلق خلف كل شيء حيث فيه يتفكك وينحل كل فكر وكل شيء والكون بأسره بكل تعقيداته في النهاية يولد منه ويعيش فيه على الدوام
كانت هذه الآية بقلم المعلم كمال جنبلاط (بايزيد) هي المدخل الحقيقي لعالم الحقيقة ،حقيقة الوجود سنة 1-1980 تقريبا ، حين كنت في ذروة من القلق المعرفي والوجودي، وفي ذروة من التوتر والمعاناة في البحث والتفتيش عن الله .. وبعد أن كنت قد قطعت مسافة غير قليلة في قراءة متواصلة لكل ما يقع بين يدي في الدين والفلسفة والفكر والتصوف ،لكن بصورة لا منهجية وغير متعاقبة ومتسقة من حيث مراحل تطور الفكر ،أو التطور الزمني، بل عشوائيا..وكان اكثرها تأثيرا بعد جنبلاط ،ما جاء عن الفرابي "المعلم الثاني" بعد ارسطو، وهو فيلسوف زاهد من العصر الذهبي في التاريخ العربي الإسلامي القرن الثامن الميلادي العصر العباسي. حيث عالج قضية وجود الله – التي ادخلها الفلاسفة القدامى وعلى أثرهم الباحثين فيما بعد، تحت عنوان الميتافيزيقا، أي علم ما بعد الطبيعة – واستخدَم الفرابي المنطق الصوري ،رابطا في اثبات وجود الله، بينه ككمال مطلق ومحرك أول لكل متحرك، وبين سائر الموجودات، عن طريق العلية الحتمية والسببية الغائية، ولقد وصف الله بواجب الوجود..
ثورة في عالم الإنسان
لقد بهرني الفرابي بفلسفته وسحرني اسلوبه حينذاك .. وتوالت قراءاتي في الفلسفة بعد ذلك الى اليوم 2012 .. لكن في حدود 1980 حدث التحول في التوجه جذريا – كما نوهت – حيث شعرت عميقا بعدم اكتفائي بالقراءة والبحث النظري، فكنت بحاجة لتجربة تعطي اليقين ادراكا واحساسا وشعورا ،لا مجرد فكرا ومنطقا، وفي سبيل ذلك كنت اعتزل اتامل اصوم احيانا .. بينما كنت على هذا الحال تصادف ،او قدر لي أن اجد في إحدى المكتبات " ثورة في عالم الإنسان " لجنبلاط، ورأيت أن الرجل يتحدث إلىّ إذ تحدث لا ككاتب عادي أو باحث وضعي نظري تماما ،بل صدر عمليا عن مزيج ديني فلسفي صوفي سياسي ايديلوجي علمي إلخ. ثم حصلتْ المفاجأة في صفحة قريبة من المقدمة ،بعد ان توالت جمل قوية وعبارات واشارات، اتخذت ربطا خاصا واضحا حيا نابضا فيما يتعلق ببحثي وهاجسي وعطشي لحقيقة الوجود، حتى قالها : "الوعي هو جوهر الوجود، بل هو عين هذا الوجود التي بها نعاين الشاهد والمشهود" وكلمة عين اشعلت داخلي القدحة الأولى في مشاهدة حية للحقيقة ،وبلمحة واحدة شملتني فادركتُ وجودي خارج قوالب الفكر والحواس ،فالله ليس شخصا أو كائنا يقبع خارج طبيعة الأشياء ،بل هو ما يَرى وما يُرى معا ،ذاتا وموضوعا ،مُدرِك ومُدرَك فينا وفيما يتجاوز شخصيتنا وفرديتنا ،وان الذي يجعلنا نبدو مقسومون الى ثنائيتين وطبيعتين هو الإدراك والفهم من المستوى الفكري والحسي ،مستوى العلاقات المزدوجة الفاصلة، بيني كجسد وكشخص، وبين العالم الخارجي كمادة وفضاء وأشياء وبشر إلخ. والتأمل المتجرد البسيط الهاديء في تركيبة كياني الداخلي والخارجي ،يُظهر ان وجود الوعي داخل الجسم يولّد الفكر الذي يقسم الوعي الى قسمين اثنين ،واحد متشافه متماه ٍ مع الجسد ،متخذ شكله وصورته واحاسيسه ،وقسم آخر يحمل صورة العالم كشيء منفصل ومستقل .. وهذه خدعة فكرية نفسية وحسية ،كالذي يحدث في المنام من احلام .. فذاتنا مطلق غير محدود ، لكنه مُختزَل في الجسد على يد الفكر والحواس. انه محدد الى ذات فردي، مقابل عالم كلي ..هو في التشبيه والتمثيل كنور الشمس المنتشر في الفضاء - في الحالة الأصلية لكيانه – ثم يتركز عبر عدسة فيتكثف في نقطة واحدة صغيرة . وشعور النقطة بانها هي وجودها الكامل خداع ذاتي . ومثلما ان إعادة الإدراك الحقيقي للنور في العدسة ، بتحوله الى مصدره (الشمس).. كذلك إعادة إدراك الإنسان لذاته الحقيقية ، بتحوُّل وعيه من الجسد الى مطلقه الروحي ..اننا في انحصار مداركنا وهمومنا في الحياة الجسدية وفي امتداداتها وانعكاساتها عبر الواقع الطبيعي، والاجتماعي الضال ،كمن هجر قصرا كبيرا ليسكن في غرفة صغيرة الى جانبه ،أو كسمكة خرجت من المحيط لتعيش داخل نقرة في الشاطيء ،وهو الوعي المسجون داخل الفكر والحواس ..
ماهو هذا الفكر "كمادة" :
- ومفهوم المادة وسواها من خلق الفكر أصلا ً - هو طاقة ، إشعاع مكثف في درجة ما من اللطيف الروحي الفائض عن المطلق اللامحدود .. هو كالرموز التي تظهر على شاشة الحاسوب في شكل كلمات ،بعد بلورة وتحوّل من طاقة كهربائية بسيطة مجردة ..هي لا تحمل في ذاتها عمليا وجوهريا أي تغيُر في المغزى ،إلا في نطاق ربطنا واهتمامنا نحن .. كذلك الأمر نفسه بالنسبة للفكر ،فالفكر يتخذ صفة عملية منطقية عقلية حسية ونفسية، فقط في وعي خلفي له محجوب به ،بينما هو في ذاته – أي الفكر – مجرد اشارات ورموز ومصطلحات ..وليس الكمبيوتر – بالمناسبة - سوى صورة مكثفة للفكر مشابهة لفكر ولمخ الإنسان ،وهو يستنسخ ذاته كردود أفعال واستجابات آلية في عالم المادة، وجميع موضوعات ومضامين الانترنت في الحواسيب، هي هموم ومضامين الفكر البشري العام، بكل ما هي عليه من منطق ومشاعر وعادات وغرائز .
الفكر كحجاب :
يحول دون كشف الوعي الحقيقي لذاته فينا .. فالفكر هو تعبير عن تماهي الوعي الحقيقي الأصلي البسيط الأزلي الإلهي ،مع الجسد الإنساني،وهو نتاج هذا التماهي في آن ..أن نعطي للمولود اسمًا هو بداية تداعي واستيلاد سائر محدودات تماهي وتشافه الوعي مع الجسد . فالإسم هو علامة تحديد وتفريد وتمييز للوعي في المستوى الحسي ثم النفسي والعقلي ، والإسم الشخصي يليه اسم العائلة واسم الطائفة والشعب والأمة والوطن و و .. جهة دولة شرق غرب إلخ ..الإسم كتعبير عن التميُّز والتفرد والتشخصن الطبيعي الأولي للوعي في الجسد بصفة جسدية ،هو " الإيغو " الأنا الطبيعي في صورته ومادته الخام ، وهو علة علل سائر التماهيات والأنوات المختلفة – عائلة طائفة شعب امة وطن دين مذهب حزب جهة طبقة قطِاع إلخ – أما غلبة احدى تماهيات الأنا على أخرى ،فذلك يعود للمضمون التربوي والثقافي والسيكلوجي لهذا الفكر أو ذاك في الأجساد المختلفة .
الرسالة من هذا الكشف :
يبقى أن اقول أن رسالة كل عارف من أية جهة كان ،تتمثل في العمل على إعادة الوعي من التماهيات المختلفة لدى الجميع ،إلى ذاته كمطلق خلف كل شيء ،حيث فيه يتفكك وينحل كل فكر وكل شيء، والكون بأسره بكل تعقيداته في النهاية ، يولد منه ويعيش فيه على الدوام .
موقع العرب يفسح المجال امام المبدعين والموهوبين لطرح خواطرهم وقصائدهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع منبرا حرا في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية منبر العرب. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع على العنوان: alarab@alarab.net
الفكر هو تعبير عن تماهي الوعي الحقيقي الأصلي البسيط الأزلي الإلهي مع الجسد الإنساني وهو نتاج هذا التماهي في آن