الميلاد 2009- الاب جبرائيل نداف
* صار الله انسانا لكي يصير الانسان الها
* صار الله انسانا لكي يصير الانسان الها
* في ليلة الميلاد ينحني العالم المسيحي على مذود طفل وديع ، فقير ، حمل للبشر حب اله غنيّ وعظيم
* في مذود بيت لحم ، نرى الله معنا ، يعلمنا انتصار التواضع على الكبرياء والبساطة على التظاهر والسلام على الحرب
" هلموا يا مؤمنون نرتق بعقولنا ارتقاء الهياً فنعاين تنازل الله من العلاء الينا الذي بدا في بيت لحم علانية ونطهر عقولنا بحسن السيرة ونهيئ مداخل عيد الميلاد عن ايمان صارخين : المجد في العلاء لله الواحد المثلث الاقانيم الذي به ظهرت المسرة في الناس " (ايديوميلية خدمة ساعات الميلاد الكبرى – الساعة السادسة )
في ليلة عيد الميلاد من كل سنة ، ينحني العالم المسيحي على مذود طفل وديع ، فقير ، حمل للبشر حب اله غنيّ وعظيم . وفي كل عام يحاول العالم الممزّق أن ينعم ولو بلحظات من السلام والاطمئنان ، فيتوقف وينصت الى دقات قلب هذا الطفل العجيب ، يرتفع منها نغم الفرح والحب والحنان .
تتوالى الأجيال المسيحية جيلا بعد جيل يعبّر كل منها عن سر الميلاد وسر المسيح بأحلى ما عنده من كلمات والحان تقودنا الى أعتابه ، فتفتح المجال للغة القلب ، لأن القلب وحده يساعدنا على رؤية ما لا تراه العين وادراك ما لا تدركه الحواس . بالايمان يتفتح قلبنا لله ، فيجد السبيل الى تذوق سرّ تجسد المسيح ابن الله .
القديس أفرام السرياني من القرن الرابع ( +373 ) لخّص سر التجسد بقوله في أناشيد الميلاد :" مبارك من صار صغيرا بلا حدود ، ليجعلنا كبارا بلا حدود ." والقديس ايرينيوس اسقف ليون الذي توفي نحو سنة 200 م قال : صار الله انسانا لكي يصير الانسان الها . ومع قانون ايمان نيقية القسطنطينية نعترف جميعا قائلين : من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء ، وتجسّد بالروح القدس وولد من مريم العذراء وصار انسانا .
من منا يعرف سرّ المسيح ؟ لا يعرفه إلا من احبّ المسيح وسار على دربه ، من آمن بكلامه وعمل به ، من تخلّق باخلاقه وصار صورة له مثلما هو صورة الله الآب . بتجسد يسوع " عمانوئيل " الله معنا " لم يعد الله بعيدا عنا ، فكيف نتجنب ذكر اسمه ونرتعب من المثول أمامه؟ ، إنه معنا ، جاء الينا ليكون معنا ويجعلنا من أهل بيته ، شاركنا الضعف والتعب والجوع والعطش والحزن والألم والموت ، فرح مع الفرحين وتألم مع المتألمين ، شاركنا الأفراح في عرس قانا الجليل ، وبكى معنا موت صديقه اليعازر .
أراد الله أن يكون معنا جميعا ، مع الفقراء والمساكين ، مع المرضى والمتضايقين ، مع المنبوذين والمتروكين ، مع البائسين والتائهين ، مع الخطأة والضالين . يحررنا من العبودية التي تسلب الانسان انسانيته ، يحررنا من العبودية التي تتمثّل بمختلف قوى الشر والضلال المعادية لله .
الاله الذي تجلّى في المسيح هو اله كلّه انسانية ، والانسان الذي عرفناه في المسيح هو انسان كلّه الوهية . في المسيح يلتقي الله بالبشر لقاء صفح ومصالحة ومحبة .
في مذود بيت لحم ، نرى الله معنا ، يعلمنا انتصار التواضع على الكبرياء والبساطة على التظاهر والوداعة على العنف والسلام على الحرب والحنان على القسوة والعفاف على الدنس والحب على الكراهية .
أيها الأحباء : يطلّ علينا عيد الميلاد هذه السنة وما زال العالم يشكو الظلم والجوع الجاثم على بطون الملايين . أجل هناك مظاهر العيد ، من شجرة الميلاد ، الى الأضواء الساطعة ، والأثواب الجديدة والأطعمة الفاخرة ، ولكن هذا كله لا يتوفر لجميع الناس ، لهذا تبقى الفرحة ناقصة . والعائلة لا تكتمل فرحتها الا إذا شارك جميع أبنائها فيها ، ويصعب علينا أن نشارك ملئ فرحة العيد ، ما دامت الهموم تقض على الكثيرين مضاجعهم
.في العديد من بقاع الارض تحصد كل يوم عشرات القتلى ، وتهدم البيوت ، وتشرد الآمنين ، وتفجّر الكنائس وتدفع المواطنين دفعا الى مغادرة أرض ولدوا عليها وعاشوا تحت سمائها . بلادنا كثر فيها الفقر والفقراء ، والأغنياء عنهم ومنهم براء .
ولا يمكننا أن ننسى كذلك ما يجري في فلسطين من مآسي ، ويقع من خراب ، وما يساور الناس من مخاوف ، على أرض السلام التي ولد فيها اله السلام. ولد المسيح بهدوء في مغارة بيت لحم ، بينما يزداد اليوم طغيان الآلات الحربية والاسلحة الفتاكة على المواطنين المسالمين الأبرياء الذين يبحثون بين ركام بيوتهم عن مغارة يلجاؤن اليها لينفجر فيها النور الخلاصي .
إن الهتاف الذي أطلقه النبي اشعياء لمئات السنين سبقت تجسد الكلمة الالهي " المولود من الآب قبل كل الدهور ، اله من اله ونور من نور " يذكرنا بأن الظلمة لابد وأن تنقشع أمام النور الذي أضاء سماء بيت لحم ، وأن لغة السماء لا بدّ وأن تغيّر القلوب فتجمع الشعوب ، في يوم هو في قلب اله الكون . " لأنه قد ولد لنا ولد ، وأعطي لنا ابن .. ودعي اسمه عجيبا مشيرا ، الها جبارا ، أبا الأبد رئيس السلام " ." اشعيا 9 : 5 " فيحق لنا من ثمّ أن ننشد مع الملائكة : المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وللناس المسرّة " " لوقا 2 : 14 " .
نسأل اله السلام في ذكرى مولده ، أن يلهم المسؤولين ، لوضع حد لهذه الاضطرابات والحروب في أسرع وقت ممكن ، رأفة بالناس وحقنا للدماء البريئة .
أتقدّم بالتهاني القلبية من جميع أبناء الرعية والأصدقاء والمحبين ومن جميع الذين يؤمنون بصاحب العيد ورسالته الانسانية في العالم أجمع ، نسأل الطفل يسوع أن يجود على منطقتنا بالطمأنينة والمصالحة الشاملة والسلام الدائم .وكل عام وانتم بخير.