الشيخ إبراهيم صرصور: الحقائق التي يجب ألا تغيب
أثارت التطورات في العالم العربي مؤخرا جدلا واسعا في أوساط غربية حول انعكاسات هذه الثورات على مجمل العلاقة بين الغرب والشرق ، خصوصا إذا ما انقشع الغبار عن أنظمة إسلامية قد تؤول إليها السلطة في أكثر من بلد عربي مُصّنَّفٍ على انه من " دول القلب " كمصر وسوريا والسعودية والعراق ، ومن ورائها طبعا تركيا وإيران وباكستان ، ومن ورائهم جميعا اندونيسيا وماليزيا ونيجيريا على سبيل المثال لا الحصر.
أثارت التطورات في العالم العربي مؤخرا جدلا واسعا في أوساط غربية حول انعكاسات هذه الثورات على مجمل العلاقة بين الغرب والشرق ، خصوصا إذا ما انقشع الغبار عن أنظمة إسلامية قد تؤول إليها السلطة في أكثر من بلد عربي مُصّنَّفٍ على انه من " دول القلب " كمصر وسوريا والسعودية والعراق ، ومن ورائها طبعا تركيا وإيران وباكستان ، ومن ورائهم جميعا اندونيسيا وماليزيا ونيجيريا على سبيل المثال لا الحصر.
تطور طبيعي
بالنسبة لنا هذا تطور طبيعي لا بد أن تنتهي إليه الأوضاع في عالمنا العربي والإسلامي ، تدل عليه الشواهد النظرية والعملية ... أما بالنسبة لهم في الغرب وفي قلبه أمريكا وإسرائيل طبعا ، فإن احتمالا من هذا النوع يشكل هاجسا مرعبا أنتجه تاريخ طويل من العداء لإسلامنا جَرَّ سلسلة لم تنته من الاعتداءات الدموية ما زالت تؤتي أُكُلّها المر في طول بلاد المسلمين وعرضها حتى اليوم ، شاركت فيها جحافل العسكر جنبا إلى جنب مع جحافل المفكرين ، بهدف الإطباق على الإسلام ومشروعه المتحدي على المستويين النظري من خلال التشكيك في تاريخه ومخزونه الفكري والفقهي والحضاري الهائل ، وإثارة سحب التشويه من حوله بين أهله وعلى مستوى العالم ، كان آخرها كتاب صدر في الأيام الأخيرة في إسرائيل جَبُنَ صاحبه عن التصريح باسمه خوفا ، ادعى أن الإسلام ليس أكثر من ( منتج سيئ !!! ) حاول نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم من خلاله ( التشبه !!! ) باليهود من الذين كان على صلة بهم منذ شبابه !!! ، وليس هو بدين ولا علاقة له بالسماء !!! على حد زعم الكتاب ، مما لا يستحق ردا لتهافته ولجهل صاحبه أو قُلْ خُبثه ... أما على المستوى العملي فمن خلال الاعتداء المباشر على شرقنا المسلم واحتلال أرضه وانتهاك حقوقه وإهانة كرامته الدينية والقومية والوطنية ، وما فلسطين وأفغانستان والعراق وباكستان وغيرها ألا أمثلة شاخصة تثبت هذه الحقيقة بما لا يدع مجالا للشك ...
تخفيف الحصار على قطاع غزة
من المنطقي ألا نتوقع تغييرا جذريا وفوريا في سلوك الدول العربية التي نجحت فيها الثورات حيال قضايانا الكبرى وبالذات القضية الفلسطينية ، حيث ستحتاج هذه الدول إلى وقت ما قد يتجاوز العام في أحسن الحالات لترتيب أوراقها الداخلية ، والذي يعني تجنب الدخول في مواجهات أو صدامات مع المجتمع الدولي ، إلا أنني لا أشك في أن الأنظمة السياسية الجديدة التي ستولد من رحم هذه الثورات ستعبر بشكل أمين وصادق عن عزة وكرامة الأمة فوق تعبيرها عن عزة وكرامة شعوبها ودولها ... لن تكون ( الدول القُطْرِية ) بعد اليوم ( الغاية ) كما هو حال النظام العربي القديم ، وإنما ستصبح ( وسيلة ) لتحقيق الأهداف القومية والوطنية الجماعية ، وحماية المصالح العليا لمجموع الأمة ، وهذا هو المطلوب ...
مع ذلك فأنا أتوقع أن تحدث ( تحسينات ) فورية في سلوك هذه الدول العربية وبالذات مصر ، ستؤدي حتما إلى تغيير في المزاج العربي العام وبالتالي إلى ( تغييرات ) على الأرض ، على نحو تخفيف الحصار على قطاع غزة ، برود متزايد في العلاقة مع إسرائيل ، معالجة أكثر توازنا لملف المصالحة الفلسطينية من خلال تقدير أكبر لدور المقاومة ، وأقل منه لنهج المفاوضات العبثية ، إسناد أقوى لموقف المفاوض الفلسطيني في مواجهة سياسة الرفض الإسرائيلية ، وإضعاف التأثير الأمريكو – إسرائيلي على القرار العربي ، إن لم يكن إنهاؤه كاملا ...
نتائج الثورات العربية
لا أتوقع أن يتعامل الغرب مع نتائج الثورات العربية رغم تخوفه الكبير ، على النحو الذي تعامل مع حماس في فلسطين على اثر نجاحها الكاسح في الانتخابات الفلسطينية عام 2006 ، لكني أميل إلى أنه سيعالج نتائجها على النحو الذي عالج نجاح حزب ( العدالة والتنمية ) في تركيا ... الغرب قد سَلَّمَ بأن الترويج لنظرية أن الثورات ( صناعة غربية / أمريكية ) قد فشلت تماما ، فنجاحها سلميا وفي مدة زمنية قصيرة في إسقاط أنظمة أخلصت في ولائها لأمريكا وإسرائيل حتى النخاع على مدى عقود ، فاجأها وأربكها كثيرا ، لكنها لم تفقد توازنها وستعمل على الاستفادة من الوضع الجديد بقدر المستطاع ، فأجهزتها وبنيتها السياسية والمهنية قادرة على استيعاب الأوضاع الجديدة والتعامل معها واختيار ما يناسبها من حلول ستظل تتراوح بين العسكري والدبلوماسي ، مع ميلي إلى استبعاد الحلول العسكرية على ضوء تورط أمريكا في أكثر من ملف ...
اللعبة امريكا
أسم اللعبة أمريكيا في المرحلة المقبلة هو ( احتواء ) الثورات والقائمين عليها من خلال سياسة ( العصا والجزرة ) ، رغم أني على ثقة بأن الوعي الشعبي وإنشاء أنظمة ديمقراطية حقيقة ستحد إلى أبعد مدى من قدرة أمريكا عل تحقيق أهدافها هذه ...
بما أنني ما زلت على إيماني بأن الغرب وعلى رأسه أمريكا ما زال حتى اللحظة أسير التأثير اليهودي والإسرائيلي ، فأعتقد أن الموقف الإسرائيلي حيال ما يجري سيكون حاسما . إسرائيل ورغم تصريحات قادتها الدبلوماسية لم تستطع إخفاء تخوفها الشديد من انعكاسات الثورات العربية وبالذات في ( دول الطوق ) مصر وسوريا ولبنان وطبعا فلسطين ، وأقل منها في الأردن . تعي إسرائيل أن حلم فرض تسوية سلمية وفق شروطها قد انتهى ، وعليه فالمتوقع أن تراوح بين خيارين لا ثالث لهما ، الأول الانكفاء على الذات وتكريس بيئة العداء ، والذي يعني تشديد قبضتها الاحتلالية على فلسطين إنسانا ووطنا ومقدسات ، أو الانتقال إلى مسار أكثر واقعية يتطلب تنازلات معينة تحرك مياه المفاوضات الراكدة حاليا ...
مهما يكن من أمر فإن الثورات العربية تشكل فرصة ذهبية لفتح الباب على مصراعيه أمام مشروع نهضة عربي حقيقي ، وصياغة منظومة عمل عربي مشترك يؤسس لفضاء رسمي وشعبي أكثر دعما واحتضانا للحق العربي ، سيكون له أثره الحاسم في الكشف عن النوايا الحقيقة لدول الغرب بما فيها أمريكا وإسرائيل ...