24° الناصرة $دولار أمريكي 2.99 ₪يورو 3.47 ₪ذهبذهب (غرام 21) 285 ₪
القائمة
خدمات
أرسل خبرًا
متوفر لأندرويد وآيفون حمّل تطبيقنا
0 اخبار محلية

الثقافة، والمثقفون والحضارة

هناك في العصر الحاضر قاعدة "عرفية" تتحدد بموجبها "الجنسية الثقافية" لكل مثقف، هذه القاعدة تقضي بأن المثقف لا ينسب إلى ثقافة معينة إلا إذا كان يفكر داخلها، والتفكير داخل ثقافة معينة لا يعني التفكير في قضاياها، بل التفكير بواسطتها (الجابري، 1994).

ك ا كل العرب اخبار محلية نُشر: 06/08/2006 الساعة 16:52
حجم الخط
الثقافة، والمثقفون والحضارة
الثقافة، والمثقفون والحضارة · تصوير: كل العرب

هناك في العصر الحاضر قاعدة "عرفية" تتحدد بموجبها "الجنسية الثقافية" لكل مثقف، هذه القاعدة تقضي بأن المثقف لا ينسب إلى ثقافة معينة إلا إذا كان يفكر داخلها، والتفكير داخل ثقافة معينة لا يعني التفكير في قضاياها، بل التفكير بواسطتها (الجابري، 1994).

تعتبر مسألة "المثقف" مسألة إشكالية لدى العديد من الباحثين والمفكرين، وكذلك لدى العديد من الاتجاهات الفكرية والإيديولوجية، والذي يجعل من هذه المسألة مسألة إشكالية هو صعوبة تحديد تعريف واضح ومحدد متفق عليه للمثقفين لدى المفكرين والاتجاهات الفكرية المختلفة، إذ أن كل اتجاه، أو كل مفكر يعرف المثقف وفقاً لمنطلقاته ومفاهيمه، وكذلك انسجاماً مع مصلحته الاجتماعية، وميوله السياسية والإيديولوجية، وبالإضافة إلى صعوبة تحديد تعريف موحد للمثقفين، هناك أسباب أخرى في هذه الإشكالية، وهي موقع المثقفين من الوضع السوسيولوجي (الاجتماعي) والسياسي في المجتمع، أي موقع ومكان المثقف في إطار البنية الاجتماعية، وعلاقات الإنتاج السائدة، ويمكننا إضافة عامل آخر في أسباب هذه الإشكالية، وهو الدور الهام والبارز الذي يمكن أن يلعبه المثقفون وخاصة في البلدان النامية، وتحديداً كأقلية قومية.
تحديد الثقافة:
بغية تحديد مفهوم "المثقف" ينبغي تناول مفهوم الثقافة. فما هي الثقافة؟
الثقافة: كلمة ثقافة culture  تعبير مجازي مستمد من كلمة colere  اللاتينية بمعنى حراثة الأرض أو التربة، وهو معنى يتصل بجانب مادي ذي مفهوم "عملياتي" وهو إصلاح الأرض الزراعية، وزراعتها، ثم جني الأرض والمحاصيل، ولقد اختلفت التعاريف والأفكار المتعلقة بالثقافة من مفكر لآخر، فنجد مثلاً عند ابن خلدون: "الثقافة هي الدراية الجيدة بكل ما يتعلق بمجال من المجالات فكراً وممارسة" وهذا التعريف لا يختلف عن مدلول كلمة الثقافة الإنجليزية الذي أورده معجم "اكسفورد" المختصر على أنه: تهذيب الذوق وأساليب التعامل وتنمية العقل عن طريق التعليم، وتدريبه على التفكير الدقيق، ولعل مفهوم الثقافة قد تأثر بمفهوم العالم الإنجليزي "إدوارد تايلور" مؤسس الانثروبولوجيا الثقافية الأوربية، إذ أنه يقول في الثقافة: "الثقافة أو المدنية هي الكل المركب الذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والعرف وأي قدرات أخرى يكتسبها الإنسان كعضو في المجتمع".
وبسبب تعدد التعريفات، جاء إعلان مكسيكو بتحديد مفهوم الثقافة في إطار عام وواسع كالتالي: "إن الثقافة بمعناها الواسع يمكن أن ينظر إليها اليوم على أنها جميع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعاً بعينه، أو فئة اجتماعية بعينها، وهي تشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة، كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات "ثم يفسر هذا الإعلان تعريف الثقافة تعريفاً إجرائياً بالقول: "إن الثقافة هي التي تمنح الإنسان قدرته على التفكير في ذاته، وهي التي تجعل منه كائناً يتميز بالإنسانية المتمثلة في العقلانية والقدرة على النقد والالتزام الأخلاقي، وعن طريقها نهتدي إلى القيم، ونمارس الاختيار، وهي وسيلة الإنسان للتعبير عن نفسه والتعرف على ذاته، كمشروع غير مكتمل، وإعادة النظر في إنجازاته، والبحث دون توان عن مدلولات جديدة وإبداع وأعمال يتفوق فيها على نفسه"، ويكمن مفهوم الثقافة عند عالم الاجتماع الأمريكي وأشهر المنظرين الاجتماعيين في عصرنا الحاضر (لتولكت بارسونز) في أنظمة رموز تعمل على توجيه الفعل والعناصر الذاتية الشخصية الفاعل والأنماط المؤسسية للأنظمة الاجتماعية، ويقول جان بول سارتر عن الثقافة: "إن الإنسان يضفي ذاته، يتعرف فيها على ذاته، وهي وحدها المرآة القوية التي تعكس صورته"، أما من حيث الإسهام العربي في تحديد "الثقافة يستعرض د. حسين مؤنس المعاني العربية لمادة "الثقافة" كما وردت في "لسان العرب" نختار منها التالي: "ثقف الشيء ثقفاً وثقوفاً: خدمة، ورجل ثقف: حاذق فهم".
ابن السكيت "رجل ثقف لقف، وثقف لقف، وثقيف لقيف: بين الثقافة واللقافة".
ابن دريد: ثقفت الشيء: حذقته، وثقفته إذا ظفرت به، قال تعالى: "فأما تثقفنهم في الحرب" والثقافة ما تسوى به الرماح، ومنه قولة عمرو:
إذا عض الثقاف بها اشمأزت تشق قطا المثقف والجبينا
وتثقيفها، تسويتها، ويعلق د. حسن مؤنس على ذلك بالقول: "فليس في معاني لفظ ثقف ما يتفق مع المعنى الذي نريده نحن اليوم من كلمة ثقافة، بل نحن لا نستعمل ثقف أو ثقف بل تثقف يتثقف بمعنى اطلع اطلاعاً واسعاً في شتى فروع المعنى حتى أصبح رجلاً مثقفاً، فاللفظ يستعمل اليوم في معنى الاطلاع الواسع المطلق غير المحدد بتخصص، ولا وجود لهذا المعنى في المعاني القديمة للفظ الثقافة".
ويمكن أن نلاحظ في هذا الصدد أن كلمة "ثقافة" باللغة العربية تتميز تميزاً واضحاً عن كلمة "حضارة" وذلك بتركيزها على الجوانب النظرية والفكرية والمعرفية والفنية والجمالية بوجه عام، أي على النواحي المعنوية من الحضارة، ان الثقافة" تنظم جماع السمات المميزة للأمة من مادية وروحية وفكرية وفنية ووجدانية، وتشمل مجموعة المعارف والقيم والالتزامات الأخلاقية المستقرة فيها، وطرائق التفكير والإبداع الجمالي والفني والمعرفي والتقني، وسبل السلوك والتصرف والتعبير، وطرز الحياة، كما تشمل أخيراً تطلعات الإنسان للمثل العليا، ومحاولاته إعادة النظر في منجزاته، والبحث الدائم عن مدلولات جديدة لحياته وقيمه ومستقبله، إبداع كل ما يتفوق به على ذاته".

ويضيف الدكتور محمد الجابري (1994: 13) بأن الثقافة تضم مختلف أنواع الانتاج المادي والروحي ومختلف انماط السلوك الاجتماعي والاخلاقي، أو حصرنا معناها في الانتاج النظري وحده، فهناك في جميع الأحوال، معطيات تشكل، أو تعبر عن "الخصوصية الثقافية" لهذا الشعب أو ذاك، لهذه الأمة أو تلك، وهي خصوصية تعود الى المحيط الجغرافي والاجتماعي والثقافي الذي يتحدد به الشعب.

ويعرف فوكو المثقف بقدرته على الكشف عن اليات المعرفة والسلطة، أو أشكال التوضيع والتذويت، وهو بذلك يشارك في فكر مهمته نقد الحاضر، من خلال تحليل مختلف نظام الممارسات باعتبارها المكان الذي تتقاطع فيه الخطابات والوقائع (بغورة، 2001).

واذن، فالتفكير بوساطة ثقافة ما، معناه التفكير من خلال منظومة مرجعية تتشكل احداثياتها الاساسية من محددات هذه الثقافة ومكوناتها، وفي مقدمتها الموروث الثقافي والمحيط الاجتماعي والنظرة الى المستقبل، بل والنظرة الى العالم، الى الكون، والانسان، كما تحددها مكونات تلك الثقافة، عليه، فالمفكر المثقف يحمل معه اثار مكوناته وبصمات الواقع الحضاري الذي تتشكل فيه ثقافته ومن خلاله.
ويرى الدكتور هشام شرابي: أن المثقف يتصف بصفتين:
1-    الوعي الاجتماعي: الذي يمكنه من رؤية المجتمع وقضاياه من زاوية شاملة، ومن تحليل هذه القضايا على مستوى نظري متماسك.
2-    الدور الاجتماعي: الذي يمكّن وعيه الاجتماعي من أن يقوم به، بالإضافة إلى القدرات الخاصة التي يضفيها عليه اختصاصه المهني، أو كفاياته الفكرية.
خصائص الثقافة: إن الخصائص الرئيسية للثقافة هي:
1-    إنها من اكتشاف الإنسان باعتبارها مكتسبة وليست وراثية أو غريزية، وبالاستناد إلى ذلك لا يمكن أن نجد أية ثقافة لدى الحيوان لاعتماده على الغريزة، إذن الثقافة إنسانية الملامح، ولا مجال لقيام أية ثقافة دون الوجود الإنساني الذي ينمي هذه الثقافة ويكتسبها عن الغير من خلال تطور حياته الاجتماعية فناً وفكراً وسلوكاً.
2-    الثقافة تنتقل من جيل لآخر، ومن مجتمع لآخر، من خلال العادات والتقاليد والقوانين والأعراف، وعملية النقل هذه تتم من خلال التعلم، مع إضافة كل جيل لما يكتسبه مما يطرأ على حياته من قيم ومبادئ وأفكار وسلوكيات جديدة نتيجة لتغير الظروف.
3-    الثقافة قابلة للتعديل والتغير من جيل لآخر، حسب الظروف الخاصة بكل مرحلة، ويمكن للأجيال الجديدة أن تضيف قيماً ومفاهيم جديدة لم تكن موجودة لدى الأجيال السابقة.
تحديد المثقف:
كما رأينا الاختلافات في تحديد "الثقافة" كذلك نجد اختلافات في تحديد مفهوم "المثقف" فمنهم من يعرفه بأنه المتعلم الحاصل على الشهادة الجامعية أو العليا، ويعرفه آخرون بأنه المفكر المرتبط بقضايا عامة تتجاوز اختصاصه، في حين يعرفه غيرهم بأنه المبدع في مجالات الآداب والفنون والعلوم، وهناك من يرى في المثقف واحداً من صفوة أو نخبة متعلمة ذات فعالية على المستوى الاجتماعي العام، إذ أنه صاحب الرؤية النقدية للمجتمع، ومنهم من يتجه في تعريفه إلى التعريف بين مثقف عام ومثقف مختص، .. المفكر الإيطالي غرامشي يعتبر كل إنسان مثقفاً وإن لم تكن الثقافة مهنة له، ذلك أن لكل إنسان رؤية معينة للعالم، وخطاً للسلوك الأخلاقي والاجتماعي، ومستوى معيناً للمعرفة والإنتاج الفكري، وهكذا يتسع مفهوم المثقف ليشمل المفكرين والعلماء والكتاب والمبدعين والفنيين، ورجال الأعمال والطلبة، ويمكن القول بأن تعريف المثقف بأنه المتعلم الحاصل على الشهادة الجامعية وصف سطحي، وهو يعني ضمناً أن كل متعلم مثقف إذا كان التعليم أي التحصيل المعرفي الرسمي أو غير الرسمي شرطاً ضرورياً للمثقف فإنه لا يكفي التعريف به، وذلك لأن للمثقف وظائف وأدواراً أخرى تميزه عن بقية المتعلمين، وهذا ما يذكر بوجود شكلين من الأمية، الأمية الأبجدية- تعليمية، الأمية الثقافية، أولاها واضحة المعنى، ويمكن معالجتها، أما الثانية فتشكل تحدياً حضارياً يقتضي جهداً نوعياً خاصاً للتغلب عليها، إننا نعالج مسألة المثقف ليس بدوره ككيان متعلم أو مثقف فرد، وإنما نعالج هذه المسألة بتركيز الاهتمام على المقومات المكونة للمثقفين باعتبارهم فئة اجتماعية مرتبطة بمجموع العلاقات المتبادلة بين الطبقات والشرائح الاجتماعية، .. في حين بررت التعريفات القائلة بتقسيم العمل إلى ذهني وعضلي اعتبار المثقفين فئة من الناس تعمل في شؤون الفكر إذ أنها صنفت الوظائف ذات الوجه العملي على أنها عضلي بسبب طابعا التوجيهي، بينما اعتبرت الوظائف ذات السمة التخطيطية عملاً فكرياً، وباعتبار أن تقسيم العمل إلى ذهني وعضلي أدى إلى التفريق بين شكل العمل الاجتماعي اليدوي والفكري والذهني، وكرس هذه الفوارق في مراحل تطوره اللاحقة، فقد تولد انطباع قام على وهم انفصام تام بين العمل اليدوي والذهني.
إن الفهم السابق يهمل وجود ارتباط عضوي بين نوعي العمل هذين، وبالاستناد إلى أن أي عمل ذهني مهما بلغ من التجريد يحمل دلالات عملية على الأقل في لحظات تجسيده وإيصاله إلى الآخرين، وكذلك فإن تطور الطباعة والتكنولوجيا قد فرض ضرورة وجود حد أدنى من التأهيل لكل منتج مهما كان عمله بسيطاً ليتمكن من مواكبة التطور المتسارع في أنظمة الإنتاج، الأمر الذي يتطلب المزيد من التعلم والتخصص، من هنا يتبين لنا الخطأ الناجم عن عملية التفريق بين العمل الذهني، والعمل العضلي في إطار تعريف المثقف، لقد استخدم غرامشي معايير جديدة، إذ أنه يحدد الوظيفة الاجتماعية التي يقوم بها ويشغلها المثقف في البنية السوسيولوجية الاجتماعية للمجتمع، وانطلاقاً من هذه المعايير فإنه قد وسع مفهوم المثقفين بقوله: "إن كل إنسان مثقف، ولكن ليس لكل إنسان في المجتمع وظيفة المثقف" لذا فإن المثقف هو كل إنسان يملك مجموعة من القيم والأفكار والمفاهيم سواء كانت هذه القيم والأفكار والمفاهيم مأخوذة في سياق التعليم الأكاديمي أو المدرسي، أو كانت مكتسبة في إطار العلاقات الاجتماعية والتبادل الثقافي الاجتماعي العام، وتجدر الإشارة إلى أن هذه القيم والأفكار والمفاهيم لا تبقى نظرية بحتة، وإنما تتحول إلى قوة مادية حيوية في سياق التفاعل السوسيولوجي (الاجتماعي).

مما سبق نصل إلى نتيجة مؤداها: أن الجدل يحتدم كثيراً حول المثقف، ويحتدم أكثر حول دوره في المجتمع، ومدى علاقته بالنظام السياسي والاجتماعي، وتعتبر هذه المقالة إسهاماً في الجدل الدائر حول مسألة "المثقف" ولا تعتبر قطعية في أفكارها ونقاطها، وإنما هي وجهة نظر ورؤية لهذه المسألة قابلة للنقاش والحوار والسجال.

المراجع:
1. الزواوي بغورة، ميشيل فوكو في الفكر العربي المعاصر. بيروت: دار الطليعة.
2. مجلة الوحدة - عدد 66/1990 - أحمد سالم الأحمر "المثقف العربي، واقعه ودوره - ص 58.
3. مجلة الوحدة - عدد 66/1990 - كريم أبو حلاوة "المثقف العربي وإشكالية الدور المفقود" ص - 84 .
4. "المثقفون والتقدم الاجتماعي" كتاب - تأليف مجموعة من المؤلفين- ترجمة شوكت يوسف – وزارة الثقافة السورية 1984 .
5. مجلة عالم الفكر - مجلد 24 - عدد 4 .. إبريل / يونيو 1996 - د . أحمد بغدادي" في مفهوم الثقافة والثقافة الكويتية" ص 13 - 16 - 17 .
6. مجمع اللغة العربية - المعجم الفلسفي- القاهرة 19
7. محمود عابد الجابري، تكوين العقل العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.
8. محمد جواد رضا، العرب والتربية والحضارة- الاختيار الصعب. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.
Barakat, H. (1993). The Arab World: Society, Culture and State. California: University of California Press.
Geertz, C. (1973). The Interpretation of Culture. New York: Basic Books.

 

انضم إلى قناة كل العرب على واتساب تابع أهم الأخبار العاجلة أولًا بأول على هاتفك انضمام
وجدت معلومة غير دقيقة؟ ساعدنا في التصحيح — تواصل معنا
حمّل تطبيق كل العرب تجربة أسرع وإشعارات فورية — آيفون · أندرويد

تُنشر التعليقات مباشرةً وقد تُراجَع لاحقًا.

التعليقات 0

مواضيع ذات صلة

المزيد