الثقافة والأيديولوجيا والعائلية
جريا على عادتي منذ سنوات طويلة لم أحشر نفسي هذه المرة أيضا في "معركة" الإنتخابات للسلطات المحلية برغم ما رأيناه وسمعناه مما يستفزّ الحمية ويقضّ المضاجع. كانوا بمكرهم يفاخرون وهم يعيبون عليّ "سذاجة" فهمي السياسي ويطالبونني بالبقاء في برج إشكول "العاجي" وأن أعطي الخبز لخبّازه فهو الأقدر على عجنه وخبزه. صحيح، لكنهم يرونها مذمّة ومنقصة ونراها نعمة من نعم الخالق على خلقه! لا أنوي في الحقيقة أن أمثل دور دون كيشوت، ذاك النبيل من إقليم لامنتشا الإسباني. لكني بنفس القدر بالضبط لن أعطي الخبز لخباز جشع لئلا يلتهم نصفه الآخر، وسأقول للأعور أعور بعينه! ولا بأس أن ننشر غسيلنا الوسخ تحت عين الشمس، وإن كانت حارقة، حتى تطهّره من جراثيمه التي عششت في جوانبه وثناياه. لقد سبقنا أجدادنا الصالحون إلى القول، الذين لم يتركوا شيئا إلا قالوه: "أخوك من صدقك لا من صدّقك". إن من يرون أنفسهم عينا وأختها لهذا المجتع، بهما يستنير الناس دربهم، صاروا أنفسهم يخبطون خبط عشواء. فلم يعد هؤلاء قادرين على التمييز بين الحرام والحلال والخبيث والطيب، واستوى عندهم من لا يستوون وهم يعلمون أنهم لا يستوون. أولئك هم أصحاب المقامات السامية من حملة الشهادات الأكاديمية العالية والوسطى والدنيا أو ما هو أصغر من ذلك. وأولئك هم الجبهويون الذين حضروا السوق فساوموا وباعوا واشتروا وقايضوا شعاراتهم بحفنة من الوعود و"الوظائف". ولمّا عهدنا في بعض أولئك الذين يعلقون شهاداتهم على حيطانهم قسطا من المصداقية وقول الحقّ جاء سقوطهم مفاجئا، بصفة خاصة، حينما أصرّوا على إتمام واجباتهم العائلية بكامل هيئتها ونصابها وإعطائها كامل حقها ونصيبها ولم يبخسوها شيئا! ولم يفاجئني، في الحقيقة، سقوط الإمعات والذيول لما يعهده الناس فيهم من تلوّن كالحرباوات يتلونون بلون الأرض والنبات! ينافقون ويكذبون، يتاجرون بأنفسهم كما لو كانوا على "بسطاتهم" يبيعون! ويلبون النداء صاغرين حينما يناديهم جنرالاتهم الكبار وجهابذة الفكر عندهم فيكونون لهم صدى أنكى من الأصل! أشفقت على بعض "المستضعفين المسحوقين المطحونين المهمّشين المحيّدين" من سقوطهم المدوّي عندما فتشوا في زوايا ذاكرتهم وزوايا التاريخ القديم والحديث ولم يجدوا إلا الجغرافيا البعيدة منها والقريبة لتعيد لهم هويتهم السليبة! وأغاظني سقوط أولئك الذين تعلقوا بعباءة جبهتهم فصاروا يميلون حيث تميل كأنهم صم بكم عمي لا يعقلون. أعترف أمامكم بكل الصدق والأمانة، التي لا تعرفونها، بأنّ الإنتخابات المحلية الأخيرة في كابول قد فاجأتني تماما غير عامل بأيّ من أسباب الحيطة والحذر. فاجأتني بشحنة الحقد والجبن التي تتحكم بأقوالكم وأفعالكم والتي عطلت تفكيركم فصرتم لا تعرفون الكوع من البوع. فاجأني هؤلاء، أو بعضهم على أقل تقدير، بإصرارهم على التنازل عن قراراتهم ومشيئاتهم التي هي كل ما يفاخر به الحرّ الطالع من صلب الحرّ. لقد انزلقت الأقنعة عن وجوهكم، في غمرة الاحتفال بالممارسة "الديموقراطية" التي وصلتم فيها حدّ الإحتقان، فبانت حقيقتكم حاسرة كاسرة. في غمضة عين انزلقت الأقنعة وأنتم في تذيّلكم تخوضون مع الخائضين، وكان ما كان! لقد أسقطتكم "حذاقتكم السياسية" في الخطأ والخطيئة فتحطم كثير من قناعاتي القديمة. آمنت لسذاجتي، التي يعيبونها عليّ، أنّ الجبهة التي رفعت شعار "التعليم أولا" ستتعالى على حساباتها الصغيرة وستدعم الأصدق والأقدر على تحقيق شعارها هذا. لكنهم في الجبهة خلطوا شعبان برمضان وكانت النتيجة ما كانت. عذرا.. نسيت أنّ المشكلة في سذاجتي. عندما يصير الشعار المرفوع في أول الإنتخابات آخِر ما يحفل به أصحابه في آخِرها يفقد هؤلاء مصداقيتهم في الأول والآخر! إن جرعة الأيديولوجيا الحزبية التي تعوّلون عليها كثيرا في تحصينكم بالمصداقية وتطعيمكم ضد وباء العائلية قد انتهت صلاحيتها وبرهنت على عجزها تماما! لا نقول ما نقول غامزين هامزين لامزين بل مشفقين عليكم من هذا الانفصام اللعين الذي يجعل النفس تفضح نفسها بنفسها. صحيح ما يقال، إن البيوت أسرار والناس أسرار والله أعلم بما يسرون ويعلنون! كان الأستاذ عودة بشارات يرغي ويزبد وهو يلعن العائلية لا يُبقي ولا يذر! غريب!! إذن كيف تفسر، يا أستاذ عودة، الصفقات التي تمت في الإنتخابات المحلية والتي دعمت فيها الجبهة، أو في بعضها على أقل تقدير، مرشحين أفرزتهم عائلاتهم على أن يقوم هؤلاء المرشحون بلملمة هذه العائلات أو جزء من بطونها وأفخاذها للتصويت بالجملة للجبهة في الإنتخابات القطرية المرتقبة؟ أليس هذا التصويت تكريسا للنهج العائلي الذي تعاديه خصوصا عندما يأتي هذا التصويت تجسيدا لمبدأ الطاعة العائلية وليس ترجمة لموقف سياسي أو تعبيرا عن انتماء أيديولوجي؟ وهل هذا النهج الذي أفرزته المقايضة مفيد لصحة الحزب والجبهة أو لصحة الديموقراطية أصلا؟ هل يصير الأمر حلالا زلالا حينما تمارسه الجبهة ويصير حراما بغيضا حينما تمارسه العائلة؟ قال أنيس منصور قولا ينسحب على كل الأحزاب والتنظيمات أو كما قال: تقوم الأحزاب على مستوى المبدأ للدفع بجملة من الأفكار والمعتقدات (هي هذه التي يسمونها الأيديولوجيا). ولتحقيق هذه الأيديولوجيا لا بد من جملة من القواعد والضوابط التي تقام الفروع والمجالس والكوادر والخلايا لرعايتها. ومع مرور الوقت تصير هذه الأخيرة ممأسسة مؤطرة تحتاج هي الأخرى إلى مثل تلك الرعاية التي تحظى بها الأيديولوجيا نفسها. ومن هنا تصير المسافة الفاصلة بين الحزب كوسيلة وبين الحزب كغاية في ذاته ضيقة لا تراها حتى بالمجهر! لا يخفى على أحد أنّ كل حزب يؤسّس وجوده على مبدأ الطاعة الحزبية. وما هي هذه الطاعة إن لم تكن ممارسة عائلية فئوية قبلية سبطية على مستوى التنظير؟! كذا يجب على الحزبيين الإلتزام بقرارات الحزب حتى وإن كانت ضالة مضللة لا تروق لكثيرين منهم. بالضبط كالتزام تلك العائلة أو تلك الفئة بالتصويت بالجملة للجبهة في الإنتخابات القطرية، ذاك التصويت الذي قايضته الجبهة بتصويتها الجماعي لمرشح تلك العائلة في الإنتخابات المحلية. متاجرة ومقايضة! لا بأس ما دامت هذه هي مشيئتكم. طاعة حزبية بكماء مقابل التزام عائلي/فئوي أصم. لكن، لماذا رمتني بدائها وانسلت؟! إن ما يوحّد هاتين الفئتين، من باب المفارقة الغريبة، إصرارهما على محاربة العائلات "الكبرى" بكل الآليات والأدوات العائلية المسموحة والممنوعة! ذلك لأن هذه الأخيرة تطحن المستضعفين في الأرض وتكرّس عبوديتهم مثلما تحارب الأحزاب بأفكارها التقدمية النيرة! شعارات بالية ومهترئة! قد نفهم رغبة كل فئة أو شريحة من شرائح المجتمع في الوصول إلى غاياتها ومنافعها إن تعاظمت أو تدنّت. غير أن هذه الرغبة المحمومة أخذت تزين لكم كل اجتراحاتكم، حتى صارت محاربة "العائلات" عندكم مشجبا تعلقون عليه كل ممارساتكم وسلوكياتكم وأخلاقياتكم. ألا تدركون أنكم قد وصلتم برغبتكم تلك في محاربة "العائلات"، بأدوات عائلية بغيضة، إلى حالة مرضية حد الهوس والهذيان؟! بلى إنكم تدركون. لقد سئمنا أسطواناتكم العتيقة الممجوجة التي اهترأت وبليت منذ زمن. إن انتماء العائلة والعائلية لجذر لغوي واحد جعل الخلط بينهما أمرا يعود بالمنفعة عند خصوم "العائلات" وأعدائها. يوظفونه ويشغلونه متى شاؤوا، أو متى شاءت ظروفهم، لحساباتهم الذاتية والأسرية والفئوية والحزبية. الحقيقة أن العائلية لا تختلف في مرجعيتها النظرية عن الحزبية/التحزبية. فالتعصب العائلي كالتعصب الحزبي بالضبط، مردّه الإحتكام إلى جملة من القواعد والنظم تزين لك الذات وتلغي الآخر، أو هي تنكر عليه حقه في الوجود أصلا. نحن ندرك تماما أن من جملة التبريرات التي ترسخ فكرة الحزب أو التنظيم – بما في ذلك التنظيم العائلي – هو معاداة الآخر ومحاربته. ومحاربة الآخر هي في أساسها ومنطقها العام آلية دفاعية. والدفاع عن مسوّغات الوجود – وجود الحزب أو التنظيم – يقتضي أول ما يقتضي تغييب الآخر لينعم هو بمساحة نظرية تهيّئ له أرضية صلبة لوجوده وبقائه. كذا يرتهن وجود البعض بغياب الآخر في صراع البقاء. ومما يثير الدهشة أن الوصول إلى هذه الغاية بكل الطرق المحتملة يستمد شرعيته من هذه المعادلة. أليس هذا هو منطق الغاب الذي تعلمتموه في مدارسكم؟! ثم ماهي هذه العائلة التي يرعبوننا أو يجلدوننا بها كلما دقّ الكوز بالجرة؟! بعض الناس يعيبون العائلة لحجمها وامتدادها العددي. فالعائلة عندهم هي تلك التي يتجاوز عدد أفرادها الألف، بمفاهيم كابولية، فتصير عائلية ظالمة بالقوة والفعل! وتلك التي لا يتجاوز أفرادها الثلاثمائة، مثلا، تظل بحكم عددها مظلومة بالضرورة! يصير مرشح العائلة "الكبيرة" عند هؤلاء منبوذا ومحتقرا حتى وإن كان على قدر كبير من الخير والهدى والإستقامة ويصير مرشح العائلة "الصغيرة" مباركا محاطا بعين الله التي لا تنام حتى وإن كان على جانب كبير من الضلالة والعوج! وكذا يصير مرشح الحزب تقدميا وطنيا نقيا طاهرا بالفطرة، كيوم ولدته أمه، ومرشح العائلة يصير بالفطرة ذاتها مختوما بختم العائلية والرجعية والانهزامية، ولن يشفع له شيء على الإطلاق! معايير مقلوبة تشهد على أصحابها بالضآلة والضحالة! تعيبون علينا انتماءنا إلى عائلة "كبيرة" وأنتم تلملمون الشعوب والقبائل والعمائر والبطون والأفخاذ والعشائر والفصائل وما هو أصغر من ذلك لتأسيس عائلة أكبر! منطق أعوج ومعقوف مثل قرون التيس! علاوة على حقّ الوالدين في الرعاية ووجوب توقيرهما، قد حضّ الله تعالى في كتابه العزيز على صلة ذوي القربى في اثنين وعشرين موضعا على وجه التقريب. وقد شاء الله تعالى أن تكون هذه الصلة مادية ومعنوية على حدّ سواء. كذا يصير إلتزامي بالعائلة التزاما بصلة الرحم التي حضّ الله عليها كل خلقه. وكذا تصير العائلة عندي، صغرت أم كبرت طالت أم قصرت، امتدادا بيولوجيا يربط حبل الوريد بحبل الوريد، يصل الرحم بالرحم ويخلط الدم بالدم. والعائلة عندكم مطية فئوية وحزبية تركبونها كل خمسة أعوام مرة لتحقيق مجد مؤثل ونصر مؤزّر في المجلس المحلي، أو مثلما قال سلفنا الصالح كأنكم جئتم "لتنتشلوا الزير من البير". العائلة عندي باقية وعندكم فانية، هي حقّ لا ضرورة، وهي غاية لا وسيلة. العائلة عندي احتكام لصلة الأرحام وعندكم منظومة من الأحكام! أما الأرحام فمقدسة وأما الأحكام فأرضية وضعية داثرة، تغيرونها وتبدلونها مثلما تبدلون جلودكم!. "... فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال" (الرعد: 17) صدق أصدق القائلين. تأسيسا على ذلك، يشرفني أن أسجل أمام حضراتكم ومقاماتكم الرفيعة اعتزازي بالإنتماء إلى عائلتي دون طأطأة ورفضي دون تأتأة لكل أشكال العائلية والفئوية والعصبية وعلى رأسها ذاك النوع الخبيث الذي تمارسونه أنتم بأنفسكم. معها على الخير والهدى وضدها حتى تعود عن غيّها وضلالها. سأظلّ أنصر أخي ظالما حتى يمتنع ويرتدع عن ظلمه وسأظلّ أنصره مظلوما حتى يزول الظلم عنه. وأطالبكم بذلك لكنكم لا تجرؤون! لا نسعى للترويج لأي نهج عائلي فئوي عصبي مهما كان شكله وحجمه ومصدره. لكن العائلية الفئوية العصبية عندما تتلفع بالشهادات أو تلفّ بالأيديولوجيا تصير عائلية العائلة إلى جانبها بردا وسلاما على ضحاياها! فلتعلموا أن عائليتكم، عائلية الثقافة والأيديولوجيا، لهي أنكى من الوباء القاتل! وأنتم تعلمون، لكن لا يرتدّ لكم طرف! وتلك الطامة الكبرى!رددوا ما شئتم مع دريد بن الصمّة قوله:ما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشدِونحن نذكر من تنفعه الذكرى بقول النبي العربي (صلعم): "ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية وليس منا من مات على عصبية". والذكرى تنفع المؤمنين!
جريا على عادتي منذ سنوات طويلة لم أحشر نفسي هذه المرة أيضا في "معركة" الإنتخابات للسلطات المحلية برغم ما رأيناه وسمعناه مما يستفزّ الحمية ويقضّ المضاجع. كانوا بمكرهم يفاخرون وهم يعيبون عليّ "سذاجة" فهمي السياسي ويطالبونني بالبقاء في برج إشكول "العاجي" وأن أعطي الخبز لخبّازه فهو الأقدر على عجنه وخبزه. صحيح، لكنهم يرونها مذمّة ومنقصة ونراها نعمة من نعم الخالق على خلقه! لا أنوي في الحقيقة أن أمثل دور دون كيشوت، ذاك النبيل من إقليم لامنتشا الإسباني. لكني بنفس القدر بالضبط لن أعطي الخبز لخباز جشع لئلا يلتهم نصفه الآخر، وسأقول للأعور أعور بعينه! ولا بأس أن ننشر غسيلنا الوسخ تحت عين الشمس، وإن كانت حارقة، حتى تطهّره من جراثيمه التي عششت في جوانبه وثناياه. لقد سبقنا أجدادنا الصالحون إلى القول، الذين لم يتركوا شيئا إلا قالوه: "أخوك من صدقك لا من صدّقك". إن من يرون أنفسهم عينا وأختها لهذا المجتع، بهما يستنير الناس دربهم، صاروا أنفسهم يخبطون خبط عشواء. فلم يعد هؤلاء قادرين على التمييز بين الحرام والحلال والخبيث والطيب، واستوى عندهم من لا يستوون وهم يعلمون أنهم لا يستوون. أولئك هم أصحاب المقامات السامية من حملة الشهادات الأكاديمية العالية والوسطى والدنيا أو ما هو أصغر من ذلك. وأولئك هم الجبهويون الذين حضروا السوق فساوموا وباعوا واشتروا وقايضوا شعاراتهم بحفنة من الوعود و"الوظائف". ولمّا عهدنا في بعض أولئك الذين يعلقون شهاداتهم على حيطانهم قسطا من المصداقية وقول الحقّ جاء سقوطهم مفاجئا، بصفة خاصة، حينما أصرّوا على إتمام واجباتهم العائلية بكامل هيئتها ونصابها وإعطائها كامل حقها ونصيبها ولم يبخسوها شيئا! ولم يفاجئني، في الحقيقة، سقوط الإمعات والذيول لما يعهده الناس فيهم من تلوّن كالحرباوات يتلونون بلون الأرض والنبات! ينافقون ويكذبون، يتاجرون بأنفسهم كما لو كانوا على "بسطاتهم" يبيعون! ويلبون النداء صاغرين حينما يناديهم جنرالاتهم الكبار وجهابذة الفكر عندهم فيكونون لهم صدى أنكى من الأصل! أشفقت على بعض "المستضعفين المسحوقين المطحونين المهمّشين المحيّدين" من سقوطهم المدوّي عندما فتشوا في زوايا ذاكرتهم وزوايا التاريخ القديم والحديث ولم يجدوا إلا الجغرافيا البعيدة منها والقريبة لتعيد لهم هويتهم السليبة! وأغاظني سقوط أولئك الذين تعلقوا بعباءة جبهتهم فصاروا يميلون حيث تميل كأنهم صم بكم عمي لا يعقلون. أعترف أمامكم بكل الصدق والأمانة، التي لا تعرفونها، بأنّ الإنتخابات المحلية الأخيرة في كابول قد فاجأتني تماما غير عامل بأيّ من أسباب الحيطة والحذر. فاجأتني بشحنة الحقد والجبن التي تتحكم بأقوالكم وأفعالكم والتي عطلت تفكيركم فصرتم لا تعرفون الكوع من البوع. فاجأني هؤلاء، أو بعضهم على أقل تقدير، بإصرارهم على التنازل عن قراراتهم ومشيئاتهم التي هي كل ما يفاخر به الحرّ الطالع من صلب الحرّ. لقد انزلقت الأقنعة عن وجوهكم، في غمرة الاحتفال بالممارسة "الديموقراطية" التي وصلتم فيها حدّ الإحتقان، فبانت حقيقتكم حاسرة كاسرة. في غمضة عين انزلقت الأقنعة وأنتم في تذيّلكم تخوضون مع الخائضين، وكان ما كان! لقد أسقطتكم "حذاقتكم السياسية" في الخطأ والخطيئة فتحطم كثير من قناعاتي القديمة. آمنت لسذاجتي، التي يعيبونها عليّ، أنّ الجبهة التي رفعت شعار "التعليم أولا" ستتعالى على حساباتها الصغيرة وستدعم الأصدق والأقدر على تحقيق شعارها هذا. لكنهم في الجبهة خلطوا شعبان برمضان وكانت النتيجة ما كانت. عذرا.. نسيت أنّ المشكلة في سذاجتي. عندما يصير الشعار المرفوع في أول الإنتخابات آخِر ما يحفل به أصحابه في آخِرها يفقد هؤلاء مصداقيتهم في الأول والآخر! إن جرعة الأيديولوجيا الحزبية التي تعوّلون عليها كثيرا في تحصينكم بالمصداقية وتطعيمكم ضد وباء العائلية قد انتهت صلاحيتها وبرهنت على عجزها تماما! لا نقول ما نقول غامزين هامزين لامزين بل مشفقين عليكم من هذا الانفصام اللعين الذي يجعل النفس تفضح نفسها بنفسها. صحيح ما يقال، إن البيوت أسرار والناس أسرار والله أعلم بما يسرون ويعلنون! كان الأستاذ عودة بشارات يرغي ويزبد وهو يلعن العائلية لا يُبقي ولا يذر! غريب!! إذن كيف تفسر، يا أستاذ عودة، الصفقات التي تمت في الإنتخابات المحلية والتي دعمت فيها الجبهة، أو في بعضها على أقل تقدير، مرشحين أفرزتهم عائلاتهم على أن يقوم هؤلاء المرشحون بلملمة هذه العائلات أو جزء من بطونها وأفخاذها للتصويت بالجملة للجبهة في الإنتخابات القطرية المرتقبة؟ أليس هذا التصويت تكريسا للنهج العائلي الذي تعاديه خصوصا عندما يأتي هذا التصويت تجسيدا لمبدأ الطاعة العائلية وليس ترجمة لموقف سياسي أو تعبيرا عن انتماء أيديولوجي؟ وهل هذا النهج الذي أفرزته المقايضة مفيد لصحة الحزب والجبهة أو لصحة الديموقراطية أصلا؟ هل يصير الأمر حلالا زلالا حينما تمارسه الجبهة ويصير حراما بغيضا حينما تمارسه العائلة؟ قال أنيس منصور قولا ينسحب على كل الأحزاب والتنظيمات أو كما قال: تقوم الأحزاب على مستوى المبدأ للدفع بجملة من الأفكار والمعتقدات (هي هذه التي يسمونها الأيديولوجيا). ولتحقيق هذه الأيديولوجيا لا بد من جملة من القواعد والضوابط التي تقام الفروع والمجالس والكوادر والخلايا لرعايتها. ومع مرور الوقت تصير هذه الأخيرة ممأسسة مؤطرة تحتاج هي الأخرى إلى مثل تلك الرعاية التي تحظى بها الأيديولوجيا نفسها. ومن هنا تصير المسافة الفاصلة بين الحزب كوسيلة وبين الحزب كغاية في ذاته ضيقة لا تراها حتى بالمجهر! لا يخفى على أحد أنّ كل حزب يؤسّس وجوده على مبدأ الطاعة الحزبية. وما هي هذه الطاعة إن لم تكن ممارسة عائلية فئوية قبلية سبطية على مستوى التنظير؟! كذا يجب على الحزبيين الإلتزام بقرارات الحزب حتى وإن كانت ضالة مضللة لا تروق لكثيرين منهم. بالضبط كالتزام تلك العائلة أو تلك الفئة بالتصويت بالجملة للجبهة في الإنتخابات القطرية، ذاك التصويت الذي قايضته الجبهة بتصويتها الجماعي لمرشح تلك العائلة في الإنتخابات المحلية. متاجرة ومقايضة! لا بأس ما دامت هذه هي مشيئتكم. طاعة حزبية بكماء مقابل التزام عائلي/فئوي أصم. لكن، لماذا رمتني بدائها وانسلت؟! إن ما يوحّد هاتين الفئتين، من باب المفارقة الغريبة، إصرارهما على محاربة العائلات "الكبرى" بكل الآليات والأدوات العائلية المسموحة والممنوعة! ذلك لأن هذه الأخيرة تطحن المستضعفين في الأرض وتكرّس عبوديتهم مثلما تحارب الأحزاب بأفكارها التقدمية النيرة! شعارات بالية ومهترئة! قد نفهم رغبة كل فئة أو شريحة من شرائح المجتمع في الوصول إلى غاياتها ومنافعها إن تعاظمت أو تدنّت. غير أن هذه الرغبة المحمومة أخذت تزين لكم كل اجتراحاتكم، حتى صارت محاربة "العائلات" عندكم مشجبا تعلقون عليه كل ممارساتكم وسلوكياتكم وأخلاقياتكم. ألا تدركون أنكم قد وصلتم برغبتكم تلك في محاربة "العائلات"، بأدوات عائلية بغيضة، إلى حالة مرضية حد الهوس والهذيان؟! بلى إنكم تدركون. لقد سئمنا أسطواناتكم العتيقة الممجوجة التي اهترأت وبليت منذ زمن. إن انتماء العائلة والعائلية لجذر لغوي واحد جعل الخلط بينهما أمرا يعود بالمنفعة عند خصوم "العائلات" وأعدائها. يوظفونه ويشغلونه متى شاؤوا، أو متى شاءت ظروفهم، لحساباتهم الذاتية والأسرية والفئوية والحزبية. الحقيقة أن العائلية لا تختلف في مرجعيتها النظرية عن الحزبية/التحزبية. فالتعصب العائلي كالتعصب الحزبي بالضبط، مردّه الإحتكام إلى جملة من القواعد والنظم تزين لك الذات وتلغي الآخر، أو هي تنكر عليه حقه في الوجود أصلا. نحن ندرك تماما أن من جملة التبريرات التي ترسخ فكرة الحزب أو التنظيم – بما في ذلك التنظيم العائلي – هو معاداة الآخر ومحاربته. ومحاربة الآخر هي في أساسها ومنطقها العام آلية دفاعية. والدفاع عن مسوّغات الوجود – وجود الحزب أو التنظيم – يقتضي أول ما يقتضي تغييب الآخر لينعم هو بمساحة نظرية تهيّئ له أرضية صلبة لوجوده وبقائه. كذا يرتهن وجود البعض بغياب الآخر في صراع البقاء. ومما يثير الدهشة أن الوصول إلى هذه الغاية بكل الطرق المحتملة يستمد شرعيته من هذه المعادلة. أليس هذا هو منطق الغاب الذي تعلمتموه في مدارسكم؟! ثم ماهي هذه العائلة التي يرعبوننا أو يجلدوننا بها كلما دقّ الكوز بالجرة؟! بعض الناس يعيبون العائلة لحجمها وامتدادها العددي. فالعائلة عندهم هي تلك التي يتجاوز عدد أفرادها الألف، بمفاهيم كابولية، فتصير عائلية ظالمة بالقوة والفعل! وتلك التي لا يتجاوز أفرادها الثلاثمائة، مثلا، تظل بحكم عددها مظلومة بالضرورة! يصير مرشح العائلة "الكبيرة" عند هؤلاء منبوذا ومحتقرا حتى وإن كان على قدر كبير من الخير والهدى والإستقامة ويصير مرشح العائلة "الصغيرة" مباركا محاطا بعين الله التي لا تنام حتى وإن كان على جانب كبير من الضلالة والعوج! وكذا يصير مرشح الحزب تقدميا وطنيا نقيا طاهرا بالفطرة، كيوم ولدته أمه، ومرشح العائلة يصير بالفطرة ذاتها مختوما بختم العائلية والرجعية والانهزامية، ولن يشفع له شيء على الإطلاق! معايير مقلوبة تشهد على أصحابها بالضآلة والضحالة! تعيبون علينا انتماءنا إلى عائلة "كبيرة" وأنتم تلملمون الشعوب والقبائل والعمائر والبطون والأفخاذ والعشائر والفصائل وما هو أصغر من ذلك لتأسيس عائلة أكبر! منطق أعوج ومعقوف مثل قرون التيس! علاوة على حقّ الوالدين في الرعاية ووجوب توقيرهما، قد حضّ الله تعالى في كتابه العزيز على صلة ذوي القربى في اثنين وعشرين موضعا على وجه التقريب. وقد شاء الله تعالى أن تكون هذه الصلة مادية ومعنوية على حدّ سواء. كذا يصير إلتزامي بالعائلة التزاما بصلة الرحم التي حضّ الله عليها كل خلقه. وكذا تصير العائلة عندي، صغرت أم كبرت طالت أم قصرت، امتدادا بيولوجيا يربط حبل الوريد بحبل الوريد، يصل الرحم بالرحم ويخلط الدم بالدم. والعائلة عندكم مطية فئوية وحزبية تركبونها كل خمسة أعوام مرة لتحقيق مجد مؤثل ونصر مؤزّر في المجلس المحلي، أو مثلما قال سلفنا الصالح كأنكم جئتم "لتنتشلوا الزير من البير". العائلة عندي باقية وعندكم فانية، هي حقّ لا ضرورة، وهي غاية لا وسيلة. العائلة عندي احتكام لصلة الأرحام وعندكم منظومة من الأحكام! أما الأرحام فمقدسة وأما الأحكام فأرضية وضعية داثرة، تغيرونها وتبدلونها مثلما تبدلون جلودكم!. "... فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال" (الرعد: 17) صدق أصدق القائلين. تأسيسا على ذلك، يشرفني أن أسجل أمام حضراتكم ومقاماتكم الرفيعة اعتزازي بالإنتماء إلى عائلتي دون طأطأة ورفضي دون تأتأة لكل أشكال العائلية والفئوية والعصبية وعلى رأسها ذاك النوع الخبيث الذي تمارسونه أنتم بأنفسكم. معها على الخير والهدى وضدها حتى تعود عن غيّها وضلالها. سأظلّ أنصر أخي ظالما حتى يمتنع ويرتدع عن ظلمه وسأظلّ أنصره مظلوما حتى يزول الظلم عنه. وأطالبكم بذلك لكنكم لا تجرؤون! لا نسعى للترويج لأي نهج عائلي فئوي عصبي مهما كان شكله وحجمه ومصدره. لكن العائلية الفئوية العصبية عندما تتلفع بالشهادات أو تلفّ بالأيديولوجيا تصير عائلية العائلة إلى جانبها بردا وسلاما على ضحاياها! فلتعلموا أن عائليتكم، عائلية الثقافة والأيديولوجيا، لهي أنكى من الوباء القاتل! وأنتم تعلمون، لكن لا يرتدّ لكم طرف! وتلك الطامة الكبرى!رددوا ما شئتم مع دريد بن الصمّة قوله:ما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشدِونحن نذكر من تنفعه الذكرى بقول النبي العربي (صلعم): "ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية وليس منا من مات على عصبية". والذكرى تنفع المؤمنين!