اَلتبادليّة .. للمرة الأولى
لا نزعم نشوء "التوازن الاستراتيجي" الذي طالما تحدث عنه الرئيس الراحل حافظ الاسد، ونظّر له كثيرون من "المفكرين" الرسميين وأضرابهم الملحقين "بالرسميين"، لكن قد يصحّ القول إن الحرب الاخيرة بين اسرائيل وحزب الله كانت الحرب الأولى بين العرب واسرائيل التي يتحقق فيها مبدأ التبادلية، وليس فقط لكونها استمرت اكثر من شهر دون حسم عسكري، بل لأنها الحرب الاولى التي يظهر فيها المقاتل العربي ندّا حقيقيا للمقاتل الاسرائيلي.فالجندي العربي الذي يخلع حذاءه العسكري ويولي هاربا لم يظهر امام كاميرات الشماتة والتشفي في هذه الحرب الاستثنائية.وكانت هذه الحرب الاولى التي تقوم على تبادل الضربات الموجعة، والحرب الاولى التي يعبّر فيها الجنود الاسرائيليون عن مخاوفهم وتحسباتهم في التعامل مع طراز جديد من الجنود العرب، طراز يتميز بحسن التدريب والتسلح وبالشجاعة والايمان الكافيين لنبذ فكرة الاستسلام والرايات البيض، وهكذا فقد ظهر جليا مقدار السخف والحمق والجهل في نداءات الاذاعات الاسرائيلية الخاصة والتابعة للجيش، ودعوتها المواطنين اللبنانيين ورجال حزب الله، الى تسليم السلاح والتجمع في مكان ما، بآيد معقودة خلف الرقاب. كانت هذه هي الصورة التي تعوّد عليها جنود اسرائيل في معظم حروبهم السابقة، بل فيها جميعا، وها هم جنود حزب الله يوجهون صواريخ "ساجر" الى دبابات المركاڤاه، فخر الصناعة الحربية الاسرائيلية، ويشلونها منتقلين الى مواجهة اخرى براياتهم الخاصة والمعروفة والبعيدة كل البعد عن الرايات البيض، شكلا ومضمونا.صحيح انه لا يجوز الحديث عن تعادليّة او تكافؤ في القوة المادية بين آلة الحرب الاسرائيلية وتجهيزات حزب الله، لكنه يجوز الحديث قطعا، عن تفوق حزب الله في المصداقية وتفوقه في ادارة الحرب بشكل ارقى مما حققته جميع الجيوش العربية النظامية سابقا، وارقى مما حققه الجيش الاسرائيلي في هذه الحرب، فقد تابع العرب والعالم بيانات السيد حسن نصر الله الرصينة والجادة والبعيدة عن العنعنات والشنشنات والتهويل والتهويش والانشائيات الخطابية التافهة المأثورة عن "زعماء" المؤسستين السياسية والعسكرية في حظائر سايكس- پيكو، التي نسميها، مجازا بالدول العربية.ويجيء القرار الدولي (لا الأُممي!) 1071، ليمنح اسرائيل اكثر مما حققته ميدانيا، وليأخذ من حزب الله اكثر مما يتناسب مع انجازه العسكري، ورغم ذلك فقد قرر الالتزام بالقرار مع تسجيل ملاحظات لا تعرقل مسيرة الحكومة اللبنانية والدولة اللبنانية سياسيا، على الصعيدين المحلي والدولي.ثمة دمار كبير وغير مبرر لحق بالاشقاء اللبنانيين وببنية بلادهم التحتية، فان سقوط اكثر من ألف شهيد وتحول قرابة المليون لبناني الى لاجئين وتدمير الجسور والطرق واحياء كاملة في المدن والبلدات والقرى اللبنانية، واستهداف قوافل النازحين وطواقم الاعلاميين والصليب الاحمر الدولي وبعض مواقع الجيش اللبناني وقوات يونيفيل والمطارات والموانئ، كل هذه الامور تشكّل كارثة للبنان بالمعنى الانساني بمثل ما تشكل فضيحة لاسرائيل، بجميع المعاني العسكرية والقانونية والانسانية.واذا كانت بعض الجهات الاسرائيلية قد حاولت تشويه مشهد دموع فؤاد السنيورة والتريقة عليه والسخرية منه، فقد كان من الاجدى والاجدر ان تنتبه هذه الجهات الى دموع جنودها من المظليين والغولانيين ودموع الاطفال والامهات والآباء والبشر السويين في لبنان ومختلف ارجاء العالم الذي شاهد الفظاعات وتقزز من جرائم الحرب، وكم كانت موجعة ملاحظة مراسل الجزيرة يوسف الشولي حين قال ان قوافل النازحين اللبنانيين اعادت الى الاذهان مشاهد اللاجئين الفلسطينيين من الحربين البائستين في 8491 و 7691، مع ضرورة الاشارة الى اسقاطات هذه الحروب جميعا، فقد تلخصت المواقف السياسية والعسكرية والاعلامية العربية سابقا في ما ينسجم مع قول الشاعر القديم: "اوسعتُهم شتما واودوا بالإبل".. اما في هذه الحرب فيستطيع حسن نصر الله القول: "أوسعتهم قصفا ولم يودوا بالإبل.."!الجنرال اودي آدم، قائد المنطقة الشمالية في الجيش الاسرائيلي، والذي غمز رئيس الاركان الجنرال دان حلوتس من قناته، اراد ان يلخص الحرب بما يعيد اليه شيئا من الاعتبار، فقال: "حزب الله اليوم، ليس ما كان عليه قبل شهر".. وكان عليه ان يقولها بصراحة: "حروب اسرائيل بعد اليوم لن تكون ما كانت عليه حروبها السابقة كلها"، فأسطورة الجيش الذي لا يقهر، وظاهرة الحرب الخاطفة، والحرب النزهة، والهزائم العربية الناجزة والمطلقة لم تعد واردة بالحسبان، ذلك ان هذه الحرب خلخلت الموازين بمثل ما خلخلت المفاهيم الحربية الراسخة بشكل قدَريّ في العقلية الاسرائيلية الحاكمة.ولأننا متشبثون بضرورة احترام العقل والبقاء خارج دائرة الزعبرة والهلوسة والغوغائية، فلا بد لنا من تسجيل ملاحظاتنا على الجوانب التي نراها سلبيةعلى صعيدنا العربي، وكنا ألمحنا وصرَّحنا بشأن هذه الملاحظات في مواقع سابقة، هنا في "كل العرب" وفي وسائل اعلام عربية كثيرة اخرى.من هذه الملاحظات، غياب مفهوم الدولة عن هذه الحرب وعن ملابسات مماثلة في الوطن العربي، فلا يعقل ان تدخل بلاد بأكملها حالة حرب مدمّرة ومروعة كهذه، دون علم رئيس الجمهورية ودون علم رئيس الوزراء ودون علم رئيس الندوة البرلمانية ودون علم قائد الجيش ودون علم المواطنين.. وهذا بالضبط ما حدث في لبنان، وحدث ما يشبهه في العراق وحدث ما يشبهه في فلسطين ويحدث ما يشبهه في السودان وفي الصومال وفي اماكن اخرى من حظائر سايكس- پيكو التي نطلق عليها، مجازا، اسم الدول العربية.كنّا في عدد سابق قد تحدثنا عن "الجاهلية الجديدة" و "القبلية السياسية"، محذرين من ظواهر التسيب السياسي واختطاف الدول والغاء ادوارها في شؤون الحرب والسلام والاقتصاد والمجتمع.. وها نحن نحذّر مرة اخرى من ظاهرة "الدولة داخل الدولة" والانفراد بالقرارات، مرة على يد زعيم اوحد" ومرة على يد "قائد ملهم" ومرة على يد "الزعيم المطلق الابدي" في حزب مطلق ابدي.. فلا يمكن ولا يعقل ولا يجوز ان تحدد مصائر الامم وفق إرادة فردية ومزاج شخصي.. وها نحن نكررها، بأنه لن تقوم لنا قائمة في غياب مفهوم الدولة والديموقراطية واحترام التعددية واحترام الشعب، ولا يجوز، السكوت عن تحويل "الشعوب" الى قطعان وتحويل "الدول" الى مزارع خاصة بهذه الطغمة وهذه المافيا وهذه العشيرة وهذه العصابة وهذه الطائفية وهذه الاسرة، ولا يجوز السكوت عن استفحال الامية والجهل والتخلف واستشراء القبلية السياسية والظلامية الفكرية.. وبعبارة مكثّفة: لا للجاهلية الجديدة!
لا نزعم نشوء "التوازن الاستراتيجي" الذي طالما تحدث عنه الرئيس الراحل حافظ الاسد، ونظّر له كثيرون من "المفكرين" الرسميين وأضرابهم الملحقين "بالرسميين"، لكن قد يصحّ القول إن الحرب الاخيرة بين اسرائيل وحزب الله كانت الحرب الأولى بين العرب واسرائيل التي يتحقق فيها مبدأ التبادلية، وليس فقط لكونها استمرت اكثر من شهر دون حسم عسكري، بل لأنها الحرب الاولى التي يظهر فيها المقاتل العربي ندّا حقيقيا للمقاتل الاسرائيلي.فالجندي العربي الذي يخلع حذاءه العسكري ويولي هاربا لم يظهر امام كاميرات الشماتة والتشفي في هذه الحرب الاستثنائية.وكانت هذه الحرب الاولى التي تقوم على تبادل الضربات الموجعة، والحرب الاولى التي يعبّر فيها الجنود الاسرائيليون عن مخاوفهم وتحسباتهم في التعامل مع طراز جديد من الجنود العرب، طراز يتميز بحسن التدريب والتسلح وبالشجاعة والايمان الكافيين لنبذ فكرة الاستسلام والرايات البيض، وهكذا فقد ظهر جليا مقدار السخف والحمق والجهل في نداءات الاذاعات الاسرائيلية الخاصة والتابعة للجيش، ودعوتها المواطنين اللبنانيين ورجال حزب الله، الى تسليم السلاح والتجمع في مكان ما، بآيد معقودة خلف الرقاب. كانت هذه هي الصورة التي تعوّد عليها جنود اسرائيل في معظم حروبهم السابقة، بل فيها جميعا، وها هم جنود حزب الله يوجهون صواريخ "ساجر" الى دبابات المركاڤاه، فخر الصناعة الحربية الاسرائيلية، ويشلونها منتقلين الى مواجهة اخرى براياتهم الخاصة والمعروفة والبعيدة كل البعد عن الرايات البيض، شكلا ومضمونا.صحيح انه لا يجوز الحديث عن تعادليّة او تكافؤ في القوة المادية بين آلة الحرب الاسرائيلية وتجهيزات حزب الله، لكنه يجوز الحديث قطعا، عن تفوق حزب الله في المصداقية وتفوقه في ادارة الحرب بشكل ارقى مما حققته جميع الجيوش العربية النظامية سابقا، وارقى مما حققه الجيش الاسرائيلي في هذه الحرب، فقد تابع العرب والعالم بيانات السيد حسن نصر الله الرصينة والجادة والبعيدة عن العنعنات والشنشنات والتهويل والتهويش والانشائيات الخطابية التافهة المأثورة عن "زعماء" المؤسستين السياسية والعسكرية في حظائر سايكس- پيكو، التي نسميها، مجازا بالدول العربية.ويجيء القرار الدولي (لا الأُممي!) 1071، ليمنح اسرائيل اكثر مما حققته ميدانيا، وليأخذ من حزب الله اكثر مما يتناسب مع انجازه العسكري، ورغم ذلك فقد قرر الالتزام بالقرار مع تسجيل ملاحظات لا تعرقل مسيرة الحكومة اللبنانية والدولة اللبنانية سياسيا، على الصعيدين المحلي والدولي.ثمة دمار كبير وغير مبرر لحق بالاشقاء اللبنانيين وببنية بلادهم التحتية، فان سقوط اكثر من ألف شهيد وتحول قرابة المليون لبناني الى لاجئين وتدمير الجسور والطرق واحياء كاملة في المدن والبلدات والقرى اللبنانية، واستهداف قوافل النازحين وطواقم الاعلاميين والصليب الاحمر الدولي وبعض مواقع الجيش اللبناني وقوات يونيفيل والمطارات والموانئ، كل هذه الامور تشكّل كارثة للبنان بالمعنى الانساني بمثل ما تشكل فضيحة لاسرائيل، بجميع المعاني العسكرية والقانونية والانسانية.واذا كانت بعض الجهات الاسرائيلية قد حاولت تشويه مشهد دموع فؤاد السنيورة والتريقة عليه والسخرية منه، فقد كان من الاجدى والاجدر ان تنتبه هذه الجهات الى دموع جنودها من المظليين والغولانيين ودموع الاطفال والامهات والآباء والبشر السويين في لبنان ومختلف ارجاء العالم الذي شاهد الفظاعات وتقزز من جرائم الحرب، وكم كانت موجعة ملاحظة مراسل الجزيرة يوسف الشولي حين قال ان قوافل النازحين اللبنانيين اعادت الى الاذهان مشاهد اللاجئين الفلسطينيين من الحربين البائستين في 8491 و 7691، مع ضرورة الاشارة الى اسقاطات هذه الحروب جميعا، فقد تلخصت المواقف السياسية والعسكرية والاعلامية العربية سابقا في ما ينسجم مع قول الشاعر القديم: "اوسعتُهم شتما واودوا بالإبل".. اما في هذه الحرب فيستطيع حسن نصر الله القول: "أوسعتهم قصفا ولم يودوا بالإبل.."!الجنرال اودي آدم، قائد المنطقة الشمالية في الجيش الاسرائيلي، والذي غمز رئيس الاركان الجنرال دان حلوتس من قناته، اراد ان يلخص الحرب بما يعيد اليه شيئا من الاعتبار، فقال: "حزب الله اليوم، ليس ما كان عليه قبل شهر".. وكان عليه ان يقولها بصراحة: "حروب اسرائيل بعد اليوم لن تكون ما كانت عليه حروبها السابقة كلها"، فأسطورة الجيش الذي لا يقهر، وظاهرة الحرب الخاطفة، والحرب النزهة، والهزائم العربية الناجزة والمطلقة لم تعد واردة بالحسبان، ذلك ان هذه الحرب خلخلت الموازين بمثل ما خلخلت المفاهيم الحربية الراسخة بشكل قدَريّ في العقلية الاسرائيلية الحاكمة.ولأننا متشبثون بضرورة احترام العقل والبقاء خارج دائرة الزعبرة والهلوسة والغوغائية، فلا بد لنا من تسجيل ملاحظاتنا على الجوانب التي نراها سلبيةعلى صعيدنا العربي، وكنا ألمحنا وصرَّحنا بشأن هذه الملاحظات في مواقع سابقة، هنا في "كل العرب" وفي وسائل اعلام عربية كثيرة اخرى.من هذه الملاحظات، غياب مفهوم الدولة عن هذه الحرب وعن ملابسات مماثلة في الوطن العربي، فلا يعقل ان تدخل بلاد بأكملها حالة حرب مدمّرة ومروعة كهذه، دون علم رئيس الجمهورية ودون علم رئيس الوزراء ودون علم رئيس الندوة البرلمانية ودون علم قائد الجيش ودون علم المواطنين.. وهذا بالضبط ما حدث في لبنان، وحدث ما يشبهه في العراق وحدث ما يشبهه في فلسطين ويحدث ما يشبهه في السودان وفي الصومال وفي اماكن اخرى من حظائر سايكس- پيكو التي نطلق عليها، مجازا، اسم الدول العربية.كنّا في عدد سابق قد تحدثنا عن "الجاهلية الجديدة" و "القبلية السياسية"، محذرين من ظواهر التسيب السياسي واختطاف الدول والغاء ادوارها في شؤون الحرب والسلام والاقتصاد والمجتمع.. وها نحن نحذّر مرة اخرى من ظاهرة "الدولة داخل الدولة" والانفراد بالقرارات، مرة على يد زعيم اوحد" ومرة على يد "قائد ملهم" ومرة على يد "الزعيم المطلق الابدي" في حزب مطلق ابدي.. فلا يمكن ولا يعقل ولا يجوز ان تحدد مصائر الامم وفق إرادة فردية ومزاج شخصي.. وها نحن نكررها، بأنه لن تقوم لنا قائمة في غياب مفهوم الدولة والديموقراطية واحترام التعددية واحترام الشعب، ولا يجوز، السكوت عن تحويل "الشعوب" الى قطعان وتحويل "الدول" الى مزارع خاصة بهذه الطغمة وهذه المافيا وهذه العشيرة وهذه العصابة وهذه الطائفية وهذه الاسرة، ولا يجوز السكوت عن استفحال الامية والجهل والتخلف واستشراء القبلية السياسية والظلامية الفكرية.. وبعبارة مكثّفة: لا للجاهلية الجديدة!
نقطة. سطر جديد..