الباحث خالد عوض يصدر كتاباً جديداً بعنوان الناصرة: سِجِّل مُصوّر
تمت قراءة نقدية للكتاب من قبل الدكتور هزاع ابو ربيع -أستاذ الدراسات الشرقية في جامعة سنترال كونكتكت
تمت قراءة نقدية للكتاب من قبل الدكتور هزاع ابو ربيع -أستاذ الدراسات الشرقية في جامعة سنترال كونكتكت
يستحق الاستاذ خالدعوض كل الاحترام والتقدير للمجهود الفردي الجبار الذي بذله لانجاز هذا السجل المصور لمدينة الناصرة
فصول هذا الكتاب المتنوعة والعشرات من الصور المأخوذة أكثرها من أرشيف مكتبة الكونغرس الأمريكي وبعض الأرشيفات الكنسية والشخصية تأخذك برحلة تُطلعك على موقع المدينة الجغرافي
قيل سابقاً أن الصورة تُغني عن ألف كلمة، فيكفي أن تتأمل صورة ما لتأخذك إلى عالم أو حتى عوالمٍ لم ترها عيناك من قبل، فَتُحلّقُ بروحك في أرجاء ذلك العالم، ومنها تبثُ في حشايا ذاكرتك تلك الذكريات المليئة بالشوقِ والحَسرةِ على ذلك الزمان الذي إِلتَقَطت فيه عدسة أحد المصورين تلك الصورة، وتركها لنا نتمتع برؤيتها ونستكشف ثنايا قصتها، هذا هو ما تحمله لنا صفحات كتاب الناصرة "سِجِّل مُصوّر" للأستاذ خالد عوض الصادر قبل عدة ايام والذي تَصفّحتُه على شاشة حاسوبي حيثُ أرسلهُ لي الأستاذ خالد على شكل أسطوانة مضغوطة، فحملتني تلك الصور إلى عالمٍ قد عَشَشَ في وجداني منذ الطفولة، حملني إلى بلدتي الصغيرة الرابضة في أحضانِ جبال الناصرة المُمتدة أمام سهلٍ ضيقٍ وخصب. في تلك القرية الصغيرة والهادئة عاشت البتول مريم وابنها الطاهر.
.jpg)
الباحث خالد عوض
قال تعالى :"إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه"(النساء 171) حيثُ ارتوت العائلة المقدسة من ينبوعها الذي ما زال يتدفق ليومنا هذا، ومن بعدهم شرب آباؤنا وأٌمهاتنا ليسري في عروقهم ماؤها الطاهر. وأينما كانت اقدام الطفل المسيح تلعب وتتراكض مع أقرانه على سفوح الجبال المحيطة بالبلدة، فربما كانوا يلعبون "الغُميضة" بين صخورها أو"طاق طاق طاقيه شباكين وعلية، رن رن يا جرس حَوِّل واركب عَ الفرس" تلك الألعاب وغيرها التي توارثناها أبً عن جد ولعبناها أيام طفوتنا، ربما كان الطفل المسيح يلعبها أيضاً، وبعد أن يفرغ من اللعب ربما أيضاً كان يتجول بين سهولها ووديانها الخصبة لتقطف يداه المباركتان الزعتر والخبيزة والزوفا، ويزرعُ في حاكورة بيته النعنع والميرمية التي ما تزال جزءا من حياتنا اليومية، أو كان يتفيأ وقت العصرونة تحت شجر الزيتون واللوز والرمان. في ربوع هذه البلدة عاش المسيح وتنفس من هوائها العليل قبل ان يورثنا قدسيتها مع ملاعب صباه، هنا عشنا جنباً إلى جنب مسلمين ومسيحيين حاملين ذكراه الطيبة ، مستمدين منهُ الصمود والأصرار على البقاء في أرضنا كما وأوصانا أن نحب بعضنا البعض ونتكاتف كالبنيان المرصوص لنواجه غدر الزمان حيث قال: "وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُم بَعْضًا. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضًا بَعْضُكُمْ بَعْضًا."(يوحنا 13:34).
ارض الميلاد والمعراج
لقد تكالبت أممٌ كثيرة على ارض الميلاد والمعراج، ولكنها ذهبت أدراج الرياح ولم يبقَ فيها إلا أهل أرضها الأصليين الذين حافظوا على أرضها التي احتضنت المسيح طفلاً ونطق الحكمة فيها شاباً وتركها أمانة في أعناقنا وأعناق أبنائنا من بعدنا، في صفحات هذا الكتاب نُكحّل أعيُننا برؤية بلدة غيرَّت معاولُ المدنية الحديثة معالمها التي نقضت أقواس بيوتها العربية وتصاميمها الرائعة رأساً على عقب، واستبدلتها بتصاميم غريبة عن جو المكان ودخيلة على مقاييس جماله، وما انفكت المدنية الحديثة تهدم ماضيها حتى قضت على ما تبقى من عادات لباس أهلها وتقاليدهم، فكل صورة من صور هذه المدينة تنسدل ورائها قصة طويلة تمتد جذورها إلى زمن المسيح، فتارة ترى أزقة البلدة وحواريها الضيقة وسكانها الدالون على هويتها، وتارة ترى مأذنة الجامع الأبيض تتطاول في الفضاء وترنو إلى كنيسة البشارة التي يقف أمام عتباتها مقام شهاب الدين الصغير ليُذّكر سكان المدينة بالعهد الذي قطعه على نفسه عندما استرجع مدينة الناصرة من الصليبيين وأعطى سكانها المسيحيين صك الأمان والعبادة وضمان زيارتهم لبيت العذراء المقدس، وربما كان قد طلب شهاب الدين دفنه في ذلك المكان تحديدا لتبقى روحه حامية لحدود إحترام صك الحماية وتنفيذ بنوده , وربما كان مقصده أن يكون مثواه الأخير قريباً من البيت المُقدّس الذي ظهر فيه الملاك جبريل وبشّر مريم بالخبر السار. مهما يكن السبب فلا شك بأن هذه المقدسات والصور التي يبرزها هذا الكتاب شاهدة على أصالة أهلها ووجودهم المستمر.
تطورمدينة الناصرة
على مدى فصول الكتاب الخمسة تُطالعك صورٌ تسرد قصة تطورهذه المدينة ووجوه أهلها من زمن الدولة العثمانية وحتى زوال الاحتلال الانجليزي عنها، ولم يغفل المؤلف عن ذكر أهم الأحداث التي جرت في هذه البلدة خلال تلك الفترة وكيف كانت تبدو المناطق المقدسة التي تحويها، فكل صورة منها تنطق بعراقة هذه المدينة التي تجذب إليها الملايين من الحجاج المتعطشين لزيارة بيت المسيح وعين مريم ومنجرة يوسف وكنيسة البلاطة وجبل القفزة، متجولين في الطرقات الضيقة وبين الحوانيت والبيوت يتلمسون آثار رائحة القداسة العالقة في جدرانها، أو يقفون عند عين العذراء ليتأملوا منظر النساء النصراويات وهن ينشلن المياه ويعبئنها في الجرار الكبيرة، في ثيابهن الفلسطينية المطرزة بالألوان الزاهية فتعطي المكان صورة رومانسية حالمة. فأسم هذه المدينة المقدسة يُذكرعلى شفاه المؤمنين عدداً لا يمكن إحصاءهُ من المرات يومياً، هذا وما ألهمتهُ تفاصيل هذه المدينة للفنانين والموسيقيين والنحاتين الذين أبدعوا في رسم صورة مكان وكنيسة وبلدة البشارة، وتفننوا في بناء الكاتدرائيات الجميلة في جميع أرجاء العالم لتخليدها حتى لم يبقَ إنسان على وجه هذه الارض دون ان يسمع او ينطق باسمها.
الدكتور هزاع ابو ربيع
بناء الكنائس
فصول هذا الكتاب المتنوعة والعشرات من الصور المأخوذة أكثرها من أرشيف مكتبة الكونغرس الأمريكي وبعض الأرشيفات الكنسية والشخصية تأخذك برحلة تُطلعك على موقع المدينة الجغرافي وتضاريسها وما تحويها من مصادر معيشية وطرق المواصلات بينها وبين سائر المدن الفلسطينية. فيحتوي الفصل الاول على بعض الصور البانورامية للمدينة من كل جهة وزاوية وبعض الصور الجوية التي أُلتُقطت في الفترة الإنجليزية، أما الفصل الثاني فيُطلعنا على النشاط الاقتصادي والعمراني والتعليمي في المدينة وأهميته في تطورها وإتساع مساحتها نتيجة للزيادة السكانية التي حصلت فيها، والفصل الثالث والرابع مليءٌ بصور الأماكن الدينية المسيحية والأسلامية والفرمانات الإصلاحية العثمانية التي ضمنت حقوق حرية العبادة لكل مواطن دون إستثناء والسماح للطوائف المسيحية ببناء الكنائس وشراء المقابر وتجديد دورالعبادة والحفاظ على خصوصية طوائفهم وأهمية دورهم في إدارة المدينة دون تمييز، فكانت النتيجة أن قام المسؤولون الدينيون والمحليون بالتنافس على بناء المدارس والمستشفيات والملاجئ لتخفيف شَظَف وبؤس حياة سكانها المسيحيين والمسلمين، وكذلك أولوا أهمية خاصة للتعليم لتحسين حياة أبناءها وخلق جيلٍ جديد متسلح بالعلم والإيمان. يذكرُ المؤلف في الفصل الرابع كيف سقطت الناصرة بيد القوات الإسرائيلية بعد طيِّ صفحةِ الإنتداب البريطاني الذي غيّرَ وجوده في المدينة من بنيتها السكانية والطوبوغرافية، حيث احتلت مصانع التبغ والدخان المرتبة الثانية في إنتاج الدخان والتمباك بين شركات الدخان في فلسطين، ويختم المؤلف كتابه بذكر أسماء الولاة العثمانيين الذين تعاقبوا على حكم مدينة الناصرة منذ الفترة العثمانية وحتى زوال الانتداب الانجليزي لفلسطين.
الحفاظ على تاريخ بلدنا
يستحق الاستاذ خالدعوض كل الاحترام والتقدير للمجهود الفردي الجبار الذي بذله لانجاز هذا السجل المصور لمدينة الناصرة‘ فهذا الكتاب ليس لاجترار قصص قديمة لأحداث الناصرة، وانما للحفاظ على تاريخنا الذي طُمس عمداً لكي تتشوه شخصياتنا ونتبرأ من أنفسنا، فالحفاظ على تاريخ بلدنا مهم جداً لفهم حاضرنا الذي هو مرآة ماضينا، واتمنى أن تقدر الاجيال القادمة هذا السجل المصور وأن يكون ضوءا في النفق المظلم، وأن يزين قلوبنا قبل بيوتنا ومكاتبنا.

كتاب الناصرة سجل مصور