مملكة الطائر
موضة جديدة أخذت في الظهور لدينا منذ فترة، بصورة غير مسبوقة، وبات السكوت عليها أشبه بالسكوت عن الحق، إنها موضة حب الظهور والجشع المجاني والساذج إلى الشهرة والانتشار، والسعي للظهور في الخارج، مهما كلف الأمر، حتى لو كلف التنازل عن النفس، اعز ما يوجد لدينا وأغلاه.آخر ما استمعت إليه، وله علاقة بهذه الموضة، ادعاء إحداهن إنها وصلت إلى الخارج)هل وصلت يا سيدتي أولا إلى حيث يفترض، إلى الداخل) لكن ليس كما أرادت، وقولها إنها تريد أن تصل أكثر، ولم تخف رغبتها الساذجة هذه.الغريب أن أحدا آخر، مكث إلى جانبها حين إدلائها بهذا الكلام الخالي من المعنى، ثنى على رأيها وراح يسرد وقائع له مع معروفين من الخارج، وعدوه بان يمنحوه إمكانية للظهور في أعمال فنية إلى جانبهم، إلا أنهم لحسوا وعودهم، حسبما قال، ما جعله يشعر أن كلام الليل يمحوه النهار!!هذان المثلان هما عينة، فقط عينة، لأناس يفترض أن يكونوا فنانين من بلادنا، يستدرون فيه عطف العالم العربي المحيط بنا، مستعملين شتى الحيل، ولا أبالغ إذا قلت إن بعضهم على استعداد لان يسافر إلى الخارج وان يقيم الموائد ويعزم إليها من ينظر إليه بعين الريبة، واعدا إياه بان يلبي دعوته، إلا انه لا يلبيها في النهاية، أما إذا ما وفق هذا الأحدهم في الحصول على أغنية أو في إصدار كتاب في هذه البلاد أو تلك، فانه يعتقد انه بات مالكا لرأس كليب، إلا انه سرعان ما يتبين له، ولمن لف لفه، أن ما اعتقده وخطر له ما هو إلا أضغاث من الأحلام، وكلام فارغ، لن يكون له ما بعده كما افترض.لهؤلاء أقول إن الإنسان والفنان بصورة عامة إنما يسعى لان يصل إلى الداخل، وليس العكس، انه يسعى لرؤية داخله، فإذا ما رأى هذا الداخل، اكتشفه وتبين له ما احتواه وضمه من كنوز، هي كبيرة، مهما بدت صغيرة، كان له ما أراده، وحقق وجوده وأكثر، أما إذا لم يكتشف داخله فأفضل له أن يبحث عن مهنة أخرى غير مهنة المهرج التي سيؤول إليها حاله في نهاية المطاف.لا اخفي أنني مشمئز شديد الاشمئزاز لهذا الموضة وإفرازاتها الصفيقة، فانا من المؤمنين، بان الانتشار والشهرة إنما هما تحصيل حاصل، يأتيان نتيجة لعمل جدي ومتواصل، ولا يكونان لمن لا يقدم عطاء حقيقيا، وحتى لو تحققا لمن يطلبهما بطرق ملتوية، فإنهما سيكونان عابرين، لا طعم ولا رائحة لهما.هذا يعني أننا إذا ما أعطينا بصدق، عمق وإخلاص، فانه سيكون لنا أن نُعرف وان يطلع أبناء جلدتنا والعالم أيضا، على ما نعطيه، وحتى لو تعذر علينا أن نكسب العالم، فانه من الأحرى بنا أن نكسب أنفسنا، لان من يخسر نفسه إنما يخسر العالم ويعيش في غربة، مهما أحاط به نفسه من مظاهر مضللة وبريق عابر لا يلبث أن يزول ويولي، تاركا وراءه ما كمن من أباطيل.لهذا فان ما اطلبه من نفسي قبل أي نفس أخرى، هو الجدية في الإقبال على ما أريد أن أعطيه وأقدمه، فانا إذا ما أردت أن أعطي قطعة موسيقية بذلت كل ما لدي من طاقة وجهد، ومنحتها ما تستحق أن تأخذه عن طيب خاطر، غير مدخر جهدا أو طاقة، وإذا ما أردت أن أقدم لوحة فنية أو كتابا، فإنني افعل الأمر ذاته.بعد ذلك اطلب من نفسي، أن أقدم ما يناسب زماني ومكاني اللذين أعيش وأقيم فيهما، فانا لا أريد أن أكون في كل زمان ومكان باستثناء زماني ومكاني، لا أريد هذا بالمرة، وإنما أريد أن أكون حيث ينبغي أن أكون، مع نفسي، في بلادي وبين أهلي. هذا هو مطلبي وهذا هو رجائي.أريد أن أكون هنا أولا وقبل أن أكون في أي مكان آخر هناك في العالم، فإذا ما كنت هنا حقيقة، عندها قد أكون في أي مكان آخر، أما العكس فانه من لغو القول. قد لا ابتعد كثيرا إذا ما قلت إن العالمية- التي يسعى إليها ناشدو الانتشار في ضلالهم، إنما هي تكمن في المحلية، وليس في أي مكان آخر، إنها تكمن هنا في جمال بلادنا، في إنساننا وفي طبيعتنا، في أحجارنا النابضة وفي أشجارنا حين تلامسها الرياح فتحكي، لهذا قلت وأقول، إننا كلما أوغلنا في محلينا وتعمقنا فيها، وصلنا إلى العالم، وليس العكس، ليس العكس بالحتم.أما حينما ننتج ما نريد إنتاجه من عطاء فني، فنحن إنما ننتجه لأنفسنا أولا وقبل أن ننتجه لأي إنسان أخر في العالم، مهما كان قريبا منا، ومهما ربطتنا به من أواصر محبة، إننا إنما ننتج لأنفسنا، فإذا ما رضيت هذه الأنفس، فان رضا ما شابهنا منها على الأقل، يصبح في حكم المحتم.قد يعترض بعضكم قائلا، إن هذا الكلام "كان زمان"، وقد يدعي أن الزمن تغير، خاصة في ظل ثقافة العولمة، فارد عليه قائلا، إن ما تغير في هذا الزمن إنما هي القشور، أما في العمق، فان شيئا لم يتغير، إن الإنسان ما زال هو الإنسان، وان ما فاضت وتفيض به روحه من جمال ما زال هو هو ذاته.صدقوني إننا لسنا بحاجة للذهاب إلى أي مكان آخر، لسنا بحاجة لان نسافر إلى الأردن، كي نبحث عن أغنية لن نجدها ولن تكون، لسنا بحاجة لاستجداء أي من الفنانين في الدول العربية للظهور إلى جانبهم في هذا العمل الفني أو ذاك، لسنا بحاجة إلى طباعة كتاب في مصر، الأردن أو لبنان، وإنما نحن بحاجة إلى أمر واحد هو أن نتنفس من رئاتنا، أن نبني مؤسساتنا الإعلامية، بما فيها فضائية خاصة بنا، إننا بحاجة لان نكون مع أنفسنا، ولان تكون هي معنا، هذا هو ما نحتاج إليه، إننا بحاجة للتخلص مما علق بنا من مركبات النقص، كي ندرك أن كل عصفور على شجرته ملك، وانه إذا لم يحسن التغريد على شجرته، فانه لن يحسنه على أي من الأشجار مهما علت وبسقت.مطلوب منا والوضع على ما هو عليه، أن ننمي ثقتنا بأنفسنا، أن نشعل نارنا كي نتدفأ عليها، وليس للتظاهر أمام عيون الآخرين وأنظارهم، مطلوب منا أن نكون نحن وليس أي أناس آخرين في الدنيا، مهما علا شانهم وارتفع صيتهم، مطلوب منا أن نكون نحن لأننا مهما حاولنا لن نكون إلا نحن، فلنكن نحن نحن، بعدها سيأتي إلينا العالم ليكون رهن إشارتنا، ولن يكون العكس صحيحا مهما حاولنا وبذلنا من طاقة وجهد، فغردوا أيها المغترون على أشجاركم، غردوا عليها.
موضة جديدة أخذت في الظهور لدينا منذ فترة، بصورة غير مسبوقة، وبات السكوت عليها أشبه بالسكوت عن الحق، إنها موضة حب الظهور والجشع المجاني والساذج إلى الشهرة والانتشار، والسعي للظهور في الخارج، مهما كلف الأمر، حتى لو كلف التنازل عن النفس، اعز ما يوجد لدينا وأغلاه.آخر ما استمعت إليه، وله علاقة بهذه الموضة، ادعاء إحداهن إنها وصلت إلى الخارج)هل وصلت يا سيدتي أولا إلى حيث يفترض، إلى الداخل) لكن ليس كما أرادت، وقولها إنها تريد أن تصل أكثر، ولم تخف رغبتها الساذجة هذه.الغريب أن أحدا آخر، مكث إلى جانبها حين إدلائها بهذا الكلام الخالي من المعنى، ثنى على رأيها وراح يسرد وقائع له مع معروفين من الخارج، وعدوه بان يمنحوه إمكانية للظهور في أعمال فنية إلى جانبهم، إلا أنهم لحسوا وعودهم، حسبما قال، ما جعله يشعر أن كلام الليل يمحوه النهار!!هذان المثلان هما عينة، فقط عينة، لأناس يفترض أن يكونوا فنانين من بلادنا، يستدرون فيه عطف العالم العربي المحيط بنا، مستعملين شتى الحيل، ولا أبالغ إذا قلت إن بعضهم على استعداد لان يسافر إلى الخارج وان يقيم الموائد ويعزم إليها من ينظر إليه بعين الريبة، واعدا إياه بان يلبي دعوته، إلا انه لا يلبيها في النهاية، أما إذا ما وفق هذا الأحدهم في الحصول على أغنية أو في إصدار كتاب في هذه البلاد أو تلك، فانه يعتقد انه بات مالكا لرأس كليب، إلا انه سرعان ما يتبين له، ولمن لف لفه، أن ما اعتقده وخطر له ما هو إلا أضغاث من الأحلام، وكلام فارغ، لن يكون له ما بعده كما افترض.لهؤلاء أقول إن الإنسان والفنان بصورة عامة إنما يسعى لان يصل إلى الداخل، وليس العكس، انه يسعى لرؤية داخله، فإذا ما رأى هذا الداخل، اكتشفه وتبين له ما احتواه وضمه من كنوز، هي كبيرة، مهما بدت صغيرة، كان له ما أراده، وحقق وجوده وأكثر، أما إذا لم يكتشف داخله فأفضل له أن يبحث عن مهنة أخرى غير مهنة المهرج التي سيؤول إليها حاله في نهاية المطاف.لا اخفي أنني مشمئز شديد الاشمئزاز لهذا الموضة وإفرازاتها الصفيقة، فانا من المؤمنين، بان الانتشار والشهرة إنما هما تحصيل حاصل، يأتيان نتيجة لعمل جدي ومتواصل، ولا يكونان لمن لا يقدم عطاء حقيقيا، وحتى لو تحققا لمن يطلبهما بطرق ملتوية، فإنهما سيكونان عابرين، لا طعم ولا رائحة لهما.هذا يعني أننا إذا ما أعطينا بصدق، عمق وإخلاص، فانه سيكون لنا أن نُعرف وان يطلع أبناء جلدتنا والعالم أيضا، على ما نعطيه، وحتى لو تعذر علينا أن نكسب العالم، فانه من الأحرى بنا أن نكسب أنفسنا، لان من يخسر نفسه إنما يخسر العالم ويعيش في غربة، مهما أحاط به نفسه من مظاهر مضللة وبريق عابر لا يلبث أن يزول ويولي، تاركا وراءه ما كمن من أباطيل.لهذا فان ما اطلبه من نفسي قبل أي نفس أخرى، هو الجدية في الإقبال على ما أريد أن أعطيه وأقدمه، فانا إذا ما أردت أن أعطي قطعة موسيقية بذلت كل ما لدي من طاقة وجهد، ومنحتها ما تستحق أن تأخذه عن طيب خاطر، غير مدخر جهدا أو طاقة، وإذا ما أردت أن أقدم لوحة فنية أو كتابا، فإنني افعل الأمر ذاته.بعد ذلك اطلب من نفسي، أن أقدم ما يناسب زماني ومكاني اللذين أعيش وأقيم فيهما، فانا لا أريد أن أكون في كل زمان ومكان باستثناء زماني ومكاني، لا أريد هذا بالمرة، وإنما أريد أن أكون حيث ينبغي أن أكون، مع نفسي، في بلادي وبين أهلي. هذا هو مطلبي وهذا هو رجائي.أريد أن أكون هنا أولا وقبل أن أكون في أي مكان آخر هناك في العالم، فإذا ما كنت هنا حقيقة، عندها قد أكون في أي مكان آخر، أما العكس فانه من لغو القول. قد لا ابتعد كثيرا إذا ما قلت إن العالمية- التي يسعى إليها ناشدو الانتشار في ضلالهم، إنما هي تكمن في المحلية، وليس في أي مكان آخر، إنها تكمن هنا في جمال بلادنا، في إنساننا وفي طبيعتنا، في أحجارنا النابضة وفي أشجارنا حين تلامسها الرياح فتحكي، لهذا قلت وأقول، إننا كلما أوغلنا في محلينا وتعمقنا فيها، وصلنا إلى العالم، وليس العكس، ليس العكس بالحتم.أما حينما ننتج ما نريد إنتاجه من عطاء فني، فنحن إنما ننتجه لأنفسنا أولا وقبل أن ننتجه لأي إنسان أخر في العالم، مهما كان قريبا منا، ومهما ربطتنا به من أواصر محبة، إننا إنما ننتج لأنفسنا، فإذا ما رضيت هذه الأنفس، فان رضا ما شابهنا منها على الأقل، يصبح في حكم المحتم.قد يعترض بعضكم قائلا، إن هذا الكلام "كان زمان"، وقد يدعي أن الزمن تغير، خاصة في ظل ثقافة العولمة، فارد عليه قائلا، إن ما تغير في هذا الزمن إنما هي القشور، أما في العمق، فان شيئا لم يتغير، إن الإنسان ما زال هو الإنسان، وان ما فاضت وتفيض به روحه من جمال ما زال هو هو ذاته.صدقوني إننا لسنا بحاجة للذهاب إلى أي مكان آخر، لسنا بحاجة لان نسافر إلى الأردن، كي نبحث عن أغنية لن نجدها ولن تكون، لسنا بحاجة لاستجداء أي من الفنانين في الدول العربية للظهور إلى جانبهم في هذا العمل الفني أو ذاك، لسنا بحاجة إلى طباعة كتاب في مصر، الأردن أو لبنان، وإنما نحن بحاجة إلى أمر واحد هو أن نتنفس من رئاتنا، أن نبني مؤسساتنا الإعلامية، بما فيها فضائية خاصة بنا، إننا بحاجة لان نكون مع أنفسنا، ولان تكون هي معنا، هذا هو ما نحتاج إليه، إننا بحاجة للتخلص مما علق بنا من مركبات النقص، كي ندرك أن كل عصفور على شجرته ملك، وانه إذا لم يحسن التغريد على شجرته، فانه لن يحسنه على أي من الأشجار مهما علت وبسقت.مطلوب منا والوضع على ما هو عليه، أن ننمي ثقتنا بأنفسنا، أن نشعل نارنا كي نتدفأ عليها، وليس للتظاهر أمام عيون الآخرين وأنظارهم، مطلوب منا أن نكون نحن وليس أي أناس آخرين في الدنيا، مهما علا شانهم وارتفع صيتهم، مطلوب منا أن نكون نحن لأننا مهما حاولنا لن نكون إلا نحن، فلنكن نحن نحن، بعدها سيأتي إلينا العالم ليكون رهن إشارتنا، ولن يكون العكس صحيحا مهما حاولنا وبذلنا من طاقة وجهد، فغردوا أيها المغترون على أشجاركم، غردوا عليها.