ماذا سَيقولُ النّاس؟!
-ما بين ال "أنا" و ال "هُم"- (ماذا سيقول الناس؟ هُو ذا السؤال الذي يقلقهم، ينفخون فيه حتى صار كالأسهم الناريّة تطلقُ جعيرَها لنخشى صواعقها. يتحجّجون بالعادات والتقاليد التي يرضعونها من أثداء المجتمعات المتخلّفة. ويطعمون حليبَها لعقول أجيال تتوارثها جهلاً وخوفاً. لن أرضخ لهذا الإرث الظالم, ليصرخ العالم أو يحترق. أنا سأعيش ولن أحرم نفسي حقّها من أجل ماذا سيقول الناس). الأديبة الكويتية الكبيرة ليلى العثمانليصرخ العالم أو يحترق!أبدأ من هنا..من العبارة الأكثر أهمية في الفقرة أعلاه. وأجدني أكثر إصراراً على كتابة المقالة، ليس نوعاً من مخالفة الناس، والعمل وفق شعار "خالِفْ تُعْرَف" كما يتهمني أصدقائي، وإنّما لكوني أرفض أن أسير مع التيار. وأرفض كلّ ما هو مفروض عليّ دون أن أكون على اقتناع تامٍّ به. ابتداءً من الله..هذه الكلمة التي آمنت بها لاقتناعي بوجودها، لا لأنها مفروضة عليَّ كأمر مسلّم به. كثيرة هي الأشياء التي تحرشت بي لكتابة هذه المقالة. لعلَّ أبرزها نشري لمقالتي "سأحمل اسم والدتي"، حيث أعلنت حملي لاسم أمي وأبي معاً. والتي لا زال البعض يشتمني لكتابتها ونشرها، وحتى لمجرد أني تبنّيت فكرة أومن بها. حتى بتُّ في نظر البعض مُلحداً ومنحرفا فكريًّا... أشياء أخرى استفزتني للكتابة كانت تحكمها دوماً عبارات مثل: "شو بدهم يحكوا الناس؟" و "ما حدا رح يرحم من الناس" و عبارة أخرى أسمعها مراراً، وهي "الناس مش رح يقبلوا".. كما ولو أني أعيش وأكتب وأفكّر وأتحرك من أجل هؤلاء ال"زعلانين" دوماً دونما سبب. والذين لم يتبقَّ لهم سوى أن أطلب من الله أن يفصّل لي ميتةً على مقياس رغباتهم ورضاهم! فأولئك قد نصّبوا أنفسهم وعّاظاً وقدّيسين، حتى بات جميع الناس أنبياء ورسل لآلهة لا أعرفها أنا شخصيًّا!!ومن العبارات التي تحضرني لدى كتابتي حول هذا الموضوع، عبارة أحبّها، للشاعر المغربي محمد بينيس، وهي أن مخالطة الناس أسمى معاني الحرية. ولو تعمّقنا في هذا الرأي لوجدناه صائباً، فالحرية هي أن تفعل ما تشاء بلا قيد، باستثناء قيد واحد هو عدم تجاوزك لحدود حريتك. الحرية هي أن تكون أنت، وسط أُناس ليسوا أنت! لديهم ما يميّزهم عنك ولديك ما يميّزك عنهم ولكنك وَهُم، في المكان ذاته متفقين رغم الاختلاف. فالحرية هي أن تختلف وأن تناقش، أن تَسْمَعَ وأن تُسْمِع صوتك لغيرك. فأنت حين تختلط بالناس، تحقّق حريتك. وربما كان بينيس يقصد بأسمى معاني الحرية، أي أن تكون إنساناً معترفاً بك وسط الناس.وحقيقةً.. أنا أجهل في أيّ سنة كتب محمد بينيس عبارته هذه. وما أقصده هو أن مخالطة الناس في يومنا هذا باتت من أسمى معاني التقييد لا الحرية. فالناس اليوم، عبارة عن سجّانين في سجن "اللا للآخر" مهما كان. وحتى بدون مخالطتهم، هم يعملون غيابيًّا على مصادرة أفكارك ووضعها في صندوق يلقون به في يَمِّ تخلفهم وعقدهم النفسية. هم يغتصبون حريتك كما تُغتصب حرياتهم أيضاً من قِبَلِ الآخرين، فيفضّون غشاء بكارتها وينعمون بالتفرّج على نزيف الدم الذي أراقوه. إنّ هذا المشهد الذي التقطته بآلة تصويري وتصوّري، كما أعيشه وأشعره، لا يتعدّى كونه مجرّد مشهد طبيعيّ اعتاد جميعنا على مشاهدته وعيش تفاصيله بشكل يوميّ في هذا المجتمع العربيّ المُجحف، حتى بات جميعنا ضحايا مُلقاة على قارعة مجتمع مزدوج ومنافق وآخذٍ بالتآكل نتيجة لما يعانيه من أمراض خطيرة في هيكله.وإذا كان الإنسان الطبيعي، يطرح سؤالاً على ذاته قبل قيامه بأيّ خطوة "شبه طبيعيّة" وحتى طبيعيّة، هو سؤال: "ماذا سيقول الناس؟"، والذي تليه أسئلة كثيرة كأنْ يسال نفسه "هل أتّكل على نفسي وعلى الله وأسير إلى الأمام أم أتّكل على رأي الآخرين؟"، "هل ما أنوي القيام به سيلقى إعجاباً لدى غيري؟" وإلخ من الأسئلة الأخرى. فما بالك بذلك الإنسان المختلف والذي أطلقوا عليه لقب "شاذ". هذا الشاذ عن القواعد المتفق على أسسها (ولست أدري أصلاً من وضع هذه الأسس!!) السابح ضدَّ تيار التخلّف والرجعية والجهل. ما هي الأسئلة التي سيطرحها قبل اتخاذه لأي قرار قد يُفضي به إلى مقبرة أعدّت له بأفكاره ومواقفه؟ وهو الذي يعلم أنَّ مقابل كلّ فكرة "بنت حرام" قد يطرحها في هذا المجتمع ال "إبن حلال"، ثمة أكثر من مقصلة تنتظرها!!وأنا بانتقادي لمسألة طرح هذا النوع من الأسئلة على الذات، لا أدعو إلى تغييب الرأي الآخر. وإيصاد الباب أمام أيّ نقاش وجدال وتبادل لوجهات النظر والآراء المختلفة. بل على العكس تماماً، فأنا مع التشاور، والأخذ بالنصيحة بشرط أن تكون الغاية من النصيحة هي الإصلاح وإنارة الدرب أمام طالب الرأي والنصيحة. لا فرض الرأي والسلطة. ولكن تلك الأسئلة المذكورة أعلاه، هي ليست سوى مشاركة من الفرد نفسه بتغييب ذاته وكيانه. فللأسف الشديد.. لقد اعتدنا على إلغاء أنفسنا على حساب إبراز الآخرين وتفويضهم أولياء أمر علينا. فالفرد نفسه يساهم قبل الآخرين في طمس تلك ال "أنا" ليُظهر أيضا بدوره تلك ال "هم"، والتي سرعان ما تضعه تحت جناحها لتطير به نحو عوالمَ يجهلها، وربّما يعرفها مسبقاً ولم يرضَ عنها. إلا أنه يفقد القدرة على قول: ((لا..)) في وجه ما يعتبره خطأ. وقول: ((نعم)) لكل ما يتصوّره صواباً. ليس لأنه ليس قادراً على التمييز بين ما يعتقده صواباً أو خطأ، وإنما لكونه أعارَ مَهمّة النطق واتخاذ الموقف للناس الذين باتوا يقرّرون عنه ما يشاءون، ذلك لأننا "منمشي الحيط الحيط ويا ناس السترة" ونلغي شخصياتنا وأفكارنا لنرضي أولئك "الناس".و"تلك الأمثال نضربها للناس"، فما أكثر طلابنا الذين هدموا طموحاتهم وشوّهوا تطلّعاتهم المستقبلية بأنْ دَرسوا موضوعات في الجامعة من أجل الناس؟ وكم من أهالٍ يتحكّمون بمصير أبنائهم خوفاً من مقولة "شو بدهم يحكوا عنا الناس؟" أو ليتفاخروا بإنجازاتهم أمام هؤلاء الناس. نحن إذن –ومنذ زمن طويل- في مرحلة خطيرة، يجب أن نهرول هاربين خارجها، لنؤسّس لمرحلة أخرى ندرّب أنفسنا فيها على أن نكون أو لا نكون، مع عدم الموافقة مسبقاً على أن لا نكون، وأن نتحوَّل إلى نكرات من أجل "ماذا سيقول الناس!".أما أنا.. على الصعيد الشخصيّ، فسأظل رأفت آمنة جمال كما أنا.. ويحقّ للعالم أن يصرخ أو يتمزق أو يحترق!
-ما بين ال "أنا" و ال "هُم"- (ماذا سيقول الناس؟ هُو ذا السؤال الذي يقلقهم، ينفخون فيه حتى صار كالأسهم الناريّة تطلقُ جعيرَها لنخشى صواعقها. يتحجّجون بالعادات والتقاليد التي يرضعونها من أثداء المجتمعات المتخلّفة. ويطعمون حليبَها لعقول أجيال تتوارثها جهلاً وخوفاً. لن أرضخ لهذا الإرث الظالم, ليصرخ العالم أو يحترق. أنا سأعيش ولن أحرم نفسي حقّها من أجل ماذا سيقول الناس). الأديبة الكويتية الكبيرة ليلى العثمانليصرخ العالم أو يحترق!أبدأ من هنا..من العبارة الأكثر أهمية في الفقرة أعلاه. وأجدني أكثر إصراراً على كتابة المقالة، ليس نوعاً من مخالفة الناس، والعمل وفق شعار "خالِفْ تُعْرَف" كما يتهمني أصدقائي، وإنّما لكوني أرفض أن أسير مع التيار. وأرفض كلّ ما هو مفروض عليّ دون أن أكون على اقتناع تامٍّ به. ابتداءً من الله..هذه الكلمة التي آمنت بها لاقتناعي بوجودها، لا لأنها مفروضة عليَّ كأمر مسلّم به. كثيرة هي الأشياء التي تحرشت بي لكتابة هذه المقالة. لعلَّ أبرزها نشري لمقالتي "سأحمل اسم والدتي"، حيث أعلنت حملي لاسم أمي وأبي معاً. والتي لا زال البعض يشتمني لكتابتها ونشرها، وحتى لمجرد أني تبنّيت فكرة أومن بها. حتى بتُّ في نظر البعض مُلحداً ومنحرفا فكريًّا... أشياء أخرى استفزتني للكتابة كانت تحكمها دوماً عبارات مثل: "شو بدهم يحكوا الناس؟" و "ما حدا رح يرحم من الناس" و عبارة أخرى أسمعها مراراً، وهي "الناس مش رح يقبلوا".. كما ولو أني أعيش وأكتب وأفكّر وأتحرك من أجل هؤلاء ال"زعلانين" دوماً دونما سبب. والذين لم يتبقَّ لهم سوى أن أطلب من الله أن يفصّل لي ميتةً على مقياس رغباتهم ورضاهم! فأولئك قد نصّبوا أنفسهم وعّاظاً وقدّيسين، حتى بات جميع الناس أنبياء ورسل لآلهة لا أعرفها أنا شخصيًّا!!ومن العبارات التي تحضرني لدى كتابتي حول هذا الموضوع، عبارة أحبّها، للشاعر المغربي محمد بينيس، وهي أن مخالطة الناس أسمى معاني الحرية. ولو تعمّقنا في هذا الرأي لوجدناه صائباً، فالحرية هي أن تفعل ما تشاء بلا قيد، باستثناء قيد واحد هو عدم تجاوزك لحدود حريتك. الحرية هي أن تكون أنت، وسط أُناس ليسوا أنت! لديهم ما يميّزهم عنك ولديك ما يميّزك عنهم ولكنك وَهُم، في المكان ذاته متفقين رغم الاختلاف. فالحرية هي أن تختلف وأن تناقش، أن تَسْمَعَ وأن تُسْمِع صوتك لغيرك. فأنت حين تختلط بالناس، تحقّق حريتك. وربما كان بينيس يقصد بأسمى معاني الحرية، أي أن تكون إنساناً معترفاً بك وسط الناس.وحقيقةً.. أنا أجهل في أيّ سنة كتب محمد بينيس عبارته هذه. وما أقصده هو أن مخالطة الناس في يومنا هذا باتت من أسمى معاني التقييد لا الحرية. فالناس اليوم، عبارة عن سجّانين في سجن "اللا للآخر" مهما كان. وحتى بدون مخالطتهم، هم يعملون غيابيًّا على مصادرة أفكارك ووضعها في صندوق يلقون به في يَمِّ تخلفهم وعقدهم النفسية. هم يغتصبون حريتك كما تُغتصب حرياتهم أيضاً من قِبَلِ الآخرين، فيفضّون غشاء بكارتها وينعمون بالتفرّج على نزيف الدم الذي أراقوه. إنّ هذا المشهد الذي التقطته بآلة تصويري وتصوّري، كما أعيشه وأشعره، لا يتعدّى كونه مجرّد مشهد طبيعيّ اعتاد جميعنا على مشاهدته وعيش تفاصيله بشكل يوميّ في هذا المجتمع العربيّ المُجحف، حتى بات جميعنا ضحايا مُلقاة على قارعة مجتمع مزدوج ومنافق وآخذٍ بالتآكل نتيجة لما يعانيه من أمراض خطيرة في هيكله.وإذا كان الإنسان الطبيعي، يطرح سؤالاً على ذاته قبل قيامه بأيّ خطوة "شبه طبيعيّة" وحتى طبيعيّة، هو سؤال: "ماذا سيقول الناس؟"، والذي تليه أسئلة كثيرة كأنْ يسال نفسه "هل أتّكل على نفسي وعلى الله وأسير إلى الأمام أم أتّكل على رأي الآخرين؟"، "هل ما أنوي القيام به سيلقى إعجاباً لدى غيري؟" وإلخ من الأسئلة الأخرى. فما بالك بذلك الإنسان المختلف والذي أطلقوا عليه لقب "شاذ". هذا الشاذ عن القواعد المتفق على أسسها (ولست أدري أصلاً من وضع هذه الأسس!!) السابح ضدَّ تيار التخلّف والرجعية والجهل. ما هي الأسئلة التي سيطرحها قبل اتخاذه لأي قرار قد يُفضي به إلى مقبرة أعدّت له بأفكاره ومواقفه؟ وهو الذي يعلم أنَّ مقابل كلّ فكرة "بنت حرام" قد يطرحها في هذا المجتمع ال "إبن حلال"، ثمة أكثر من مقصلة تنتظرها!!وأنا بانتقادي لمسألة طرح هذا النوع من الأسئلة على الذات، لا أدعو إلى تغييب الرأي الآخر. وإيصاد الباب أمام أيّ نقاش وجدال وتبادل لوجهات النظر والآراء المختلفة. بل على العكس تماماً، فأنا مع التشاور، والأخذ بالنصيحة بشرط أن تكون الغاية من النصيحة هي الإصلاح وإنارة الدرب أمام طالب الرأي والنصيحة. لا فرض الرأي والسلطة. ولكن تلك الأسئلة المذكورة أعلاه، هي ليست سوى مشاركة من الفرد نفسه بتغييب ذاته وكيانه. فللأسف الشديد.. لقد اعتدنا على إلغاء أنفسنا على حساب إبراز الآخرين وتفويضهم أولياء أمر علينا. فالفرد نفسه يساهم قبل الآخرين في طمس تلك ال "أنا" ليُظهر أيضا بدوره تلك ال "هم"، والتي سرعان ما تضعه تحت جناحها لتطير به نحو عوالمَ يجهلها، وربّما يعرفها مسبقاً ولم يرضَ عنها. إلا أنه يفقد القدرة على قول: ((لا..)) في وجه ما يعتبره خطأ. وقول: ((نعم)) لكل ما يتصوّره صواباً. ليس لأنه ليس قادراً على التمييز بين ما يعتقده صواباً أو خطأ، وإنما لكونه أعارَ مَهمّة النطق واتخاذ الموقف للناس الذين باتوا يقرّرون عنه ما يشاءون، ذلك لأننا "منمشي الحيط الحيط ويا ناس السترة" ونلغي شخصياتنا وأفكارنا لنرضي أولئك "الناس".و"تلك الأمثال نضربها للناس"، فما أكثر طلابنا الذين هدموا طموحاتهم وشوّهوا تطلّعاتهم المستقبلية بأنْ دَرسوا موضوعات في الجامعة من أجل الناس؟ وكم من أهالٍ يتحكّمون بمصير أبنائهم خوفاً من مقولة "شو بدهم يحكوا عنا الناس؟" أو ليتفاخروا بإنجازاتهم أمام هؤلاء الناس. نحن إذن –ومنذ زمن طويل- في مرحلة خطيرة، يجب أن نهرول هاربين خارجها، لنؤسّس لمرحلة أخرى ندرّب أنفسنا فيها على أن نكون أو لا نكون، مع عدم الموافقة مسبقاً على أن لا نكون، وأن نتحوَّل إلى نكرات من أجل "ماذا سيقول الناس!".أما أنا.. على الصعيد الشخصيّ، فسأظل رأفت آمنة جمال كما أنا.. ويحقّ للعالم أن يصرخ أو يتمزق أو يحترق!