في اربعينية هزيمة العام 1967
قال تعالى :( حتى إذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعينَ سَنَةً قالَ ربّ أَوْزِعْني أنْ أَشْكُرَ نِعمتَكَ الّتي أَنْعَمْتَ عَلَيَّّ وعلى والديَّ وأنْ أعملَ صالحاً ترضاهُ وأصلِح لي في ذريتي إنّي تُبتُ إليك وإنّي مِنَ المسلمين) صدق الله العظيم الاحقاف : 15
قال تعالى :( حتى إذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعينَ سَنَةً قالَ ربّ أَوْزِعْني أنْ أَشْكُرَ نِعمتَكَ الّتي أَنْعَمْتَ عَلَيَّّ وعلى والديَّ وأنْ أعملَ صالحاً ترضاهُ وأصلِح لي في ذريتي إنّي تُبتُ إليك وإنّي مِنَ المسلمين) صدق الله العظيم الاحقاف : 15
لماذا تذكرتُ هذه الاية بالذات والامة الاسلامية تعيش في هذه الايام ذكرى مرور اربعين عاما على هزيمة حرب عام 1967 ؟! هل هنالك علاقة بين ما ترمي إليه هذه الاية والتي تشير الى مرحلة هامة في حياة الفرد المسلم ، تترتب عليها استحقاقات تحدد مصيره بشكل شبه حاسم ، وبين ذات التطور في حياة الامة ؟!!... هل يمكن أن نلمس من خلال انوار واسرار هذه الاية الكريمة ما يمكن ان يؤسس لنهضة حقيقية في حياة الامة تنقلها من حالة الضياع والذهول الى حالة الاستقرار والصحوة ؟!!
لا استطيع ان اجزم ان هناك علاقة متلازمة بين الاية وبين الحدث الذي نحن بصدده ، إلاّ انني اعترف باني لا استطيع التحرر من شعور ملأ عليّ القلب والعقل والروح ، يجعلني التقط صلة ما بين هذين العالمين : عالم الاقداس المتجلي في كلام الله المعصوم ، وعالم الواقع الذي نسعى لإصلاحه وتقويمه من خلال وحي السماء وهدي سيد الرسل والانبياء صلى الله عليه وسلم ...
المفهوم القريب للاية الكريمة يشير الى ان المرء اذا بلغ سن الاربعين ، والتي فيها يكتمل الفهم والتدبير والارادة، دعا ربه سبحانه وتعالى ان يلهمه شكر النعمة عليه وعلى والديه بالهداية والتوفيق، وان يلهمه فوق ذلك عمل الصالحات التي يرضاها الله تعالى ، وان يصلح له امره في نفسه وذريته بأن يجعلهم صالحين مهديين . ويختم السياق هذا المشروع التنويري والاصلاحي باعلان الصلح مع الله على ما كان عليه (إنّي تُبتُ إليك وإنّي مِنَ المسلمين ) يعلن المرء بهذا البيان الختامي عن عجزه امام مولاه ، وعن افتقاره الى خالقه ، وحاجته الى عون ربه ، ولا يتحقق ذلك الا بالاعتراف بالذنب ، واخلاص التوبة للرب من ذنوب سبقت في سالف الايام ، والاستسلام لأمر الله والخضوع له بالطاعة والاذعان ...
ونسأل السؤال : بعد مرور اربعين عاما على هزيمة حرب حزيران 1967 ، هل نلمح وقفة للامة على مستوى الافراد والجماعات ، والانظمة والشعوب ، تسعى من خلالها لكشف حساب حقيقي، تحمد الله سبحانه فيه على ما اعطاها من نعم أوّلها الاسلام الذي ادارت له ظهرها ليلا ونهارا ، سرا وجهارا ، إلا من رحم اللهُ سبحانه ، وكأني بهم كقوم قال الله فيهم على لسان نبيهم :( وَإِنّي كُلَّما دَعَوْتُهُم لِتَغْفِرَ لَهُم جَعَلوا أَصابِعَهُم في آذانِهم واستَغْشَوْا ثِيابَهُم وَأَصَرُّوا واسْتَكْبَروا اسْتِكْباراً)...
اضافة الى نِعَمٍ لا تعد ولا تُحصى مادية وبشرية ، وضعت بلادَ العرب والمسلمين في قمة الدول الغنية في العالم ، فهل حمدت الامةُ ربَّها على ذلك ، أم صدق قول الله سبحانه فيها :
( وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قريةً أمرنا مُترفيها ففسقوا فيها فَحَقَّ عليها القولُ فَدَمّرناها تدميراً )
لا شك ان الاوضاع التي سبقت حرب الخامس من حزيران في العام 1967 ، كانت امتدادا لضياع بدأ منذ بداية القرن العشرين وبلغ واحدة من الذرى الخطيرة مع سقوط الخلافة الاسلامية ، والتي كانت مقدمة لا بد منها لسقوط فلسطين في العام 1948 . لم يتعلم العرب قبل الهزيمة سر النصر ، ولم يستخلصوا العبر من التجارب المرة ، رغم اجتياح التيار القومي لأرجاء البلاد العربية بقيادة جمال عبد الناصر ، والذي ثبت بالدليل القاطع ومن خلال الدراسة الحيادية انه كان جزءا من الأزمة ، ولم يكن يوما جزءا من الحل ، او رافعة من روافع النهضة .. ومرت الهزيمة/ اللعنة المرة على الامة التي تجرعت كأس العلقم ، واحتلت اسرائيل ثلاثة اضعاف مساحتها ويزيد ، وسقطت فلسطين كاملة بما فيها القدس الشريف مع المسجد الاقصى المبارك ، وظننا لسذاجتنا ان هذه الهزيمة المنكرة ستتحول بفضل حركة الشعوب الى اعصار من نار يحرق الانظمة عن بكرة ابيها ، ويستولد من صخرة القدر قيادة جديدة قادرة على اعادة الكرامة المهدورة ، والاوطان المغصوبة ، والمقدسات المنتهكة ...!!!
ولكن .... ويا لوجع هذه ( ال – لكن) ، حملت شعوبنا القادة المهزومين على الاكتاف ، وهتفت لهم الحناجر ، ورفعتهم الأكف الى عروش الحكم من جديد ، ووقف الدجالون من الكُتّاب والصحفيين يحولون الهزيمة الى نكسة، والفاجعة الى كبوة ، وانتصار اسرائيل الصاعق الى هزيمة ، لا لشيء الا لأن اسرائيل فشلت في اسقاط الانظمة العربية الثوريه ، وعليه كانت الهزيمة من نصيبها، والنصر من نصيب الامة العربية !! ... هذا ما نذكره جميعا من تلك الحقبة السوداء ، فهل تغير الوضع ؟ وهل ثابت الامة وهي تبلغ الاربعين سنة لهزيمة شنيعة مضت ؟!!...
لا يخفى على أحد ما تعانيه الأمتان العربية والإسلامية بعد اربعين عاما من الهزيمة ، من ضعف وهوان لا يمكن ان يقبل به عاقل او بصير . فالأمة لها تاريخها ولها حضارتها ولها وجودها الذي لا يخفى على احد .. كَشفُ الحساب في سن الاربعين للهزيمة ، يدعونا الى التذكر ان اسلامنا الذي جعلنا ملئ بصر العالم وسمعه على مدى اربعة عشر قرنا ، يدعونا الى الوحدة الحقيقة العقائدية والجغرافية والسياسية ، فأين أمتنا اليوم وفي ٍهذه المناسبة من هذه القيم والمثل العليا ؟!!.. اسلامنا يدعو الامة الى ان تأخذ موقعها في مقدمة الامم تأثيرا وحماية لمصالحها العليا من خلال منظومات علاقاتٍ خارجيةٍ قائمةٍ على السلام والمحبة والتعاون بين كل ابناء الامة وشعوب الارض .. فأين نحن من ذلك كله ؟!!.. اسلامنا يدعو لاستغلال ثرواتنا في التاثير على تطور امتنا في ميادين العلم والتكنولوجيا والمدنية ، وفي التأثير على سياسات دول الاستكبار العالمي كقوة ضاغطة قادرة على فرض ارادتها وانتزاع حقوقها بعز عزيز او بذل ذليل .
اسلامنا دفع قادة الامة سابقا ألاّ يضحكوا ما دامت مقدسات المسلمين وأوطانهم مغتصبة ، وما دام الاقصى في قيد مُحْتَلّيهِ ، فأين قادة العرب والمسلمين من ام القضايا هذه الايام ( القدس والاقصى الشريف ) ، والتي تواجه التحديات الجدية والخطيرة ، واين الدور الفاعل الذي يتجاوز التصريحات او الاستنكارات واطنان الشجب ، الى الدور المؤثر، وليس بالضرورة اعلان الحرب التي يخوّفون بها عباد الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان ؟!!
ما من شك ان ضعف الامة ارتبط ارتباطا وثيقا بمدى تمسكها بدينها نصا وروحا ومنهاج حياة . لا يمكن لأمة جعلت الاسلام دين الدولة ، ومادة دستورها ان تباح فيها الخمور، وتروج فيها الفاحشة ، وينتشر بين ظهرانيها العهر والعري ، وتُمنع في بعض اوطانها المرأة من الخروج بلباسها الشرعي ، وان يسجن المؤمنون في أخرى بتهمة ( التخطيط !!! ) لخوض انتخابات برلمانية ، الى غير ذلك من الصور التي تجعل مجتمعات العرب والمسلمين مجتمعات غير صادقة من حيث المبدأ في ولائها لهذا الدين ، لا في رأيه في نوع الحكم ، ولا وجهة نظره في صياغة مؤسسات الشعب ، ولا بدوره في توجيه وسائل الاعلام ، ولا بوصفه اساسا لصناعة جيش الامة قيادة وجندا ، الى غير ذلك من المؤشرات التي تثبت حيوية وحياة الاسلام في اوساط شعوبه وامته ، وليس بالشكل الصوري التي نعيشه اليوم .
إن ما يصدق على الافراد يصدق بالضرورة على الامة كمجموع في قوله تعالى ( ومن أعرضَ عن ذِكري فإنّ له معيشةً ضنكى ، ونحشُرُهُ يومَ القيامةِ أعمى. قال رب لمَ حشرتني أعمى وقد كنتُ بصيراً . قال كذلك أتتك ءاياتنا فنسيتَها وكذلك اليوم تُنسى) .. فهل يعي قادة العرب والمسلمين في قمة قطر هذه المعاني التي غفل عنها قادة العرب في القاهرة ؟!!....
ليس هناك من سبب يدعو الى ارتباط الامة العربية والاسلامية بأمريكا على وجه الخصوص وكل من يناصب الامة وقضاياها العداء ، او بكلمات ادق تبعيتها لها . اموال الامة في بنوك امريكا والعالم تستثمر في تقدم تلك البلاد وتطورها ، وقد تستعمل في ضرب مصالح الامة ووجودها . اذا كانت امريكا قد اعترضت على بيع اسرائيل طائرة (الفالكون) للصين قبل سنوات على اعتبار ان هذه الطائرة تضر بمصالح الجنود الامريكيين ، والامن القومي الامريكي في جنوب شرق اسيا ، افلا يسأل قادة العرب والمسلمين انفسهم فيما اذا كانت طاقات الامة وامكانياتها المستثمرة في امريكا وغيرها تستثمر كذلك لضرب مصالح الامة عن طريق دعم اعدائها ؟؟؟!!!. أليس السلاح الامريكي هو الذي يفتك بالاطفال والرجال في فلسطين المحتلة ، ويدمر وجود الشعب الفلسطيني وانجازاته والشعب العراقي وحضارته ، والشعب الافغاني ومستقبله ... الصناعة العربية والاسلامية ما زالت حتى اليوم قاصرة عن ان توفر للسوق العربية كل احتياجاته وفي كل المجالات ، بل ظل حتى في صناعاته المحلية البسيطة مرتبطا بالتكنولوجيا الغربية وسياسات دولها التي تحرص على بقاء امتنا جسما مستهلكا غير منتج . والاهم من ذلك ان السوق العربية توفر للصناعات الحربية الامريكية والكولونيالية قوة دفع ذاتي يجعلها في تطور مستمر ، مع ان امتنا تنفق المليارات في هذا الميدان لا للدفاع عن مصالحها ، الكبرى ولكن لحماية عروشها ووجودها في سباق محموم يكتنفه الخوف العربي – العربي ، في مقابل حرص امريكا العلني على تفوّق اسرائيل الاستراتيجي على دول العرب مجتمعة .
المؤتمرات التي عقدت على مدار تاريخ امتنا المعاصر اكثر من ان تخصى ، والقرارات التي اتخذت اكثر من ان تسعها الاوراق ، او تقدر على حملها النياق ، وسلسلة الاستنكارات ، وجولات وصولات الشجب بحر عميق لا قاع له ، الا انني آمل على ضوء التحديات الخطيرة التي تحيط بالقضية الأم – قضية الاقصى وفلسطين – ان يحقق القادة العرب انطلاقة جديدة تثبت انهم قد تعلموا الدرس من الهزيمة واستخلصوا العبر منها ....