صُرنا فرجة
لأسباب شخصية خارجة عن إرادتي لم أتمكن من متابعة خطاب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، يوم السبت الفائت. ولكن عندما بتت الفضائيات العربية مقاطع من الخطاب، الذي وصفته الإدارة الأمريكية بأنه "خطاب قوي"، لفت انتباهي مشهداً سوريالياً: كبير المفاوضين الفلسطينيين، عفواً، المسؤول عن المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية، الدكتور صائب عريقات، من حركة فتح، الذي كان جالساً في الصف الأمامي مع ديناصورات الحركة، لم يتمالك أعصابه عندما أعلن السيد عباس عن قراره بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة، فانتفض من مكانه، ووقف وقفة عز وكبرياء، وبدا بالتصفيق، وتبعه السيد محمد دحلان، الذي تتهمه حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بأنه العقل المدبر الذي يقف وراء محاولة اغتيال رئيس الوزراء الفلسطيني اسماعيل هنية، يوم الخميس قبل الماضي، لدى عودته من جولة في عدد من الدول العربية والإسلامية.الخطاب، الذي اختار الإعلام الإسرائيلي وصفه بأنه دراماتيكياً، كان متوقعاً، ولم يخل من الديماغوغية الفتحاوية والتهكم على حماس وعلى أبناء فلسطين المشتتين في المنافي. في الحقيقة، الخطاب كان اجتراراً لتصريحات سابقة صادرة عن الرئاسة الفلسطينية، وعن مقربين رفيعي المستوى من المحيطين بالسيد أبي مازن، الذين يتهافتون على تزويد الإعلام العبري بمعلومات قيمّة، تطعن في صميم حماس، هذه الحركة التي وصلت إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع، وليس بواسطة الانقلابات العسكرية والدبابات، كما قال رئيس الوزراء السيد هنية في خطابه يوم الثلاثاء.الخطاب كان فعلاً تاريخياً، لأنه أعطى الضوء الأخضر لاندلاع الحرب الأهلية بين مؤيدي حركة فتح وبين مناصري حركة حماس. ولا نعتقد أن السيد عباس، المعروف ببراغماتيته، لم يتوقع ذلك. واللافت انه بعد انتهاء الخطاب بدأت الدول الغربية بتوجيه التحيات لرئيس السلطة، فيما قالت إسرائيل أن الخطاب مهم للغاية، وأنها ستدعم عباس لتقويته في المواجهة مع حماس.المؤسف حقاً، أن رئيس السلطة تمكن من إشعال فتيل الحرب الأهلية، وهو الأمر الذي لم يتمكن الاحتلال الإسرائيلي من تحقيقه. المخجل أيضاً، أن الفصائل الفلسطينية، الوطنية منها والإسلامية، توصلت إلى اتفاق وقف إطلاق النار مع الاحتلال والتزمت به، وبموازاة ذلك لم تتمكن من التوصل إلى هدنة بين الأخوة الذين حوّلوا شوارع غزة إلى مسارح لسفك الدم الفلسطيني بنيران البنادق والقنابل الفلسطينية. المريب أن الدول العربية المعتدلة والمتطرفة، حسب التصنيف الأمريكي، لم تحرك ساكناً لوقف شلالات الدماء في غزة. العار ثم العار أن يوافق الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى، على إلغاء الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب بناءً على طلب من السيد عباس، لكي لا يمنح مجالاً لحركة حماس بالمناورة، على حد تعبير مصدر فلسطيني، قيل انه موثوق للغاية.إلى أين وصلنا؟ ماذا جرى للشعب الفلسطيني في المناطق المحتلة؟ نسال ولا نتمكن من الإجابة على السؤال!هل الخلاف بين حماس وفتح على السلطة الوهمية وصل إلى هذا الحد؟ هل الصراع على سلطة السراب يسمح للحركتين أن تحولا الشعب الفلسطيني إلى رهينة بأيدي الأجنحة المسلحة التابعة للطرفين؟ عباس وحماس يتحملان المسؤولية عما يجري. لسنا شعب ميليشيات وعصابات مافيا تحرق ما تبقى من الأخضر واليابس من فلسطين! لسنا شعبا يقوم بتنفيذ مخططات الاحتلال الخبيثة نيابة عنه!الكلام المعسول عن حكومة وحدة وطنية ما هو إلا ذر للرماد في العيون، فبعد خطاب عباس انفرزت الأمور بشكل غير قابل للتأويل: حركة فتح تريد المواصلة فيما يسمى العملية السلمية مع إسرائيل، وانخرطت من حيث تدري في معسكر الأمريكيين والأوروبيين والإسرائيليين، الذين يريدون فرض الحل الملائم لهم، والذي يتماهى مع مصالح الدولة العبرية. بالمقابل، تقف حركة حماس التي ترفض هذه التسوية، وتصر من منطلق قناعاتها على عدم الاعتراف بإسرائيل وبالاتفاقيات التي وقعتها السلطة الفلسطينية في السابق، كما أنها ترفض وأد المقاومة المسلحة، المسماة في الغرب: إرهاباً.الحالة الفلسطينية باتت مستعصية، والحرب الأهلية للأسف الشديد ستستمر، وكلما توصل الطرفان إلى هدنة، يقوم بعض الدخلاء والعملاء والمتنفذين والمنتفعين بأوامر من الخارج بإحداث الفتنة مرة أخرى وهكذا دواليك. وبما انه لا يوجد لدينا خياراً ثالثاً، أي بدون حماس وعباس، فلم يتبقى لنا إلا أن نطالب إخوتنا في حماس وفتح مرة أخرى، اتفقوا على حل السلطة الوهمية، وأعيدوا تسمية الأمور بمسمياتها: الاحتلال هو احتلال والمقاومة هي مقاومة، وغير ذلك سنبقى نتراشق التهم من على شاشات الفضائيات، وسنواصل الحرب بيننا، وسنستمر في إقناع العالم المقتنع أصلاً، بأننا لا نستطيع إقامة دولة، فالسلطة المنقوصة لم نعرف كيف نديرها، فما بالك بدولة مستقلة؟.
لأسباب شخصية خارجة عن إرادتي لم أتمكن من متابعة خطاب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، يوم السبت الفائت. ولكن عندما بتت الفضائيات العربية مقاطع من الخطاب، الذي وصفته الإدارة الأمريكية بأنه "خطاب قوي"، لفت انتباهي مشهداً سوريالياً: كبير المفاوضين الفلسطينيين، عفواً، المسؤول عن المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية، الدكتور صائب عريقات، من حركة فتح، الذي كان جالساً في الصف الأمامي مع ديناصورات الحركة، لم يتمالك أعصابه عندما أعلن السيد عباس عن قراره بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة، فانتفض من مكانه، ووقف وقفة عز وكبرياء، وبدا بالتصفيق، وتبعه السيد محمد دحلان، الذي تتهمه حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بأنه العقل المدبر الذي يقف وراء محاولة اغتيال رئيس الوزراء الفلسطيني اسماعيل هنية، يوم الخميس قبل الماضي، لدى عودته من جولة في عدد من الدول العربية والإسلامية.الخطاب، الذي اختار الإعلام الإسرائيلي وصفه بأنه دراماتيكياً، كان متوقعاً، ولم يخل من الديماغوغية الفتحاوية والتهكم على حماس وعلى أبناء فلسطين المشتتين في المنافي. في الحقيقة، الخطاب كان اجتراراً لتصريحات سابقة صادرة عن الرئاسة الفلسطينية، وعن مقربين رفيعي المستوى من المحيطين بالسيد أبي مازن، الذين يتهافتون على تزويد الإعلام العبري بمعلومات قيمّة، تطعن في صميم حماس، هذه الحركة التي وصلت إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع، وليس بواسطة الانقلابات العسكرية والدبابات، كما قال رئيس الوزراء السيد هنية في خطابه يوم الثلاثاء.الخطاب كان فعلاً تاريخياً، لأنه أعطى الضوء الأخضر لاندلاع الحرب الأهلية بين مؤيدي حركة فتح وبين مناصري حركة حماس. ولا نعتقد أن السيد عباس، المعروف ببراغماتيته، لم يتوقع ذلك. واللافت انه بعد انتهاء الخطاب بدأت الدول الغربية بتوجيه التحيات لرئيس السلطة، فيما قالت إسرائيل أن الخطاب مهم للغاية، وأنها ستدعم عباس لتقويته في المواجهة مع حماس.المؤسف حقاً، أن رئيس السلطة تمكن من إشعال فتيل الحرب الأهلية، وهو الأمر الذي لم يتمكن الاحتلال الإسرائيلي من تحقيقه. المخجل أيضاً، أن الفصائل الفلسطينية، الوطنية منها والإسلامية، توصلت إلى اتفاق وقف إطلاق النار مع الاحتلال والتزمت به، وبموازاة ذلك لم تتمكن من التوصل إلى هدنة بين الأخوة الذين حوّلوا شوارع غزة إلى مسارح لسفك الدم الفلسطيني بنيران البنادق والقنابل الفلسطينية. المريب أن الدول العربية المعتدلة والمتطرفة، حسب التصنيف الأمريكي، لم تحرك ساكناً لوقف شلالات الدماء في غزة. العار ثم العار أن يوافق الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى، على إلغاء الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب بناءً على طلب من السيد عباس، لكي لا يمنح مجالاً لحركة حماس بالمناورة، على حد تعبير مصدر فلسطيني، قيل انه موثوق للغاية.إلى أين وصلنا؟ ماذا جرى للشعب الفلسطيني في المناطق المحتلة؟ نسال ولا نتمكن من الإجابة على السؤال!هل الخلاف بين حماس وفتح على السلطة الوهمية وصل إلى هذا الحد؟ هل الصراع على سلطة السراب يسمح للحركتين أن تحولا الشعب الفلسطيني إلى رهينة بأيدي الأجنحة المسلحة التابعة للطرفين؟ عباس وحماس يتحملان المسؤولية عما يجري. لسنا شعب ميليشيات وعصابات مافيا تحرق ما تبقى من الأخضر واليابس من فلسطين! لسنا شعبا يقوم بتنفيذ مخططات الاحتلال الخبيثة نيابة عنه!الكلام المعسول عن حكومة وحدة وطنية ما هو إلا ذر للرماد في العيون، فبعد خطاب عباس انفرزت الأمور بشكل غير قابل للتأويل: حركة فتح تريد المواصلة فيما يسمى العملية السلمية مع إسرائيل، وانخرطت من حيث تدري في معسكر الأمريكيين والأوروبيين والإسرائيليين، الذين يريدون فرض الحل الملائم لهم، والذي يتماهى مع مصالح الدولة العبرية. بالمقابل، تقف حركة حماس التي ترفض هذه التسوية، وتصر من منطلق قناعاتها على عدم الاعتراف بإسرائيل وبالاتفاقيات التي وقعتها السلطة الفلسطينية في السابق، كما أنها ترفض وأد المقاومة المسلحة، المسماة في الغرب: إرهاباً.الحالة الفلسطينية باتت مستعصية، والحرب الأهلية للأسف الشديد ستستمر، وكلما توصل الطرفان إلى هدنة، يقوم بعض الدخلاء والعملاء والمتنفذين والمنتفعين بأوامر من الخارج بإحداث الفتنة مرة أخرى وهكذا دواليك. وبما انه لا يوجد لدينا خياراً ثالثاً، أي بدون حماس وعباس، فلم يتبقى لنا إلا أن نطالب إخوتنا في حماس وفتح مرة أخرى، اتفقوا على حل السلطة الوهمية، وأعيدوا تسمية الأمور بمسمياتها: الاحتلال هو احتلال والمقاومة هي مقاومة، وغير ذلك سنبقى نتراشق التهم من على شاشات الفضائيات، وسنواصل الحرب بيننا، وسنستمر في إقناع العالم المقتنع أصلاً، بأننا لا نستطيع إقامة دولة، فالسلطة المنقوصة لم نعرف كيف نديرها، فما بالك بدولة مستقلة؟.