حوار ليلي مع سيادة الرئيس
كانت شوارع القاهرة قد غصت بأناس بلا عدد..كان صوتهم قد تعالى ليصل الى كل مكان ..باتت حناجرهم رافضة لعصيّ آلاف الجنود الضاربة لكل من يهدد أمن الدولة!! شباب مكلومون لكنهم ثائرون، أطفال باكون لكنهم مصمّمون. جلس الرئيس وحيدًا مرتبكًا في قصره المطلّ على نهر النيل العظيم.. وكانت حركة كرسيّه الملكي تزداد اهتزازًا لحظة بعد لحظة حتّى بدا الكرسيّ وكأنّه ساخطٌ على الشعب الذي لم ينتفض منذ زمن كي يريحه من مؤخرة ملتصقة به منذ أكثر من سبعة وعشرين عامًا!غاص الرئيس في بحر من الخوف والقلق وسافر فكره الى عالم آخر.. برقت عيناه وتحدّث جبينه:" ماذا فعلت يا رب حتى ابتليتني بأمة لا تفهم معنى النظام والسّلام؟؟! وكيف لي أن أحافظ على استقرار نظامي؟! إنّ هذه المظاهرات قد تؤدي الى هلاكي وأنا ابن الثمانين!! ما العمل؟ ما العمل؟ تماسك الرئيس ولكنه استمر في تخبطه حتى اقتحم الليل الأسود سماء مصر.وعلى غير عادته كان النيل في تلك الأمسية خفاق الجوانب ، هائجًا مضطربًا ، يقذف أمواجه نحو شرفة القصر والرئيس في حيرة من أمره :" حتى أنت أيها النهر الفرعوني الخالد ترفض سياستي ونهجي وتود أن تطهرني؟!!"لم يعلم الرئيس كيف خطرت هذه العبارة في ذهنه ، ولكنه فضّل الإسراع في نسيانها.وعلى الرغم من مأساته النفسية التي يعيشها، فقد اجتهد الرئيس أن يبدو متزنًا ورزينًا أمام حاشيته، فلملم ما تبقى له من أنفاس ودخل غرفة نومه الفضفاضة وأغلق الباب باحكام. وهناك أيضا طاردته أصوات المظلومين من العباد:" افتح المعبر ايها القائد! دع المدد يمر الى غزة الحبيبة ! أعد للمصريين كبرياءهم وللعرب أمجادهم .." وضع الرئيس كلتا سبابتيه في عمق أذنيه متجاهلا ما يقال وكأنّ امر غزة لا يعنيه :" اللعنة عليهم!" قالها والشراسة تأبى مفارقته.."تبّا لهم من متظاهرين!! ألا يملّون من الصراخ والعويل؟!"وعندما اقتحم الهتاف جدران القصر ولم يعد مكان للهرب ، دثّر الرئيس نفسه بغطائه المذهب فازداد عزلة وظلامًا.وفي هذه الأثناء عمّ السكون أنحاء القصر، وظن الرئيس أن خطته في الاختباء قد نجحت بعد أن تيقن أن لا صوت يسمع سوى نعيق غراب ينذر بالبين والفراق! وفجأة .. علا ضجيج حذاء متجه صوبه من أقصى الممر المؤدي الى غرفته ..لم يكن ذلك الحذاء مقذوفا على رأسه، بل كان يهتز تحت أقدام رجل من أغلى الرجال.. انكمش الرئيس وزادت رجفته المتسائلة.".أقدام من هذه التي تحتل كل شبر في القصر؟!اقترب هذا الرجل من الغرفة قارعًا الباب بثقة وثبات :" طُق طُق طُق ، كان لباسه الرسمي المعهود قد أضفى جمالا ورونقا مفقودا لمصر منذ عشرات السنين، وبقيت كلماته تزلزل الأرض تحت أقدام الجبناء! حتى ساد الهدوء بين الناس احتراما واجلالا لمن حضر من غير ميعاد!تردد مبارك في الاجابة على الطارق، لكنه استجمع ما تبقى له من قوة منهارة وقال همسا:- من؟- من خلف الباب؟لكن الاجابة لم تأت وسُمع مكانها دوي دقات كثيف!شعر الرئيس بخطر يداهمه فتسمّر مكانه وقال برجاء وقد ارتفع صوته نوعا ما:- من أنت؟- أنا جمال! افتحتبعثرت أفكار مبارك وفقد تركيزه، فجمال ابنه يحمل صوتا مغايرا لهذا الصوت .. كما أنّ وريثه هذا قد ودعه صباحا قبل أن يسافر الى بلاد الغرب، للترويح عن نفسه من هموم الشعب!- جمال يا بني.. ما الذي أعادك بهذه السرعة؟ وهل ُأصبت بالمرض حتى تغيّر صوتك؟- أنا جمال عبد الناصر .. افتح يا سيادة الرئيس!- عبد الناصر؟ " أي مخبول هذا الذي يود مداعبتي في هذه الأجواء المشحونة؟"( سأل مبارك نفسه وعلامات الحيرة متصلة بمحياه، خاصة أنّ الصوت القادم من خلف الباب هو فعلا صوت جمال عبد الناصر!) وهنا خرج الطيّار الحربي من تحت لثامه وتوجه نحو الباب وفتحه دون تردد مهيئًا نفسه لمعاقبة هذا الغليظ. - أنت مختبئ إذًا ؟- سسسسيادة الررررئيس؟؟؟؟؟؟؟ ( شهق مبارك وكاد يغمى عليه)، أولست ميتا؟- أنا ميت جسدا ، لكني حي في قلوب الناس!- أترى الوضع الذي وصلتُ اليه؟- أرى ما آلت اليه أحوال الأمة!- الشعب بخير ، لكنه يهوى الفوضى والشغب !- بل يعشق الكرامة والعزة التي أضعتها!- كرامة؟ أضعتها؟ - ألم تصلك أخبار غزة؟- نعم..وأنا أبذل جهودا منذ زمن لإحلال السّلام!- سلام؟ أي سلام هذا الذي تكذب به على نفسك؟ الم تر المجازر التي يرتكبها حلفاؤك في مشروع السلام؟- ما يحدث هو بسبب الفلسطينيين الأغبياء!- بل أنت الغبي المتخاذل! فوالله لم اتخيل حتى في مماتي أن يحكم مصر رجل جبان مثلك!- كيف لك ان تهينني وأنا الرئيس؟- جيد أنك افتكرتَ أنك الرئيس ! وهذا ما أتى بي الى هنا!- ولم أتيت؟- جئتُ لتذكيرك بأهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها زعيم أكبر وأهم دولة عربية، ألا تعلم يا مبارك أن للعرب حق عليك ! وأنّ القائد يجب أن يكون حرا ماجدا وقدوة للشعب ولسان حاله؟ إني أسألك:أين أنت من ثورة الرجال؟ أولم تكن ضابطا حرا؟ألا تذكر كيف قمت بفجير طائرات العدو وقواعدهم العسكرية في سيناء؟ أين انت من الوحدة العربية؟ ألا تذكر وحدتنا مع سوريا؟ ألا تذكر هبة العرب المشتركة في وجه العدو؟قم يا مبارك وكن على حجم المسؤولية ، أعد لنا قليلا من ماء الوجه، قم الى الشعب وكن معهم، واجعل لك مكانا في جنائن التاريخ! قالها ناصر متألما ناصحًا ، ووجه مبارك لا يزال يعاني هول الصدمة ، ثم اختفى دون أن يشعر به أحد ليتبيّن فيما بعد أنه عاد ليوسّد رأسه بتراب مصر..تراب العزة والكرامة.
كانت شوارع القاهرة قد غصت بأناس بلا عدد..كان صوتهم قد تعالى ليصل الى كل مكان ..باتت حناجرهم رافضة لعصيّ آلاف الجنود الضاربة لكل من يهدد أمن الدولة!! شباب مكلومون لكنهم ثائرون، أطفال باكون لكنهم مصمّمون. جلس الرئيس وحيدًا مرتبكًا في قصره المطلّ على نهر النيل العظيم.. وكانت حركة كرسيّه الملكي تزداد اهتزازًا لحظة بعد لحظة حتّى بدا الكرسيّ وكأنّه ساخطٌ على الشعب الذي لم ينتفض منذ زمن كي يريحه من مؤخرة ملتصقة به منذ أكثر من سبعة وعشرين عامًا!غاص الرئيس في بحر من الخوف والقلق وسافر فكره الى عالم آخر.. برقت عيناه وتحدّث جبينه:" ماذا فعلت يا رب حتى ابتليتني بأمة لا تفهم معنى النظام والسّلام؟؟! وكيف لي أن أحافظ على استقرار نظامي؟! إنّ هذه المظاهرات قد تؤدي الى هلاكي وأنا ابن الثمانين!! ما العمل؟ ما العمل؟ تماسك الرئيس ولكنه استمر في تخبطه حتى اقتحم الليل الأسود سماء مصر.وعلى غير عادته كان النيل في تلك الأمسية خفاق الجوانب ، هائجًا مضطربًا ، يقذف أمواجه نحو شرفة القصر والرئيس في حيرة من أمره :" حتى أنت أيها النهر الفرعوني الخالد ترفض سياستي ونهجي وتود أن تطهرني؟!!"لم يعلم الرئيس كيف خطرت هذه العبارة في ذهنه ، ولكنه فضّل الإسراع في نسيانها.وعلى الرغم من مأساته النفسية التي يعيشها، فقد اجتهد الرئيس أن يبدو متزنًا ورزينًا أمام حاشيته، فلملم ما تبقى له من أنفاس ودخل غرفة نومه الفضفاضة وأغلق الباب باحكام. وهناك أيضا طاردته أصوات المظلومين من العباد:" افتح المعبر ايها القائد! دع المدد يمر الى غزة الحبيبة ! أعد للمصريين كبرياءهم وللعرب أمجادهم .." وضع الرئيس كلتا سبابتيه في عمق أذنيه متجاهلا ما يقال وكأنّ امر غزة لا يعنيه :" اللعنة عليهم!" قالها والشراسة تأبى مفارقته.."تبّا لهم من متظاهرين!! ألا يملّون من الصراخ والعويل؟!"وعندما اقتحم الهتاف جدران القصر ولم يعد مكان للهرب ، دثّر الرئيس نفسه بغطائه المذهب فازداد عزلة وظلامًا.وفي هذه الأثناء عمّ السكون أنحاء القصر، وظن الرئيس أن خطته في الاختباء قد نجحت بعد أن تيقن أن لا صوت يسمع سوى نعيق غراب ينذر بالبين والفراق! وفجأة .. علا ضجيج حذاء متجه صوبه من أقصى الممر المؤدي الى غرفته ..لم يكن ذلك الحذاء مقذوفا على رأسه، بل كان يهتز تحت أقدام رجل من أغلى الرجال.. انكمش الرئيس وزادت رجفته المتسائلة.".أقدام من هذه التي تحتل كل شبر في القصر؟!اقترب هذا الرجل من الغرفة قارعًا الباب بثقة وثبات :" طُق طُق طُق ، كان لباسه الرسمي المعهود قد أضفى جمالا ورونقا مفقودا لمصر منذ عشرات السنين، وبقيت كلماته تزلزل الأرض تحت أقدام الجبناء! حتى ساد الهدوء بين الناس احتراما واجلالا لمن حضر من غير ميعاد!تردد مبارك في الاجابة على الطارق، لكنه استجمع ما تبقى له من قوة منهارة وقال همسا:- من؟- من خلف الباب؟لكن الاجابة لم تأت وسُمع مكانها دوي دقات كثيف!شعر الرئيس بخطر يداهمه فتسمّر مكانه وقال برجاء وقد ارتفع صوته نوعا ما:- من أنت؟- أنا جمال! افتحتبعثرت أفكار مبارك وفقد تركيزه، فجمال ابنه يحمل صوتا مغايرا لهذا الصوت .. كما أنّ وريثه هذا قد ودعه صباحا قبل أن يسافر الى بلاد الغرب، للترويح عن نفسه من هموم الشعب!- جمال يا بني.. ما الذي أعادك بهذه السرعة؟ وهل ُأصبت بالمرض حتى تغيّر صوتك؟- أنا جمال عبد الناصر .. افتح يا سيادة الرئيس!- عبد الناصر؟ " أي مخبول هذا الذي يود مداعبتي في هذه الأجواء المشحونة؟"( سأل مبارك نفسه وعلامات الحيرة متصلة بمحياه، خاصة أنّ الصوت القادم من خلف الباب هو فعلا صوت جمال عبد الناصر!) وهنا خرج الطيّار الحربي من تحت لثامه وتوجه نحو الباب وفتحه دون تردد مهيئًا نفسه لمعاقبة هذا الغليظ. - أنت مختبئ إذًا ؟- سسسسيادة الررررئيس؟؟؟؟؟؟؟ ( شهق مبارك وكاد يغمى عليه)، أولست ميتا؟- أنا ميت جسدا ، لكني حي في قلوب الناس!- أترى الوضع الذي وصلتُ اليه؟- أرى ما آلت اليه أحوال الأمة!- الشعب بخير ، لكنه يهوى الفوضى والشغب !- بل يعشق الكرامة والعزة التي أضعتها!- كرامة؟ أضعتها؟ - ألم تصلك أخبار غزة؟- نعم..وأنا أبذل جهودا منذ زمن لإحلال السّلام!- سلام؟ أي سلام هذا الذي تكذب به على نفسك؟ الم تر المجازر التي يرتكبها حلفاؤك في مشروع السلام؟- ما يحدث هو بسبب الفلسطينيين الأغبياء!- بل أنت الغبي المتخاذل! فوالله لم اتخيل حتى في مماتي أن يحكم مصر رجل جبان مثلك!- كيف لك ان تهينني وأنا الرئيس؟- جيد أنك افتكرتَ أنك الرئيس ! وهذا ما أتى بي الى هنا!- ولم أتيت؟- جئتُ لتذكيرك بأهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها زعيم أكبر وأهم دولة عربية، ألا تعلم يا مبارك أن للعرب حق عليك ! وأنّ القائد يجب أن يكون حرا ماجدا وقدوة للشعب ولسان حاله؟ إني أسألك:أين أنت من ثورة الرجال؟ أولم تكن ضابطا حرا؟ألا تذكر كيف قمت بفجير طائرات العدو وقواعدهم العسكرية في سيناء؟ أين انت من الوحدة العربية؟ ألا تذكر وحدتنا مع سوريا؟ ألا تذكر هبة العرب المشتركة في وجه العدو؟قم يا مبارك وكن على حجم المسؤولية ، أعد لنا قليلا من ماء الوجه، قم الى الشعب وكن معهم، واجعل لك مكانا في جنائن التاريخ! قالها ناصر متألما ناصحًا ، ووجه مبارك لا يزال يعاني هول الصدمة ، ثم اختفى دون أن يشعر به أحد ليتبيّن فيما بعد أنه عاد ليوسّد رأسه بتراب مصر..تراب العزة والكرامة.