النيوليبراليه وورثة الانبياء
منذ بضع سنين وأنا أراقب الطلاب الابتدائيين عن كثب, وأقف مشدوها ً أمام ورثة جيلي بعبارات بلا بواعث, - لم أكن كذلك في تلك المرحله, لم يكن جيلي بهذه اللامبالاه تجاه العلم, لم نكن يوما "بقلة الاحترام" للمعلم والمدرسه-, وحين أنقـّب عن البواعث, تعترضني رؤية والدي لجيلي الذي كان يراه منحلا, فبنظره كان جيله يحترم العلم اكثر, متعطشا ً لتلقيه, دؤوبا ً لإحداث تغيير في المجتمع على الصعيد الاجتماعي والسياسي من خلال العلم, وأستنتج أن الاجيال كلما وفترت عزائمها وشحّت حوافزها لتلقي العلم, وألقي اللوم على الاهل الذين يمدون الطالب في عمره الغض بكل حاجات الحياه الضروريه والكماليه فتنعدم لديه الحوافز للتعليم والاجتهاد للوصول إلى أكثر من ذلك لأنه ببساطه لا يرى رفاهية أقصى مما يملك, ولا حاجه لكماليات مغايره أو إضافيه أكثر مما لديه.في طفولتي حين كنا نسأل عن مستقبلنا, كلٌ يخبر بحلمه كطبيب أو محام أو مهندس, لم تكن أحلامنا بناء على ماهية المهن ولكن وفقا ً لتربية الاهل أن العلم يبني بيوتا ًلا عماد لها, وأن الجهل يهدم بيوت العز والكرم, فبنظرتنا الطفوليه كان العلم بالنسبة لنا هو السياره التي لا يملكها آباؤنا, هو البيت الكبير والصرح العامر الذي لا تملكه عائلاتنا, أما اليوم بعد عقد ونصف على الطفوله تبدلت الاحلام, بإزدهار الحال الاقتصادي في إسرائيل. لم يعد الطلاب يأبهون بالعلم لأنهم لا يرونه وسيلة للضروريات قبل الكماليات, فكل ما تشتهيه أنفسهم بين أيديهم. حين أسأل أحد الطلاب في الصف الخامس عن رؤيته لمستقبله بعد الثانويه فيجيبني:" استاذ انا بدي اخلص تامن واشتغل", لأن والده زوّده بكل ما تطيب له نفسه رغم عدم إنهاءه للصف الثامن, لم يقف هذا الطالب على إجتهاد والده ومعاناته لكسب لقمة العيش ومقارعة موج الشظف ولطمات الأعباء التي يتحملها غير المتعلم, بل كل ما رآه ومعه جيله هو السياره الفارهه والرفاهيه التي تعيشها عائلته.ويخبرني أحد مربي الثانويه أنه يقوم بالإتصال بأهالي طلابه لإعلامهم بتغيب إبنهم, فما يكون الرد" يلا اسا بفيـّقو", أصبح المعلم هو من يجري لتعليم الطلاب وإكسابهم المعرفه.ما أردت الإشارة إليه من خلال هذه الصور أن الرفاهية التي نعيشها المتفوقه على مدخولنا والاكثر من إحتياجنا, هي الدافع للإنفصام عن عروة العلم, فرغم البطاله العريضه التي يعانيها مجتمعنا الا ان بيوتنا أصبحت مترفه أكثر من السابق فكماليات الماضي أضحت ضروريات الحاضر, وبالتالي تنحى العلم جانبا ً في خضم البحث عن الضروريات (الكماليات).والمسبب الرئيسي هو دولتنا وإستراتيجياتها, هذه الدوله التي بنيت على إشتراكية كيبوتسات وموشافيم, وكانت دولة رفاه اجتماعي حتى في أقسى ظروفها الاقتصاديه في الثمانينات, لم تعد اليوم لتدعم التعليم رغم إزدهارها إقتصاديا, لأنها تخلت عنه كعمله تتداولها في العالم, لم تعد بحاجه للتشدق أمام العالم أنها دولة رفاه ,تطور, علم وديموقراطيه, لم يعد يتوجب على التخنيون أن يكون أكبر معهد علمي في الشرق الاوسط, لأن اسرائيل لم تعد بحاجه لتتفاخر بالمتعلمين وجوائزهم عبر العالم, فهي من حيث الجاه العلمي بلغت حد الذروه والإكتفاء وتسعى إلى بلوغ إزدهار أكبر إقتصاديا, على حساب الكادحين والمجموعات الضعيفه.- تمر هذه الدوله خلال البضع سنوات الاخيره بمرحله إنتقاليه على الصعيد المجتمعي والاقتصادي, فقد قامت بإحداث نقله في تدرج الطبقيه الاسرائيليه, فشطرت المجتمع الى مافوق حد الفقر وما تحته, لم تعد الطبقه الوسطى هي الشريحه العريضه, بل مجموعة قويه منتجه ومجموعات ضعيفه هي وقود هذا الإنتاج, ولأن إسرائيل دوله مفتعله, إستمراريتها مجرد مقامرات ومراهنات رابحه, هذه الاستراتيجيه او النقله مقامره إما ستمنحها الاستمراريه أو تنحدر بها الى خبر كان. لقد حوّلت الدوله جُلّ الشعب الى آليات تسعى وراء لقمة العيش دون الإلتفات الى القرار السياسي, وأستدل بأننا مذ سنين لم نسمع بإستفتاء شعبي, لأن القرار لم يعد للشعب او للناخبين إنما للمجموعه الضيّـقه صاحبة المصالح الرأسماليه التي تقف خلف كواليس الحكومه, والتي سعت طيلة العقدين الاخيرين الى خصخصة الدوله, العمليه التي وصلت أخيرا الى جهاز التعليم, وذلك من خلال مايسمى بالتعليم الرمادي, وأول مظاهره كانت تفشّي الكليات في جسد التعليم الاسرائيلي, والآن تسعى الحكومه ومَن وراءها الى شمل الخصخصه في القانون دون الالتزام بزيادة الغرف الدراسيه, ولا برفع حقيقي لأجور المعلمين ومكانتهم, وكما في التعليم الرمادي سيتجه المعلم الممتاز الى المدارس الغنيه, وتنحدر ثقافة المجموعات الضعيفه, وقد أدركنا ذلك عند عرض خطة "دوفرات" لخصخصة المدارس وتحويلها الى جسم مستقل يتولى مسؤوليته المدير, ويقوم بإدارة اقتصاده الخاص بنفسه, الأمر الذي سيؤدي إلى إتساع نوعي في الفجوات الموجوده أصلا بين مستوى التعليم في المدارس في مراكز المعيشه الغنيه والبلدات الفقيره (العربيه منها).ثلاثة أشهر على إضراب الجامعات, فصلٌ وراء ظهورنا لم نستفد منه شيء سوى أننا نغدو ونروح من وإلى الجامعه لبعض محاضره أو إثنتين, بمعدل تسعة آلاف شاقل خسر كل طالب حتى الآن من دفع أقساط , إيجار سكن ومواصلات, دون أي عائد أو ناتج يذكر, لأن هذه الدوله التي تمارس الإجحاف بحق الرسل وورثة الانبياء (المعلمين), مشغولة بتقوية الشيكل أمام الدولار لإبرام عقود شراء الأسلحه, لتعزيز ترسانتها العسكريه ولإقامة المستوطنات على أنقاض شعب ضعيف, كعادتها تمارس القوة على الحلقات الضعيفه, هذه الحكومه التي تبلغ ميزانيتها 76 مليار دولار-314 مليار شيكل, أضخمها على مر قيامها- تفضّل صرف 13.7 مليار دولار على أجهزة الامن -هذا ما صُرّح به والمخفي أعظم- على أن تدعم جهاز التربيه والتعليم الآيل للسقوط.لذاعلينا أن ندعم المحاضرين لدعمنا لمستقبلنا كأكادميين, لغياب الدعم السياسي لهم, فكل أحزاب الائتلاف والجهاز السياسي برمته ملتزم بالنهج الاقتصادي النيوليبرالي الذي يقضي بخصخصة المرافق العامه بما في ذلك الجهاز التعليمي.وهنا أهيب بزملائي طلاب الجامعات وذويهم على الإصرار على التعلم بالمعاهد العاليه, والتصميم على الأخذ بناصية العلم وإتباع سبيله, لكي تبقى الطبقه المثقفه المتعلمه هي صاحبة زمام الأمور في هذه الدوله, وكي لا نسلـّم دفة هذا المجتمع لقوى الرأسماليه, كي لا نسمح لهذه الحكومه هذا الكيان الحربي وآلية الدمار الفكري, أن تجذبنا الى دوامة لقمة العيش والإبتعاد عن التعلم والتثقف والنظره الشموليه التي تخافها إسرائيل.
منذ بضع سنين وأنا أراقب الطلاب الابتدائيين عن كثب, وأقف مشدوها ً أمام ورثة جيلي بعبارات بلا بواعث, - لم أكن كذلك في تلك المرحله, لم يكن جيلي بهذه اللامبالاه تجاه العلم, لم نكن يوما "بقلة الاحترام" للمعلم والمدرسه-, وحين أنقـّب عن البواعث, تعترضني رؤية والدي لجيلي الذي كان يراه منحلا, فبنظره كان جيله يحترم العلم اكثر, متعطشا ً لتلقيه, دؤوبا ً لإحداث تغيير في المجتمع على الصعيد الاجتماعي والسياسي من خلال العلم, وأستنتج أن الاجيال كلما وفترت عزائمها وشحّت حوافزها لتلقي العلم, وألقي اللوم على الاهل الذين يمدون الطالب في عمره الغض بكل حاجات الحياه الضروريه والكماليه فتنعدم لديه الحوافز للتعليم والاجتهاد للوصول إلى أكثر من ذلك لأنه ببساطه لا يرى رفاهية أقصى مما يملك, ولا حاجه لكماليات مغايره أو إضافيه أكثر مما لديه.في طفولتي حين كنا نسأل عن مستقبلنا, كلٌ يخبر بحلمه كطبيب أو محام أو مهندس, لم تكن أحلامنا بناء على ماهية المهن ولكن وفقا ً لتربية الاهل أن العلم يبني بيوتا ًلا عماد لها, وأن الجهل يهدم بيوت العز والكرم, فبنظرتنا الطفوليه كان العلم بالنسبة لنا هو السياره التي لا يملكها آباؤنا, هو البيت الكبير والصرح العامر الذي لا تملكه عائلاتنا, أما اليوم بعد عقد ونصف على الطفوله تبدلت الاحلام, بإزدهار الحال الاقتصادي في إسرائيل. لم يعد الطلاب يأبهون بالعلم لأنهم لا يرونه وسيلة للضروريات قبل الكماليات, فكل ما تشتهيه أنفسهم بين أيديهم. حين أسأل أحد الطلاب في الصف الخامس عن رؤيته لمستقبله بعد الثانويه فيجيبني:" استاذ انا بدي اخلص تامن واشتغل", لأن والده زوّده بكل ما تطيب له نفسه رغم عدم إنهاءه للصف الثامن, لم يقف هذا الطالب على إجتهاد والده ومعاناته لكسب لقمة العيش ومقارعة موج الشظف ولطمات الأعباء التي يتحملها غير المتعلم, بل كل ما رآه ومعه جيله هو السياره الفارهه والرفاهيه التي تعيشها عائلته.ويخبرني أحد مربي الثانويه أنه يقوم بالإتصال بأهالي طلابه لإعلامهم بتغيب إبنهم, فما يكون الرد" يلا اسا بفيـّقو", أصبح المعلم هو من يجري لتعليم الطلاب وإكسابهم المعرفه.ما أردت الإشارة إليه من خلال هذه الصور أن الرفاهية التي نعيشها المتفوقه على مدخولنا والاكثر من إحتياجنا, هي الدافع للإنفصام عن عروة العلم, فرغم البطاله العريضه التي يعانيها مجتمعنا الا ان بيوتنا أصبحت مترفه أكثر من السابق فكماليات الماضي أضحت ضروريات الحاضر, وبالتالي تنحى العلم جانبا ً في خضم البحث عن الضروريات (الكماليات).والمسبب الرئيسي هو دولتنا وإستراتيجياتها, هذه الدوله التي بنيت على إشتراكية كيبوتسات وموشافيم, وكانت دولة رفاه اجتماعي حتى في أقسى ظروفها الاقتصاديه في الثمانينات, لم تعد اليوم لتدعم التعليم رغم إزدهارها إقتصاديا, لأنها تخلت عنه كعمله تتداولها في العالم, لم تعد بحاجه للتشدق أمام العالم أنها دولة رفاه ,تطور, علم وديموقراطيه, لم يعد يتوجب على التخنيون أن يكون أكبر معهد علمي في الشرق الاوسط, لأن اسرائيل لم تعد بحاجه لتتفاخر بالمتعلمين وجوائزهم عبر العالم, فهي من حيث الجاه العلمي بلغت حد الذروه والإكتفاء وتسعى إلى بلوغ إزدهار أكبر إقتصاديا, على حساب الكادحين والمجموعات الضعيفه.- تمر هذه الدوله خلال البضع سنوات الاخيره بمرحله إنتقاليه على الصعيد المجتمعي والاقتصادي, فقد قامت بإحداث نقله في تدرج الطبقيه الاسرائيليه, فشطرت المجتمع الى مافوق حد الفقر وما تحته, لم تعد الطبقه الوسطى هي الشريحه العريضه, بل مجموعة قويه منتجه ومجموعات ضعيفه هي وقود هذا الإنتاج, ولأن إسرائيل دوله مفتعله, إستمراريتها مجرد مقامرات ومراهنات رابحه, هذه الاستراتيجيه او النقله مقامره إما ستمنحها الاستمراريه أو تنحدر بها الى خبر كان. لقد حوّلت الدوله جُلّ الشعب الى آليات تسعى وراء لقمة العيش دون الإلتفات الى القرار السياسي, وأستدل بأننا مذ سنين لم نسمع بإستفتاء شعبي, لأن القرار لم يعد للشعب او للناخبين إنما للمجموعه الضيّـقه صاحبة المصالح الرأسماليه التي تقف خلف كواليس الحكومه, والتي سعت طيلة العقدين الاخيرين الى خصخصة الدوله, العمليه التي وصلت أخيرا الى جهاز التعليم, وذلك من خلال مايسمى بالتعليم الرمادي, وأول مظاهره كانت تفشّي الكليات في جسد التعليم الاسرائيلي, والآن تسعى الحكومه ومَن وراءها الى شمل الخصخصه في القانون دون الالتزام بزيادة الغرف الدراسيه, ولا برفع حقيقي لأجور المعلمين ومكانتهم, وكما في التعليم الرمادي سيتجه المعلم الممتاز الى المدارس الغنيه, وتنحدر ثقافة المجموعات الضعيفه, وقد أدركنا ذلك عند عرض خطة "دوفرات" لخصخصة المدارس وتحويلها الى جسم مستقل يتولى مسؤوليته المدير, ويقوم بإدارة اقتصاده الخاص بنفسه, الأمر الذي سيؤدي إلى إتساع نوعي في الفجوات الموجوده أصلا بين مستوى التعليم في المدارس في مراكز المعيشه الغنيه والبلدات الفقيره (العربيه منها).ثلاثة أشهر على إضراب الجامعات, فصلٌ وراء ظهورنا لم نستفد منه شيء سوى أننا نغدو ونروح من وإلى الجامعه لبعض محاضره أو إثنتين, بمعدل تسعة آلاف شاقل خسر كل طالب حتى الآن من دفع أقساط , إيجار سكن ومواصلات, دون أي عائد أو ناتج يذكر, لأن هذه الدوله التي تمارس الإجحاف بحق الرسل وورثة الانبياء (المعلمين), مشغولة بتقوية الشيكل أمام الدولار لإبرام عقود شراء الأسلحه, لتعزيز ترسانتها العسكريه ولإقامة المستوطنات على أنقاض شعب ضعيف, كعادتها تمارس القوة على الحلقات الضعيفه, هذه الحكومه التي تبلغ ميزانيتها 76 مليار دولار-314 مليار شيكل, أضخمها على مر قيامها- تفضّل صرف 13.7 مليار دولار على أجهزة الامن -هذا ما صُرّح به والمخفي أعظم- على أن تدعم جهاز التربيه والتعليم الآيل للسقوط.لذاعلينا أن ندعم المحاضرين لدعمنا لمستقبلنا كأكادميين, لغياب الدعم السياسي لهم, فكل أحزاب الائتلاف والجهاز السياسي برمته ملتزم بالنهج الاقتصادي النيوليبرالي الذي يقضي بخصخصة المرافق العامه بما في ذلك الجهاز التعليمي.وهنا أهيب بزملائي طلاب الجامعات وذويهم على الإصرار على التعلم بالمعاهد العاليه, والتصميم على الأخذ بناصية العلم وإتباع سبيله, لكي تبقى الطبقه المثقفه المتعلمه هي صاحبة زمام الأمور في هذه الدوله, وكي لا نسلـّم دفة هذا المجتمع لقوى الرأسماليه, كي لا نسمح لهذه الحكومه هذا الكيان الحربي وآلية الدمار الفكري, أن تجذبنا الى دوامة لقمة العيش والإبتعاد عن التعلم والتثقف والنظره الشموليه التي تخافها إسرائيل.