الأبعاد السياسية والأمنية...سهاد
الأبعاد السياسية والأمنية لصفقة إسرائيل مع حزب الله وحماس
الأبعاد السياسية والأمنية لصفقة إسرائيل مع حزب الله وحماس
في خضم التطورات المتسارعة التي تشهدها الساحة الإسرائيلية اليوم، يتكرر السيناريو الإسرائيلي مع "حزب الله "ولكن بتغييرات طفيفة على خارطة الوضع السياسي والأمني الحالي للمنطقة، باعتبار أن الصفقة إقليمية تشمل الأسيرين الإسرائيليين لدى "حزب الله" والجندي الأسير لدى "حماس"، فضلا ًعن انضمام سوريا للصفقة عبر استعدادها لإعادة رفات الجاسوس الإسرائيلي أيلي كوهين الذي أعدم وسط دمشق وسط الستينات.
تعيد هذه الصفقة للأذهان تاريخ عمليات تبادل الأسرى بين الطرفين، فمنذ العام 1991م أبرمت إسرائيل و"حزب الله" بوساطات أجنبية ست صفقات، كان آخرها في عام 2004، وشملت مقايضة 400 أسير لبناني وعربي برجل أعمال إسرائيلي وجثث ثلاثة جنود أسرهم "حزب الله" عام 2000.
والسيناريو ذاته تجدد بعد اسر "حزب الله" للجنديين ايهود غولدفاسر، وجلعاد ريغيف في عام 2006م، إذ وافقت إسرائيل بموجب هذه الصفقة على الإفراج عن الأسير اللبناني سمير قنطار، وأربعة أسرى لبنانيين آخرين، وإعادة عشر جثث لعناصر "حزب الله"، مقابل الإفراج عن الجنديين الإسرائيليين، وبعد موافقة "حزب الله" على نشر تقرير مفصل حول جهوده في البحث عن الطيار المفقود رون آراد، والنتائج التي توصل إليها، وهو الأمر الذي من شانه أن يسارع من إتمامها.
ومن الجدير ذكره أن الوساطة الألمانية كانت ولا زالت العنصر الأساسي في تحقيق تبادل الأسرى بين الطرفين، بواقع العلاقات الجيدة التي تربطهم مع كافة الأطراف، فضلاً عن أن الوساطة الألمانية الحالية تجري في إطار الأمم المتحدة، وهي بذلك تختلف عن كل الوساطات الألمانية السابقة، أضف إلي ذلك اهتمام كافة الأطراف بإتمام الصفقة؛ بغية كسب استحقاقات أمنية وسياسية لكل واحد منهم، فإسرائيل معنية لإتمام الصفقة للأسباب التالية:
الوضع الشخصي والحزبي والسياسي الحرج الذي يعيشه رئيس الوزراء الإسرائيلي، وإتمام مثل هذه الصفقة قد تعيد له بعضاً من شعبيته، ويكسبه بعض الوقت أيضاً، على الرغم من ارتفاع الأصوات المطالبة بضرورة استقالته.
التحضير لجولات إسرائيلية قادمة في المنطقة، بعد ضمان عدم وجود رهائن إسرائيليون مع أي طرف معادي، خاصة بعد تصريحات وزير البنى التحتية الإسرائيلي بنيامين بن اليعازر الثلاثاء المنصرم بأن السلام مع دمشق سيقلب الوضع الاستراتيجي(في إشارة إلي عزل إيران وإسكات "حزب الله") على حد زعمه.
إسرائيل والولايات المتحدة معنيتان بتهدئة الأجواء مع الأطراف العربية، بغية التفرغ الكامل لإيران وبرنامجها النووي، حيث انعكس المسار التفاوضي مع سوريا إيجابا على سير المحادثات وتعجيلها بشكل عام.
أما على صعيد "حزب الله" فقد شكلت هذه الصفقة نصراً إضافياً لحزب الله وعزّزت من نهجه السياسي والعسكري، فضلاُ عن الرغبة السورية الشديدة التي دفعت حزب الله وبقوة باتجاه الشروع بالمفاوضات مع إسرائيل، ونجاح حزب الله في إظهار اولمرت كمن يلهث وراء مصلحة حزبية أو شخصية لحفظ ماء وجهه.
و"حماس" بالطبع لن تجد فرصة ذهبية مثل هذه، لتحقيق مطالبها وسط غطاء عربي وإقليمي واسع، واستغلال مشروع التهدئة مع إسرائيل؛ لتخفيف وطأة الحصار؛ ولترتيب وضعها الداخلي في ظل التهديدات المبطنة والعلنية ضدها. خاصة بعد الجمود الذي اعترى مسار المفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية.
الطريق اللولبي الذي تسلكه إسرائيل بمباركة أمريكية يعكس التوجه القادم نحو منطقة الشرق الأوسط في ظل المعادلات الإقليمية الطارئة، خاصة بعد زج أطراف أوروبية في المعادلة الإسرائيلية مع الدول العربية. فتزامن المفاوضات الجارية بشأن إتمام صفقة تبادل الأسرى مع استئناف المفاوضات في المسار السوري- الإسرائيلي، يعكس مدى قوة التأثير السوري على "حزب الله"و"حماس"، وقدرتها على توجيه الأحداث على الحدود الشمالية والحدود مع قطاع غزة .
وبالنظر إلي خطاب الأمين العام لـ"حزب الله" الاثنين الماضي، نجد أن مرحلة تنفيذ الصفقة قريباً جداً وقد تحسم خلال 30 يوما القادمة، ولكن الأمر برمته داخل الملعب الإسرائيلي الآن، خاصة وأن هذه الصفقة بمضمونها وأبعادها تأتي في (أشد الأزمات) ضراوةً بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل، وهي أشبه "بالكمين السياسي" الذي وضعه الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بغية تخليص الأخير ولو مؤقتا أو شكلياً من ورطته الداخلية، والارتقاء بالدور الأمريكي ولو ضمنياً، الذي بات معدوماً، ويبقى السؤال المطروح هل سيستطيع اولمرت الصمود لإتمام الصفقة في ظل الملاحقات القضائية ضده؟؟ وهل تفاقم وضعه الحزبي والسياسي له علاقة بالتطورات الجارية على مسار التفاوض مع الأطراف الثلاثة "سوريا،"حزب الله"، "حماس"؟؟.
سؤال آخر هل ما يجري حالياً في الأروقة السياسية الإسرائيلية يعتبر غباءاً أم دهاءاً سياسياً سينكشف قريبا؛ لتزامن إتمام صفقة تبادل الأسرى واستئناف المفاوضات مع سوريا مع تزايد الضغوطات على اولمرت والشرخ السياسي الذي تعيشه إسرائيل في الوقت الحالي، وهل الأمر يأتي من باب الإسراع أم التنصل المفبرك لأي التزامات قد تندم عليها إسرائيل مستقبلاً.