إليك أخي وإلى غزةَ..اليكم تحيةُ حبٍّ وأملٍ واعتذار/بقلم:ساهر صافي
أخي العزيز معتز...
أخي العزيز معتز...
إليك اخي وإلى غزةَ... اليكم تحية حبٍّ وأملٍ واعتذار ... ماذا بعد ؟!
في هذا الزحام المغيّب في لندن أرى غزةَ الباكية ممددةً على مقصلةِ الموت، مكبلةً بالسلاسل، موشحةً بالدماء... وأراني أبكيها تُعذّب ويُقبَّل جسدُها بالنار ويصرخ فيها أن تعترف بذنبِ أنبيائها وأن تعتذر لنفسها عن رغبة أهلها بحياةٍ كريمة وبعضِ الحب.
أراها ويغرسُ بعض أهلها في قلبها ورد الوعود وتسيَّج بالتاريخ العتيد البعيد دون الاكتراث بتعاقب الفصول الأربعة. يرصدها العالم على محطات التلفزة وهي تنزف أهلها واحداً تلو الآخر ويدعون لها ببعض الحظ والسمعة الطيبة
غزة سُبيت شمسها وضلَّ قمرها الطريق لليلِ الآخرين.
كل ذلك وما زالت تننظر خبراً يأتي من بعيد يفك احتضار الروح والجسد ...
أنت يا أخي هناك في قلب غزةَ الباكية تتفقد موطنَ الجروح في الذاكرة ... وأنا هنا أحملك في عينيّ عنواناً لهويتي ووجعي ومرساي، بوحدة الدم أعيش نبضك وأسمع صوتك ...
ليس في وجداني سوى ألم الغياب وأملٍ جارحٍ بأن تحتفظ في وسط هذا القفر ببسمةٍ على وجهك المتعب لتلقي بها التحية على أُمِّنا عند المساء وتعتذر لها ولكم جميعاً عن ظلم هذا الحاضر ، إنه بخيل جداً يا أخي على من يستحقون العطاء .
لن أستطيع أن أفصح وأشرح لك عن فجاعة عواطفي وثقل همي بما يصيبكم . أعلم أنه لم يعد هناك متسع في المدى لاحتضان أعمق من هذا الأسى الذي يطيح بأعماركم ويخطف بهجة أحلامكم ...
يأتي عيدك الثالث والعشرون وأنت تدافع عن حقك في البقاء وفياً لأغنيات طفولتنا معاً مراقبا في الافق عبور أسراب الطيور المهاجرة فوق شجرة سرو أرشدتنا لطريق المدرسة. هكذا إذاً تدخل عامك الثالث والعشرين على جناح فراشة الأمل، باحثاً عن ملجأ آخر أكثر رأفةً بك، تعود فيه إلى ذاتك .
أأقول لك كل عام وأنت حيّ، وحلمك حيّ ؟! أم أوصي غيمة وفيةً عابرةً لحدود الحقيقة أن تحملك إلى عتبات الفرح المدلّل ؟!
ما زلت أذكر ذلك اليوم قبل ثلاثة أعوام وأنا أودعكم على باب بيتنا الكهل عائداً إلى لندن كنت وقد قضيت معكم عشرة أيام فقط بعد سبع سنوات خارج غزة. كم أذكر وجهك وأنت جاهشا بالبكاء وكأنك بحدسك تعلم أنني كنت ضاغطاً على موضع الجرح وأركض في الاتجاه الخاطىء – المعاكس – الذي لا يؤدي إلى قلبي. كان لا بدَّ عليَّ آنذاك أن أحمي المستقبل من نرجسيَّة الحاضر وعبثِه وانحرافِه عن ذاته.
ولكن يا أخي ما زال نزيف الجرح يضيء الطرقات المظلمة – الوعرة – ولا يزال القلب مثقوباً بالغياب . فاعذر لي جموح الأماني وجاذبيَّة الهروب إلى الوراء ، إلى حين . فلنلتقي ككل يوم على ناصية الأمل بجانب أشواقنا ورغبتنا القوية في الحياة .
إلى اللقاء غداً ودمت بسلام .
أخوك ساهر - لندن
موقع العرب يفسح المجال امام المبدعين والموهوبين لطرح خواطرهم وقصائدهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع منبرا حرا في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية منبر العرب. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع على العنوان:alarab@alarab.co.i