إسرائيل تستولي على مقدرات القدس وسكانها منذ إحتلالها وتضيق الخناق عليهم
القدس المحتلة تشهد هجمة غير مسبوقة من قبل السلطات الإسرائيلية، التي تمعن في ممارساتها وانتهاكاتها الجسيمة للقانون الدولي بحق المدينة المحتلة وسكانها الفلسطينيين
لم تكتفِ إسرائيل برواية الحق التاريخي الإيديولوجي التي رافقها ادعاء كون فلسطين "ارض بلا شعب لشعب بلا ارض" فتسلحت لإضفاء الشرعية على سياساتها تجاه الأراضي المحتلة
عملت حكومات إسرائيل المتعاقبة منذ قيامها على جعل شعار القدس عاصمة إسرائيل الأبدية أمرا واقعا، لتكرس على الأرض شعار "إسرائيل دولة يهودية عاصمتها القدس الموحدة" كمبدأ لأي حل للقضية الفلسطينية، لتشهد مدينة القدس المحتلة مؤخرا هجمة غير مسبوقة من قبل السلطات الإسرائيلية، التي تمعن في ممارساتها وانتهاكاتها الجسيمة للقانون الدولي بحق المدينة المحتلة وسكانها الفلسطينيين، وذلك في سباق محموم من اجل تهويد المدينة وإحكام السيطرة الإسرائيلية عليها كأمر واقع.
عملية الاستيطان
فبعد احتلال وضم المدينة لتصبح عاصمة دولة "إسرائيل"جرى تغيير حدود المدينة وتركيبها الديموغرافي، ناهيك عن عملية عزل المدينة بجدار الضم والتوسع عن باقي الأراضي الفلسطينية المحتلة، لتشهد القدس زيادة موتورة في عملية الاستيطان، والإمعان في محاولات الاستيلاء على الأرض والممتلكات تحت مسميات شتى، كما والضغط على مواطنيها الفلسطينيين لدفعهم لهجرة المدينة، بتضييق الخناق عليهم بكافة السبل كمنع البناء وهدم البيوت، وكل ذلك يندرج في سلسلة السياسات الإسرائيلية الدءوبة التي بدأت منذ اللحظة الأولى للاحتلال ، من اجل تغيير واقع وهوية المدينة المحتلة.
تقسيم فلسطين لدولتين
بقيت القدس جزءًا من فلسطين ولم تتميز عن سائر أجزائها، حتى اتخاذ الأمم المتحدة بتاريخ 29-11-1947 قرار تقسيم فلسطين لدولتين، دولة عربية وأخرى يهودية، لتمنح القدس حسب قرار التقسيم رقم 181 مكانة "كيان منفصل"، تتولى الأمم المتحدة إدارته بنظام دولي خاص، ولتكون القدس بحسب هذه الصيغة منطقة حياديه منزوعة السلاح وخالية من أيّ نشاط عسكري، غير أن قرار التقسيم لم ينفذ نتيجة اندلاع الحرب بين الدول العربية والحركة الصهيونية، فكان أن قامت العصابات الصهيونية باحتلال الجزء الغربي لمدينة القدس وتعمل على تشريد كل سكانها العرب ليصبحوا لاجئين، في حين سيطرت القوات الأردنية على البلدة القديمة والأحياء المحيطة فيها"الجزء الشرقي"، لتكمل إسرائيل بعد حرب حزيران 1967 احتلال ما يُعرف "بالقدس الشرقية".
أنظمة القضاء والإدارة
حيث قامت إسرائيل منذ اللحظة الأولى لاحتلالها المدينة عام 67 بالعمل على تغيير وضعها القانوني وواقعها وهويتها السياسية والسكانية، بواسطة سن القوانين ووضع ترتيبات جديدة ، فبتاريخ 25-6-1967 قدمت الحكومة الإسرائيلية ثلاثة مقترحات لمشاريع قوانين بخصوص القدس، تمثلت بقانون تعديل قانون أنظمة السلطة والقضاء ليصبح من الممكن تطبيق القانون وأنظمة السلطة و الإدارة بواسطة إصدار أوامر حكومية في جميع المناطق التي تعتبر جزءا من "أرض إسرائيل"، وثانيا قانون تعديل نظام البلديات بحيث بسطت بلدية القدس الغربية نفوذها على القدس الشرقية، وثالثا قانون المحافظة على الأماكن المقدسة لسنة 1967، ثم لتقوم في26-6-1967 بمنع التجول على مدينة القدس وإجراء إحصاء للسكان، معتبرة أن جداول الإحصاء هي الحكم في إعطاء بطاقات الإقامة للفلسطينيين في القدس، وان من كان خارجها قد فقد حقه في العودة لها حيث تبين أن 66000 مواطن فلسطيني يعيشون داخل حدود المدينة آنذاك ليشكلوا ما نسبته 100% من سكان القدس الشرقية، حيث اقر البرلمان تلك القوانين في 27-6-1967، ليتلو ذلك سماح الكنيست بتطبيق ترتيبات خاصة بشأن السكان بواسطة تعديل قانون "أنظمة القضاء والإدارة" عام 1970، من اجل إخضاع الفلسطينيين بشكل كامل للقانون الإسرائيلي، حيث أكملت إسرائيل إجراءات ضم القدس الشرقية لها من خلال سن قانون أساس: " القدس عاصمة إسرائيل" الذي صادقت عليه الكنيست الإسرائيلي بتاريخ 30-7-1980 الذي ينص على أن " القدس الكاملة والموحدة هي عاصمة إسرائيل ".
ارض بلا شعب لشعب بلا ارض
لم تكتفِ إسرائيل برواية الحق التاريخي الإيديولوجي التي رافقها ادعاء كون فلسطين " ارض بلا شعب لشعب بلا ارض" فتسلحت "إسرائيل" باجتهادات فقهائها في القانون الدولي الذين قدموا آراء وتحليلات قانونية معقدة لإضفاء الشرعية على سياسات إسرائيل تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها " القدس الشرقية "، حيث تدعي وجهة النظر الإسرائيلية الرسمية أن القانون الدولي يدعم موقف إسرائيل من مسألة السيادة على " القدس الشرقية "، أما " القدس الغربية " فإن سيادتها عليها مفروغ منها، وليست هناك ادعاءات فلسطينية مناقضة وليس للفلسطينيين مطالب معينة فيها فقد بني الموقف الرسمي الإسرائيلي تجاه فلسطين التاريخية بما فيها القدس على نظريات متعددة مثل نظرية فراغ السيادة الذي نادى به البروفيسور يهودا بلوم (أستاذ القانون الدولي العام في جامعة تل أبيب ومندوب "إسرائيل" الأسبق في الأمم المتحدة) حيث ادعت تلك النظرية بان عدم وجود كيان سياسي فلسطيني (في الفترة الممتدة ما بين تنازل الإمبراطورية العثمانية عن أراضيها اثر هزيمتها في الحرب العالمية الأولى التي خضعت فيها فلسطين لنظام الانتداب وحتى عام 1948) يعني عدم وجود سيادة لأحد على ارض فلسطين، ولهذا فهي حق لليهود الذين أتوا لها وأقاموا دولة إسرائيل عليها، وعليه فان هذا يعني شرعية وجود إسرائيل وسيادتها على القدس كلها.
الإنتداب البريطاني
حيث تمكن المغالطة لقواعد القانون الدولي في تجاهل حقيقة أن تنازل الدولة عن إقليم ما تحت سيادتها ينقل السيادة إلى سكان هذا الإقليم الأصليين، وبالتالي يصبح للفلسطينيين الحق في تشكيل الدولة المستقلة أو الانضمام إلى دولة قائمة، لان السيادة تكون قد انتقلت إلى الشعب الفلسطيني الذي خضع إقليمه للانتداب البريطاني وفقًا لقرار الانتداب الصادر عن عصبة الأمم، والذي كان يحمل في طياته معنى معاونة شعب الإقليم الخاضع للانتداب على الحصول على حقهم في تقرير المصير، وتشكيل دولتهم المستقلة عندما يكونون مستعدين لذلك، ذلك أن الشعب الفلسطيني هو صاحب ذلك الإقليم كونه يشكل غالبية سكان فلسطين آنذاك، لذلك فإن القول بأنه لم يكن للفلسطينيين دولة قبل 1948 يعني عدم وجود سيادة لأحد على ارض فلسطين، هو أمر يتنافى مع قواعد القانون الدولي المعاصر .
تغيب الهوية الفلسطينية عن القدس
وبهذا حاولت إسرائيل تغيب الهوية الفلسطينية عن القدس، معتبرة أصحابها الفلسطينيين"أجانب" يقيمون إقامة دائمة في القدس عاصمة إسرائيل دون أن يكونوا مواطنين فيها، وهكذا لم تعتبرهم مواطنين مدنيين تحت الاحتلال ولا مواطنين في إسرائيل، وفي كلا الحاليتين كان الهدف هو جعل حق البقاء للفلسطينيين في القدس غير دائم ، ذلك أن الاختلاف ما بين حق المواطنة وحق الإقامة الدائمة هو أن الأخير يمكن أن يسحب تحت أي ظرف وأي وقت خلافا للمواطنة التي لا يحق لأحد سحبها إلا في حالات محددة تتعلق بأمن الدولة، فقد طبقت إسرائيل على الفلسطينيين في القدس قانون الإقامة لسنة 1952 وتعديلاته لسنة 1974 لأنظمة الدخول والذي يقضي بشروط وتعليمات خاصة متعلقة بالإقامة لكل من يدخل إسرائيل وبذلك اعتبرت جميع الفلسطينيين المقيمين في القدس قد دخلوا إلى إسرائيل بطريقة غير شرعية في الخامس من حزيران، ثم سمح لهم بالإقامة في القدس كفلته " إنسانية دولة إسرائيل "، وبذلك فهم ليسوا مواطنين وإنما أجانب يقيمون إقامة دائمة داخل إسرائيل، ولذلك فكل من يغير مكان إقامته منهم لخارج إسرائيل أو خارج حدود بلدية القدس يفقد حقه في الإقامة ويبعد خارج البلاد، وهو الأمر الذي ينافي قواعد القانون الدولي، ففي المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1949 تأكيد على حق الإنسان في بلده الأصلي والتي جاء فيها:" أن لكل فرد حرية التنقل ، وفي اختيار محل إقامته داخل حدود دولته"، كذلك الأمر بالنسبة للعهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أن لكل فرد يوجد على نحو قانوني داخل إقليم دولة ما حرية التنقل فيه وحرية اختيار مكان إقامته.
شروط الجنسية
وضعت السلطات الإسرائيلية ترتيباً خاصاً بالنسبة للجنسية، فقد سمحت للسكان الفلسطينيين بالحصول على الجنسية الإسرائيلية إذا تقدموا بطلبات الحصول عليها بمحض إرادتهم ولكنها لم تفرضها عليهم، ليصبح القانوني لسكان القدس الذين لم يحصلوا على الجنسية فهو نفس وضع من يحصلون على تصريح بالإقامة الدائمة، حيث يسكن القدس حوالي 254 ألف فلسطيني يحملون الهوية الزرقاء والتي تعتبر مؤشرا لكونهم مقيمين دائمين، فحتى نهاية عام 2005 قدرت دائرة الإحصاء المركزية أن 93% من السكان العرب في القدس يتمتعون بمكانة مقيم دائم و5% بمكانة مواطن حصلوا عليها من خلال التجنيس و2% مكانتهم غير محددة.
عاصمة إسرائيل
ومما لا شك فيه أن قرار ضم المدينة لتصبح عاصمة إسرائيل خلق وضعا مضللا ومعقدا، لتأتي هذه الخطوة من اجل إيهام الرأي العام العالمي أنها مجرد إجراء إداري تتخذه السلطات الإسرائيلية من اجل تسيير العمل الإداري والبلدي في المدينة، لحين إحكام السيطرة عليها وفرض أمر واقع أمام العالم.